مع دخول الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الثالث، لا يوجد في الأفق أي مؤشرات تدل على أنها تقترب من نهايتها؛ إذ لا تزال لغة التصعيد هي الصفة الغالبة على الخطابين السياسي والإعلامي للمسؤولين عن إدارة هذه الحرب؛ فتصريحات الرئيس الامريكي ترامب تصب في هذا الاتجاه إذ يقول: على إيران الاستسلام أو ستتلقى مزيدا من الضربات الموجعة التي ستطول كل المنشآت الحيوية فيها، كما يذهب وزير حربه هيغسيت إلى القول: إن الحرب ضد إيران ستستمر حتى تصبح غير قادرة على القتال، وأضاف أنه سيأتي وقت لن يكون فيه أمامها خيار سوى الاستسلام. ويشارك قادة الكيان الصهيوني الأمريكيين بالقول: إن الحرب لن تتوقف حتى يتحقق الهدف النهائي منها وهو إضعاف النظام في إيران.
في المقابل، لا تزال إيران متمسكة بخيار مواصلة الحرب على الرغم من الخراب والدمار الشديدين اللذين أصابها نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وقد عبر أكثر من مسؤول إيراني عن ذلك ومنهم رئيس البرلمان قاليباف الذي قال: «إن إيران لا تسعى بأي حال من الأحوال إلى وقف إطلاق النار معتبراً أنه يجب ضرب المعتدي على فمه ليتلقى درساً معْتَبراً يجعله لا يفكر أبداً في الاعتداء على إيران مرة أخرى».
نفهم من هذه المواقف، أن كل الأطراف المتحاربة ليس لديها النية بوقف الحرب، وهذا يعني أن أمدها سيطول ما لم تستجد ظروف قد تجبر الجميع على إبداء مرونة تدفعهم إلى الدخول في مفاوضات تفضي إلى القبول بوقف إطلاق النار.
في تصريحات أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عبر تغريدة له على منصة إكس تحدث عن مسار الحرب فقال: «إن الأسواق والذخائر ستحددان في المرحلة المقبلة كيف ومتى تنتهي الحرب». ولو دققنا النظر في مقولة بلينكن سنكتشف أنه يقصد أن الذي سيحدد مصير الحرب عاملان هما: حركة الأسواق العالمية وبالتحديد مسار أسواق النفط والأسهم والسندات حيث يؤكد أن هذه المسألة تلعب دوراً حاسماً في تحديد اتجاه الصراع، وأن الرئيس ترامب يولي اهتماماً كبيراً لهذه المؤشرات.
والعامل الثاني هو وجود سباق استنزاف لمعرفة من سينفد مخزونه من الصواريخ أولاً سواء صواريخ الاعتراض المستخدمة في الدفاع أو الصواريخ الهجومية الموجهة لضرب منصات الإطلاق، موضحا أن مآل هذا السباق قد يكون عاملاً حاسما في تحديد المواجهة ونهايتها.
نتساءل: هل يكون لهذين العاملين تأثير كبير على تفكير ترامب بحيث يدفعانه إلى اتخاذ قرار وقف هذه الحرب من دون تحقيق الهدف الأساسي لها؟ وهل يقبل الإيرانيون بوقف الحرب، كما فعل مؤسس جمهوريتهم آية الله الخميني عندما وافق على إطلاق النار بين بلاده والعراق عام 1988؟
من ناحية الرئيس ترامب، فإن استقرار سوق النفط يهمه جداً، وأنه سيأخذ في اعتباره هذا المتغير، وسيحاول البحث عن مخرج من هذه الحرب تحت مسوقات ترضي غروره، وفي ظني أنه لن يتأتى له ذلك إلا من خلال تخفيض سقف أهدافه من هذه الحرب التي أعلنها مع انطلاق شرارتها وعلى رأسها إسقاط نظام الملالي.
أما إيران، فهي الأخرى تريد وقف هذه الحرب ولكن بشرط إعطائها ضمانات بعدم المساس بنظامها، وعليه تتوقف الولايات المتحدة وإسرائيل عن مساعيهما الهادفة إلى إسقاط النظام، من خلال كف أيديهما عن دعم الأقليات الإيرانية ومساندتهم، وافساح الطريق أمامهم لإعلان استقلالهم. والتخلي عن فكرة تسويق ابن الشاه (رضا بهلوي) ليكون البديل لنظام الملالي، وليقود المرحلة الانتقالية بعد إسقاط نظام الملالي.
ومهما حاول الإيرانيون إظهار غير ذلك فإنهم غير صادقين؛ لأن الذي يدفعهم الآن إلى الصراخ والتهديد بمواصلة الحرب، وبحرق المنطقة هو نتيجة الرعب والخوف الشديد من اقتراب نهاية نظامهم، ومتى ما أعطوا الأمان بأن نظامهم لن يمس، فإن هذه الزوبعة يمكن ان تنتهي، ويوافقون على إطلاق النار تحت أي مبرر لإرضاء قواعدهم الشعبية. ولا تزال تصر على مواصلة الحرب على الرغم من الخراب والدمار الذي طال كل جغرافيتها اعتقاداً منها أن النصر سيكون حليفها؛ لأنها تعتقد اعتقاداً جازماً أنها تمثل محور الخير ضد محور الشر ونتيجة لهذا الاعتقاد فهي تظن أنها ستلحق هزيمة منكرة بالولايات المتحدة وإسرائيل، فهل هذا التصور يتفق مع العقل والمنطق والواقع؟
أما دول الخليج العربية، فكان موقفها من هذه الحرب واضحاً قبل اشتعال فتيلها؛ فهي كانت رافضة لهذه الحرب، لأنها تعي جيداً أن شررها سيصل إليها قبل غيرها، ولهذا السبب بذلت هذه الدول كل ما في وسعها من أجل عدم نشوب الحرب؛ لأنها تدرك أن أراضيها ستتحول إلى ساحات للصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ولذلك كان لسلطنة عمان دور كبير في تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، وقد بذلت جهداً كبيراً في هذا الاتجاه إلى آخر لحظة قبل اندلاع القتال لكن للأسف الشديد أن إيران لم تقدر هذه الجهود، ولم تراع الجيرة، فما إن بدأت الحرب حتى راحت صواريخها ومسيراتها تنهمر على دول الخليج العربية من دون توقف في عدوان آثم وسافر غير مبرر على هذه الدول وانتهاك صارخ لسيادتها؛ فدول الخليج لم تعتد على إيران وهي ليست طرفاً في الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لكن هذا السلوك العدواني يثبت ويؤكد أن إيران لديها النوايا المبيتة ضد دول الخليج وأن العملية معد لها قبل اشتعال الحرب بوقت ليس يسيرا، وهذا ما أكده الرئيس ترامب في أحد تصريحاته.
اللافت للنظر في هذه الحرب هو أن إيران كشفت عن حقدها الدفين لدول الخليج، وأنها تضمر الشر لها وما تكثيف هجماتها الصاروخية على هذه الدول مقارنة بهجماتها على إسرائيل والولايات المتحدة، وضرب منشآتها الحيوية إلا دليل قاطع على أنها تريد الثأر والانتقام من دول الخليج وليس من الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع كل ما قامت به من عدوان سافر وآثم، فإن دول الخليج لا تزال عند موقف الدفاع عن أراضيها وسيادتها ولم تنحدر إلى الانخراط في هذه الحرب، بل إنها تدعو إلى وقفها، وإلى عدم توسعتها ليسود السلام في ربوع المنطقة.
في ظني أن هذه السردية التي يرددها قادة الحرس الثوري والملالي مجرد أضغاث أحلام لا تنسجم مع الحقائق؛ لأن الواقع يشير إلى أن ميزان القوى ليس في صالح إيران، حتى إن بدا لها أنها ألحقت بإسرائيل والولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية جسيمة.
لذلك على الإيرانيين استيعاب الدرس، وأنهم مهما امتلكوا من قوة فستظل القوة الأمريكية متفوقة عليهم بفارق كبير، فإذا أرادوا أن يحافظوا على ما تبقى مما في إيران فعليهم أن يسارعوا لوقف الحرب، وعليهم أن يتجرعوا السم كما تجرعه الإمام الخميني من قبل عندما وافق على إطلاق النار في الحرب الإيرانية-العراقية قبل 37 عاماً، ويقبلوا بوقف الحرب لأن عدم وقفها نتائجه وخيمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك