العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حروب إسرائيل ومخاوف من انهيار سياسة الردع وفرض الهيمنة

بقلم: د. رمزي بارود

الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يندر‭ ‬أن‭ ‬تُخاض‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬المعارك‭ ‬فحسب‭. ‬فالحروب‭ ‬تُخاض‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وفي‭ ‬تصور‭ ‬القوة‭ ‬والضعف،‭ ‬وفي‭ ‬المخيلة‭ ‬السياسية‭ ‬لمناطق‭ ‬بأكملها‭. ‬وقد‭ ‬أدركت‭ ‬إسرائيل‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬تاريخها،‭ ‬فأصبحت‭ ‬الهيمنة‭ ‬النفسية‭ ‬تمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬عقيدتها‭ ‬العسكرية‭.‬

ومنذ‭ ‬بدايات‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬تم‭ ‬التعبير‭ ‬صراحةً‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬ضرورة‭ ‬إظهار‭ ‬القوة‭ ‬بمظهرٍ‭ ‬القوة‭ ‬الطاغية‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1923،‭ ‬كتب‭ ‬الزعيم‭ ‬الصهيوني‭ ‬المتطرف‭ ‬زئيف‭ ‬جابوتنسكي‭ ‬في‭ ‬مقالته‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬الجدار‭ ‬الحديدي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الصهيونية‭ ‬لن‭ ‬تنجح‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يقتنع‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬بأن‭ ‬المقاومة‭ ‬ميؤوس‭ ‬منها،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لن‭ ‬يقبلوا‭ ‬باستمرار‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يدركون‭ ‬عجزهم‭ ‬عن‭ ‬هزيمته‭.‬

وبالفعل،‭ ‬فقد‭ ‬عكست‭ ‬أحداث‭ ‬النكبة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1947‭ ‬و1948‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬طرد‭ ‬وتهجير‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬و900‭ ‬ألف‭ ‬فلسطيني‭ ‬أو‭ ‬إجبارهم‭ ‬على‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬ديارهم،‭ ‬بينما‭ ‬دُمّرت‭ ‬مئات‭ ‬القرى‭ ‬أو‭ ‬أُخليت‭ ‬من‭ ‬سكانها‭. ‬لقد‭ ‬حدثت‭ ‬عمليات‭ ‬الطرد‭ ‬نتيجة‭ ‬مزج‭ ‬إسرائيل‭ ‬بين‭ ‬الهجوم‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬والتهجير‭ ‬القسري‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وانهيار‭ ‬المجتمع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

وقد‭ ‬لعبت‭ ‬المجازر‭ ‬دورًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬إشاعة‭ ‬مناخ‭ ‬من‭ ‬الخوف‭. ‬فقد‭ ‬تردد‭ ‬صدى‭ ‬مجزرة‭ ‬دير‭ ‬ياسين‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬1948،‭ ‬والتي‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬فلسطيني‭ ‬مدني‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المليشيات‭ ‬الصهيونية،‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬فلسطين‭. ‬لكن‭ ‬دير‭ ‬ياسين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مجازر‭ ‬عديدة‭ ‬وقعت‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭. ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مثل‭ ‬اللد،‭ ‬وطنطورة،‭ ‬وصفصاف،‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬مناخ‭ ‬من‭ ‬الرعب‭ ‬عجّل‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬نزوح‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الفلسطينية‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الأثر‭ ‬النفسي‭ ‬لتلك‭ ‬الأحداث‭ ‬عميقا‭ ‬وواسع‭ ‬النطاق‭. ‬فق‭ ‬انتشرت‭ ‬أنباء‭ ‬المجازر‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬مما‭ ‬أقنع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بأن‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬منازلهم‭ ‬يعني‭ ‬المخاطرة‭ ‬بالإبادة‭. ‬كان‭ ‬الدرس‭ ‬واضحا‭: ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للغزو،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬للهيمنة‭ ‬النفسية‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقًا‭ ‬تُركز‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العنف‭ ‬المفرط‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حروب‭ ‬إسرائيل‭ ‬تهدف‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬الأعداء‭ ‬عسكريًا،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬ستنتهي‭ ‬دائمًا‭ ‬بعواقب‭ ‬وخيمة‭.‬

ولطالما‭ ‬عبّر‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الأعوام‭ ‬والعقود‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬علنًا‭. ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬لتأسيس‭ ‬الدولة،‭ ‬صرّح‭ ‬موشيه‭ ‬دايان،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الشخصيات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬تصريحًا‭ ‬شهيرًا‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مستعدين‭ ‬للعيش‭ ‬بالسيف‭. ‬وقد‭ ‬جسّد‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأن‭ ‬بقاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬الدائم‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬سمعة‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭.‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عقود‭ ‬كاملة،‭ ‬استمر‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬هوية‭ ‬البلاد‭ ‬بعبارات‭ ‬مماثلة‭. ‬ففي‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬وصف‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬السابق‭ ‬إيهود‭ ‬باراك‭ ‬إسرائيل‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬فيلا‭ ‬في‭ ‬الأدغال‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تعكس‭ ‬رؤية‭ ‬للعالم‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬جزيرة‭ ‬حضارية‭ ‬محصنة‭ ‬محاطة‭ ‬ببيئة‭ ‬معادية‭ ‬ومتوحشة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭.‬

لقد‭ ‬عزز‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬دائماً‭ ‬القوة‭ ‬الساحقة‭. ‬ووفقاً‭ ‬لهذا‭ ‬المنطق،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الضعف‭ ‬سيستدعي‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭.‬

لقد‭ ‬اتخذت‭ ‬هذه‭ ‬العقيدة‭ ‬شكلاً‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬فخلال‭ ‬حرب‭ ‬لبنان‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬صاغ‭ ‬الاستراتيجيون‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬لاحقاً‭ ‬بعقيدة‭ ‬الضاحية،‭ ‬نسبةً‭ ‬إلى‭ ‬ضاحية‭ ‬بيروت‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لقصف‭ ‬مكثف‭ ‬خلال‭ ‬النزاع‭. ‬وقد‭ ‬دعت‭ ‬هذه‭ ‬العقيدة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬قوة‭ ‬هائلة‭ ‬وغير‭ ‬متناسبة‭ ‬ضد‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحركات‭ ‬التي‭ ‬تحاربها‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬مجرد‭ ‬تدمير‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬إلحاق‭ ‬دمار‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يردع‭ ‬المجتمعات‭ ‬بأكملها‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬جماعات‭ ‬المقاومة‭.‬

وقد‭ ‬استرشدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بفلسفة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬حروبها‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬غزة‭. ‬وبدأ‭ ‬الاستراتيجيون‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬يطلقون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬الدورية‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬جز‭ ‬العشب‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مصطلح‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭ ‬نهائياً،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬إضعافها‭ ‬دورياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬قصيرة‭ ‬ومدمرة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وقد‭ ‬بدت‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬ناجحة‭. ‬فقد‭ ‬عزز‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬الثابت،‭ ‬صورةً‭ ‬مفادها‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬بإسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

لكن‭ ‬الهيمنة‭ ‬النفسية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الإيمان،‭ ‬والإيمان‭ ‬قابل‭ ‬للتآكل‭. ‬فقد‭ ‬اهتزت‭ ‬سياسة‭ ‬الردع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

لقد‭ ‬حدث‭ ‬أول‭ ‬انهيار‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬هالة‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقهر‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2000،‭ ‬عندما‭ ‬انسحبت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭. ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فُسِّر‭ ‬الانسحاب‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تُجبر‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬التراجع‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬عسكري‭.‬

سعت‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬هيمنتها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لبنان‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬لكن‭ ‬النتيجة‭ ‬شكّلت‭ ‬تحدياً‭ ‬جديداً‭ ‬لصورة‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الحاسم‭. ‬لكن‭ ‬الضربة‭ ‬الأعمق‭ ‬للعقيدة‭ ‬النفسية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬حدثت‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬المحيطة‭ ‬بيوم‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬والحرب‭ ‬التي‭ ‬تلته‭.‬

كان‭ ‬رد‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬هو‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬المدمرة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬حيث‭ ‬قُتل‭ ‬أو‭ ‬جُرح‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ودُمر‭ ‬القطاع‭ ‬بأكمله‭ ‬تقريباً‭.‬

كان‭ ‬حجم‭ ‬العنف‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬حتى‭ ‬بمعايير‭ ‬الحروب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬غزة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬عقاب‭ ‬جماعي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬أيضاً‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬التوازن‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬اعتقدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬انهار‭.‬

وقد‭ ‬عبّر‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭. ‬فخلال‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيل‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬2008‭-‬2009،‭ ‬أشارت‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬آنذاك،‭ ‬تسيبي‭ ‬ليفني،‭ ‬علنًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ترد‭ ‬بطريقة‭ ‬تُظهر‭ ‬قوة‭ ‬ساحقة‭: ‬فعندما‭ ‬تتعرض‭ ‬إسرائيل‭ ‬للهجوم،‭ ‬‮«‬تردّ‭ ‬بقوة‭ ‬هائلة‭ - ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬جيد‮»‬‭.‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬بمثابة‭ ‬مسرح‭ ‬نفسي‭. ‬لكن‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬نتيجة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭.‬

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تتجلى‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بث‭ ‬صور‭ ‬تنتشر‭ ‬فوراً‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬فخلال‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬انتشرت‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تُظهر‭ ‬مركبات‭ ‬مدرعة‭ ‬إسرائيلية‭ - ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دبابات‭ ‬ميركافا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُثير‭ ‬الرعب‭ - ‬وهي‭ ‬تُقصف‭ ‬بأسلحة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مضادة‭ ‬للدبابات‭ ‬بسيطة‭ ‬نسبياً‭.‬

لطالما‭ ‬ارتبطت‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأجيال،‭ ‬بالتفوق‭ ‬التكنولوجي‭. ‬وفجأة،‭ ‬شاهد‭ ‬ملايين‭ ‬المشاهدين‭ ‬شيئاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬تماماً‭: ‬جيش‭ ‬قوي‭ ‬يكافح‭ ‬ضد‭ ‬مقاتلين‭ ‬مقاومين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬الحصار‭. ‬ولعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬اعتقد‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ -‬وكذلك‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭- ‬أن‭ ‬أراضي‭ ‬إسرائيل‭ ‬محمية‭ ‬بدرع‭ ‬دفاعي‭ ‬شبه‭ ‬منيع‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬والأحداث‭ ‬أن‭ ‬تُشكك‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬التصورات‭ ‬رسوخاً‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭: ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬المساس‭ ‬بها‭ ‬عسكرياً‭.‬

يصوّر‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬الحالية‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬وجودية‭. ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬الحرب‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬بأنها‭ ‬صراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بقاء‭ ‬إسرائيل،‭ ‬مردداً‭ ‬بذلك‭ ‬عبارات‭ ‬سابقة‭ ‬حول‭ ‬‮«‬العيش‭ ‬بالسيف‮»‬‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا