في شهر فبراير من سنة 2003، توجه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول إلى منظمة الأمم المتحدة لعرض موقف إدارة جورج دبليو بوش ضد الزعيم العراقي صدام حسين، حيث خاطب الحلفاء المترددين من ناحية كما توجه بخطابه إلى الأمريكيين الذين كانوا غير مقتنعين بالدخول في حرب ضد العراق.
يومها انبرى الصقور الذين كانوا يدفعون باتجاه الحرب في العراق ويريدون إشعال فتيلها يشيدون بأداء كولن باول في جلسة مجلس الأمن الدولي ويعتبرون أنه كان «مقنعا ومؤثرا»، وقد ساهم حضور كولن باول الهادئ والآمر، إلى جانب عرض متعدد الوسائط من أشرطة صوتية وصور فوتوغرافية، في بناء حجة قوية للادعاءات الأمريكية بأن نظام بغداد لم يكن يمتثل بشكل كامل لتفويضات الأمم المتحدة وكان يسعى إلى بناء رأس حربي نووي.
وعلى الرغم من أن «الأدلة» التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي كانت منتقاة بعناية أو حتى ملفقة، وقُدّمت ببراعة لتحقيق أقصى قدر من التأثير، إلا أن حججه لم تُقنع غالبية الأمريكيين الذين ظلوا غير مقتنعين.
لم يكن معظم الأمريكيين يرغبون في الدخول في حرب في العراق. فهم لم يكونوا يطالبون بإثبات تسلط الحكومة العراقية أو حقيقة نياتها لأنهم كانوا يعلمون ذلك مسبقاً. فما أرادوا معرفته هو: «لماذا الحرب؟ ولماذا الآن؟»
وفي الواقع، كان معظم الأمريكيين يريدون الحصول على إجابات عن الأسئلة نفسها التي طرحها كولن باول قبل سنوات فيما أصبح يُعرف باسم «مبدأ باول» تحت عنوان- ستة متطلبات قبل أن تنخرط الولايات المتحدة الأمريكية في أي صراع عسكري أجنبي:
-هل كانت مصالح الولايات المتحدة الحيوية على المحك؟
-هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة وقادرة على تخصيص موارد كافية لتحقيق نصر سريع وحاسم وبأقل الخسائر؟
-هل كانت الأهداف العسكرية والسياسية محددة وواضحة المعالم؟
-هل توفرت الإرادة السياسية اللازمة للحفاظ على الالتزام المطلوب لتحقيق الأهداف؟
- هل كان هناك توقع معقول منذ البداية بأن يدعم الشعب الأمريكي في الكونغرس هذا الالتزام ويحافظ على هذا الدعم؟
وبطبيعة الحال فإننا نعلم الآن أن إدارة جورج بوش لم تكن صادقة في تبريرها للحرب في العراق، فصدام حسين لم يكن يمتلك رأسًا نوويًا، ولم يكن بصدد تطويره، ولم يكن العراق هو من دبّر هجمات 11 سبتمبر الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية.
لكنّ الأكاذيب الأكثر أهمية التي ساقتها إدارة جورج بوش كانت تلك التي قُدّمت للكونغرس لطمأنه الرأي العام والكونغرس بشأن مخاوفهم من الحرب، حيث شملت تلك هذه الأكاذيب الادعاء بأن الحرب ستقتصر على عدد محدود من القوات وأن القوات الأمريكية سيحتفى بها في العراق باعتبارها قوات تحرير، وأن الحرب ستنتهي في غضون أسابيع قليلة.
وأن القوات الأمريكية ستتمكن من العودة إلى الوطن بعد ستة أشهر، وأن الحرب لن تكلف سوى بضعة مليارات من الدولارات (مع تغطية التكاليف المتبقية من عائدات النفط العراقي)، وأن نزعات التطرف ستهزم وتدحر، وأن العراق سيبرز كمنارة للديمقراطية لتنير منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
صحيح أن تلك الحرب قد نجحت فعلا في إزاحة صدام حسين من السلطة، لكنّ عواقبها غير المقصودة هي التي لا تزال ماثلة أمامنا بعد جيل كامل من الزمن. فقد قُتل آلاف الأمريكيين ومئات الآلاف من العراقيين.
كما بلغت تكلفة الحرب على الخزانة الأمريكية أكثر من سبعة تريليونات دولار، وأُصيب عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين بجروح وصدمات نفسية جراء خدمتهم، ولا يزال العراق يعاني من عدم الاستقرار.
ومع إلحاق الهزيمة بصدام حسين، ازدادت إيران قوة وجرأة وتمددا، لتجد موطئ قدم لها في العراق، كما تحول التطرف الطائفي لتنظيم القاعدة إلى تنظيم داعش الذي انتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال وغرب إفريقيا.
لقد كان من الضروري القيام أولا بتحليل متأنٍ للوضع الإقليمي قبل إشعال فتيل الحرب، وكان من شأن مثل ذلك التحليل الرصين والمتأني أن يساعد صانعي القرار على فهم حتمية هذه العواقب غير المقصودة.
لكن بما أن كولن باول نفسه لم يُجب عن الأسئلة الستة التي طرحها هو نفسه في مبدئه، فقد دخلنا الحرب في العراق دون تفكير، وما زلنا نحن، والشعب العراقي، والمنطقة بأسرها، نعاني من نتائجها المدمرة والمزعزعة للاستقرار.
لهذا ينبغي أخذ هذا التاريخ المأساوي في الاعتبار والتمعن في دروسه عند تقييمنا للحرب الحالية التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران.
لن يجادل الأمريكيون في موقف الرئيس دونالد ترامب من سياسة القمع الداخلي في إيران أو قيام نظام طهران بتصدير العنف، ولكن بغض النظر عن مدى إشكالية نظرة الأمريكيين إلى النظام الإيراني، فإن أغلبية الشعب تعارض هذه الحرب.
ومع اقتراب ذكرى الحرب في العراق، يتساءل الأمريكيون عن السبب الذي جعل الحرب الحالية ضرورية كما أنهم يتساءلون عن تكلفتها، وشروط المشاركة فيها، وتوقعات النجاح والكيفية التي ستنتهي بها.
ستكون النتيجة حربًا مكلفة بلا جدوى، ومنطقةً تعيش في فوضى سنوات قادمة. والمأساة تكمن في أنه كان من الممكن تجنب هذا لو أن إدارة ترامب استوعبت دروس كارثة حرب العراق والتزمت بمبادئ باول.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك