العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل استوعبت أمريكا دروس العراق في حربها على إيران؟

بقلم: جيمس زغبي

الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2003،‭ ‬توجه‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬آنذاك‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لعرض‭ ‬موقف‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش‭ ‬ضد‭ ‬الزعيم‭ ‬العراقي‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬حيث‭ ‬خاطب‭ ‬الحلفاء‭ ‬المترددين‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬كما‭ ‬توجه‭ ‬بخطابه‭ ‬إلى‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬غير‭ ‬مقتنعين‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬العراق‭.‬

يومها‭ ‬انبرى‭ ‬الصقور‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يدفعون‭ ‬باتجاه‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ويريدون‭ ‬إشعال‭ ‬فتيلها‭ ‬يشيدون‭ ‬بأداء‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬ويعتبرون‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬‮«‬مقنعا‭ ‬ومؤثرا‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬حضور‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬الهادئ‭ ‬والآمر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عرض‭ ‬متعدد‭ ‬الوسائط‭ ‬من‭ ‬أشرطة‭ ‬صوتية‭ ‬وصور‭ ‬فوتوغرافية،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حجة‭ ‬قوية‭ ‬للادعاءات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬نظام‭ ‬بغداد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يمتثل‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬لتفويضات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وكان‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬رأس‭ ‬حربي‭ ‬نووي‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الأدلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬كانت‭ ‬منتقاة‭ ‬بعناية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ملفقة،‭ ‬وقُدّمت‭ ‬ببراعة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التأثير،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حججه‭ ‬لم‭ ‬تُقنع‭ ‬غالبية‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذين‭ ‬ظلوا‭ ‬غير‭ ‬مقتنعين‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬معظم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يطالبون‭ ‬بإثبات‭ ‬تسلط‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬أو‭ ‬حقيقة‭ ‬نياتها‭ ‬لأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يعلمون‭ ‬ذلك‭ ‬مسبقاً‭. ‬فما‭ ‬أرادوا‭ ‬معرفته‭ ‬هو‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬الحرب؟‭ ‬ولماذا‭ ‬الآن؟‮»‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يريدون‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬إجابات‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬فيما‭ ‬أصبح‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬باول‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭- ‬ستة‭ ‬متطلبات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنخرط‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬عسكري‭ ‬أجنبي‭:‬

‭-‬هل‭ ‬كانت‭ ‬مصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الحيوية‭ ‬على‭ ‬المحك؟

‭-‬هل‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مستعدة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تخصيص‭ ‬موارد‭ ‬كافية‭ ‬لتحقيق‭ ‬نصر‭ ‬سريع‭ ‬وحاسم‭ ‬وبأقل‭ ‬الخسائر؟

‭-‬هل‭ ‬كانت‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬محددة‭ ‬وواضحة‭ ‬المعالم؟

‭-‬هل‭ ‬توفرت‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬اللازمة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬المطلوب‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف؟

‭- ‬هل‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬توقع‭ ‬معقول‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬بأن‭ ‬يدعم‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدعم؟

وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فإننا‭ ‬نعلم‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬تبريرها‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فصدام‭ ‬حسين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يمتلك‭ ‬رأسًا‭ ‬نوويًا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بصدد‭ ‬تطويره،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬دبّر‭ ‬هجمات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

لكنّ‭ ‬الأكاذيب‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬التي‭ ‬ساقتها‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قُدّمت‭ ‬للكونغرس‭ ‬لطمأنه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬والكونغرس‭ ‬بشأن‭ ‬مخاوفهم‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬شملت‭ ‬تلك‭ ‬هذه‭ ‬الأكاذيب‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬ستقتصر‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬وأن‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬سيحتفى‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬باعتبارها‭ ‬قوات‭ ‬تحرير،‭ ‬وأن‭ ‬الحرب‭ ‬ستنتهي‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭.‬

وأن‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ستتمكن‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وأن‭ ‬الحرب‭ ‬لن‭ ‬تكلف‭ ‬سوى‭ ‬بضعة‭ ‬مليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ (‬مع‭ ‬تغطية‭ ‬التكاليف‭ ‬المتبقية‭ ‬من‭ ‬عائدات‭ ‬النفط‭ ‬العراقي‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬نزعات‭ ‬التطرف‭ ‬ستهزم‭ ‬وتدحر،‭ ‬وأن‭ ‬العراق‭ ‬سيبرز‭ ‬كمنارة‭ ‬للديمقراطية‭ ‬لتنير‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بأكملها‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬إزاحة‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬السلطة،‭ ‬لكنّ‭ ‬عواقبها‭ ‬غير‭ ‬المقصودة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ماثلة‭ ‬أمامنا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الزمن‭. ‬فقد‭ ‬قُتل‭ ‬آلاف‭ ‬الأمريكيين‭ ‬ومئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭.‬

كما‭ ‬بلغت‭ ‬تكلفة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار،‭ ‬وأُصيب‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الأمريكيين‭ ‬بجروح‭ ‬وصدمات‭ ‬نفسية‭ ‬جراء‭ ‬خدمتهم،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬العراق‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬إلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬بصدام‭ ‬حسين،‭ ‬ازدادت‭ ‬إيران‭ ‬قوة‭ ‬وجرأة‭ ‬وتمددا،‭ ‬لتجد‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬كما‭ ‬تحول‭ ‬التطرف‭ ‬الطائفي‭ ‬لتنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الذي‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬وغرب‭ ‬إفريقيا‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬القيام‭ ‬أولا‭ ‬بتحليل‭ ‬متأنٍ‭ ‬للوضع‭ ‬الإقليمي‭ ‬قبل‭ ‬إشعال‭ ‬فتيل‭ ‬الحرب،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬التحليل‭ ‬الرصين‭ ‬والمتأني‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬حتمية‭ ‬هذه‭ ‬العواقب‭ ‬غير‭ ‬المقصودة‭.‬

لكن‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يُجب‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬الستة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مبدئه،‭ ‬فقد‭ ‬دخلنا‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬دون‭ ‬تفكير،‭ ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نحن،‭ ‬والشعب‭ ‬العراقي،‭ ‬والمنطقة‭ ‬بأسرها،‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬نتائجها‭ ‬المدمرة‭ ‬والمزعزعة‭ ‬للاستقرار‭.‬

لهذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬المأساوي‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬والتمعن‭ ‬في‭ ‬دروسه‭ ‬عند‭ ‬تقييمنا‭ ‬للحرب‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭.‬

لن‭ ‬يجادل‭ ‬الأمريكيون‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬القمع‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬قيام‭ ‬نظام‭ ‬طهران‭ ‬بتصدير‭ ‬العنف،‭ ‬ولكن‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬إشكالية‭ ‬نظرة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإن‭ ‬أغلبية‭ ‬الشعب‭ ‬تعارض‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬ذكرى‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يتساءل‭ ‬الأمريكيون‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬ضرورية‭ ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬يتساءلون‭ ‬عن‭ ‬تكلفتها،‭ ‬وشروط‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها،‭ ‬وتوقعات‭ ‬النجاح‭ ‬والكيفية‭ ‬التي‭ ‬ستنتهي‭ ‬بها‭.‬

ستكون‭ ‬النتيجة‭ ‬حربًا‭ ‬مكلفة‭ ‬بلا‭ ‬جدوى،‭ ‬ومنطقةً‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬فوضى‭ ‬سنوات‭ ‬قادمة‭. ‬والمأساة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تجنب‭ ‬هذا‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬استوعبت‭ ‬دروس‭ ‬كارثة‭ ‬حرب‭ ‬العراق‭ ‬والتزمت‭ ‬بمبادئ‭ ‬باول‭.‬

‭ ‬{ رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا