اعتدنا أن نرى الحروب في الصور: كمبانٍ مهدمة، أعمدة دخان، وخرائط تتغير حدودها. ويبدو أحيانًا وكأن الدمار هو كل ما في الحكاية. غير أن التجارب الطويلة بينت شيئًا آخر أيضا، أقل ظهورًا وأبعد أثرًا. المدن التي تهدمها الحروب تُعاد بناؤها مع الوقت، أما ما يتغير داخل الناس فيبقى سنوات أطول، أحيانًا أجيالًا كاملة.
ما تتركه الحروب في النفوس لا يظهر في نشرات الأخبار. الخوف الذي لا يُرى، والشك الذي يتسرب بين الناس، واللغة التي تصبح أكثر حدة يومًا بعد يوم. مع الوقت تتغير طريقة الحديث عن الآخرين شيئًا فشيئًا، حتى يجد المرء نفسه ينظر إلى العالم بعيون مختلفة عما كانت عليه سابقا.
هذا التحول لا يأتي دفعة واحدة، يبدأ بكلمة هنا وموقف هناك، ثم يتسع حتى يصبح جزءًا من طريقة التفكير. والأخطر أن هذا الأثر لا يتوقف عند من عاشوا الحرب.
فالجدة التي عاشت الحرب تورّث حذرها لأحفادها دون أن تقصد، والطفل الذي كبر على أصوات الإنذارات لا ينساها بسهولة حتى حين يعود السكون. الخوف له ذاكرة أطول من الحرب.
حتى المجتمعات التي لا تعيش الحرب مباشرة لا تبقى بعيدة عن آثارها. الأخبار المتواصلة، الصور، والتحليلات التي تتدفق طوال اليوم تجعل الإنسان يعيش جزءًا من التوتر وهو جالس في بيته. يتحدث الباحثون في علم النفس عن أثر يسمونه الصدمة غير المباشرة؛ حين يتأثر الناس نفسيًا بأحداث لم يشهدوها بأنفسهم. ومع تكرار المشاهد القاسية يمكن أن تظهر حالات قلق حاد، وأحيانًا أعراض تشبه ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة. الحرب في هذه الحالة لا تعبر الحدود بالجيوش، إنما تصل إلى العقول عبر الشاشات.
أخبرتني قريبة لي أن ابنها بات يتجمد عند بوابة البيت حين يسمع صافرات الإنذار. الولد لم يرَ دماراً ولم يغادر البيت. لكن ما وصله عبر الشاشات والأحاديث كان كافياً ليخيفه. نوبات الهلع لا تحتاج إلى حرب على العتبة، تكفيها أجواء الحرب وحدها.
ومن الظواهر التي يتوقف عندها الباحثون في المجتمعات التي تمرّ بأجواء الحروب تغيّر طبيعة النقاش بين الناس. في المجالس والحوارات يضيق مجال الاستماع إلى الرأي المختلف، وقد يتحول الحديث الذي كان يُدار بهدوء إلى جدل سريع الاشتعال.
في مثل هذه الأجواء يصبح الناس أكثر حساسية تجاه الكلمات، وكأن كل رأي يُستقبل بوصفه موقفًا حادًا لا وجهة نظر قابلة للنقاش. هذه التحولات الصغيرة في أسلوب الحوار قد تبدو عابرة، لكنها تترك أثرها مع الوقت في العلاقات بين الناس.
التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على ذلك. في مدن عاشت الحروب وأُعيد بناء أحيائها حجرًا فوق حجر، وعادت الحياة إلى الشوارع والأسواق. لكن من عاشوا تلك التجارب يعرفون أن ما يستغرق وقتًا أطول هو استعادة الثقة بين البشر.
حين تنتهي الحرب لا يُسأل عن المباني فقط، يُسأل أيضًا: هل لا يزال الجار يثق بجاره؟ هل لا يزال الصديق يرى في صديقه ما كان يراه قبل الحرب؟ تلك خسارة لا تُقاس بسهولة. الكراهية التي تنشأ في زمن الحرب لا تختفي سريعًا، لأنها تعيش في الذاكرة قبل أن تختفي من الواقع. ولهذا كان بعض المفكرين يقولون إن إنهاء الحرب عسكريًا لا يعني أن آثارها انتهت فعلاً.
في الأوقات التي يكثر فيها الحديث عن الحرب، تحتاج المجتمعات إلى قدر أكبر من التعقّل في الكلمة والموقف. الأخبار قد تتغير كل ساعة، والتحليلات تمتلئ بالتوقعات، غير أن ما يبقى في النهاية هو التماسك الداخلي والقدرة على إبقاء الحياة في مسارها. تلك المجتمعات التي تنجح في عبور هذه المراحل هي التي تحفظ مساحة للهدوء والعقل حتى وسط الضجيج.
الحروب تنتهي. لكن ما تزرعه في النفوس يظل يحتاج إلى رعاية طويلة. وفي تلك الرعاية يُقاس عمق المجتمع الحقيقي.
نسأل الله أن تبقى البحرين وأهلها بمنأى عن هذا كله، وأن تظل هذه الأرض التي نحب بلدًا آمنًا مطمئنًا كما عرفناها دائمًا.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك