ونحن نكتب أو نحاول أن نحلل الوضع الراهن في المنطقة، وبعد أن كتبنا في المقال السابق عن بعض الإمبراطوريات وأسباب انهيارها، نجد أنه من الضروري أن نعرج على الجمهورية الإيرانية، كأحد أطراف النزاع. لذلك سنحاول بحسب ما ورد في الأدبيات والمراجع.
يمثل تاريخ إيران سلسلة متصلة من الحضارات والإمبراطوريات التي تركت بصمات عميقة ليس فقط على المنطقة، بل على العالم بأسره. منذ الإمبراطورية الساسانية، التي كانت آخر إمبراطورية فارسية كبرى قبل الإسلام، وحتى قيام الجمهورية الإسلامية، شهدت الهضبة الإيرانية تحولات سياسية ودينية وثقافية جذرية. نحاول أن نسرد بعض الملامح لتلك الحقب الزمنية بحسب الترتيب الزمني. وبعد ذلك نركز على الجمهورية الإسلامية.
{ الإمبراطورية الساسانية (224 – 651م): تعتبر الإمبراطورية الساسانية، التي أسسها أردشير الأول، بمثابة ذروة الحضارة الإيرانية في العصور القديمة المتأخرة. اتخذ الساسانيون من مدينة طيسفون (المدائن) عاصمة لهم، وأعادوا إحياء التقاليد الأخمينية والديانة الزرادشتية كدين رسمي للدولة. تميز عهدهم بصراع طويل ومرير مع الإمبراطورية الرومانية ثم البيزنطية على النفوذ في الشرق الأدنى. شهدت هذه الفترة ازدهارًا في الفنون والعمارة والعلوم، لكن الصراعات الداخلية والحروب المستمرة أدت إلى إضعاف الإمبراطورية بشكل كبير، ما مهد الطريق لسقوطها المدوي على يد الجيوش الإسلامية في معركتي القادسية ونهاوند.
{ الفتح الإسلامي وبداية التحول (651 – 821م): بعد انهيار الدولة الساسانية، دخلت إيران تحت راية الخلافة الإسلامية. وخلال عهد الخلافة الراشدة، تم فتح معظم الأراضي الإيرانية، وبدأ الإسلام بالانتشار تدريجيًا بين السكان.
{ العصر الوسيط الدويلات الإيرانية المستقلة (821 – 1055م): مع ضعف السلطة المركزية للخلافة العباسية، بدأت حقبة جديدة عُرفت (بالعصر الإيراني الوسيط)، حيث قامت سلالات محلية بتأسيس دويلات مستقلة أو شبه مستقلة.
{ حقبة الهيمنة التركية والمغولية (1055 – 1501م): شهدت هذه الفترة موجات من الغزوات من قبل شعوب تركية ومغولية من آسيا الوسطى. أسس السلاجقة الأتراك إمبراطورية واسعة امتدت من آسيا الوسطى إلى الأناضول، وعلى الرغم من أصولهم التركية، تبنوا الثقافة الفارسية بشكل كبير وجعلوا الفارسية لغة الإدارة والثقافة.
{ العصر الحديث؛ من الصفويين إلى القاجار (1501 – 1925): يمثل عام 1501 بداية تاريخ إيران الحديث مع قيام الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الأول. وكان الإنجاز الأبرز للصفويين هو إعادة توحيد إيران كدولة مركزية قوية وفرض المذهب الاثني عشري كدين رسمي للدولة، وهو التحول الذي رسم ملامح الهوية الإيرانية الحديثة.
{ إيران المعاصرة؛ من البهلوية إلى الجمهورية الإسلامية (1925 إلى اليوم): في عام 1925، أطاح رضا خان بالأسرة القاجارية وأسس الدولة البهلوية، متخذًا لنفسه لقب (رضا شاه). قاد الشاه وابنه وخليفته محمد رضا شاه، برنامجًا واسعًا للتحديث والتغريب والعلمانية، مع تعزيز التحالف مع القوى الغربية. أدت سياساته الاستبدادية والاعتماد على الخارج، بالإضافة إلى التفاوت الاجتماعي، إلى تنامي المعارضة التي توحدت تحت قيادة رجل الدين المنفي آية الله الخميني. في عام 1979، أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه، وأُعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائمة على مبدأ (ولاية الفقيه)، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ إيران المعاصر.
الملامح الجيوسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية
تشير بعض الدراسات الى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُعد لاعبًا جيوسياسيًا محوريًا في منطقة الشرق الأوسط وأوراسيا (وهي المنطقة الواقعة ما بين آسيا وأوربا)، حيث يمتزج موقعها الجغرافي الفريد مع طموحاتها الإقليمية لتشكيل مشهد معقد من النفوذ والتنافس. لفهم الملامح الجيوسياسية لإيران، يجب النظر في موقعها الاستراتيجي، ونفوذها الإقليمي الممتد، وتفاعلها مع القوى الدولية الكبرى. وحتى نفهم ذلك دعونا نتحدث في بعض الجزئيات.
1. الموقع الجيواستراتيجي (قلب أوراسيا): تمتلك إيران موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يربط بين ثلاث قارات (آسيا، أوروبا، وأفريقيا)، مما يجعلها جسرًا بريًا وبحريًا حيويًا. تُعد السيطرة على الجانب الشمالي من مضيق هرمز أهم ملمح جيوسياسي لإيران؛ حيث يمر عبر هذا المضيق الضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. هذه السيطرة تمنح طهران قدرة فريدة على التأثير في أمن الطاقة العالمي، واستخدام هذا الملف كأداة ضغط في مفاوضاتها الدولية.
2. العمق الاستراتيجي ونظرية محور المقاومة: تتبنى إيران استراتيجية (الدفاع المتقدم) لتعزيز أمنها القومي بعيدًا عن حدودها المباشرة. تعتمد هذه الاستراتيجية على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، يمتد هذا المحور من لبنان (حزب الله) والعراق (الفصائل المسلحة) إلى سوريا واليمن (الحوثيون).
3. التنافس الإقليمي والتوازن الدولي: تعيش إيران حالة تنافس جيوسياسي دائم مع القوى الإقليمية الكبرى، مثل المملكة العربية السعودية وتركيا، على النفوذ والقيادة في العالم الإسلامي والشرق الأوسط، هذا التنافس يتخذ أشكالاً متعددة، من الصراعات بالوكالة إلى التنافس الاقتصادي والدبلوماسي.
4. الموارد الطبيعية كأداة جيوسياسية: تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم ورابع أكبر احتياطي نفط، مما يجعلها ركيزة أساسية في معادلة أمن الطاقة في أوراسيا. تسعى طهران لاستغلال هذه الموارد ليس فقط لتحقيق عوائد مالية، بل كأداة لبناء تحالفات استراتيجية، خاصة مع الدول المتعطشة للطاقة مثل الصين والهند.
تصدير الثورة
الإيرانية والسياسة الخارجية
يُعد مبدأ (تصدير الثورة) أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية منذ تأسيسها عام 1979م، فعلى الرغم من امتلاك إيران مقومات جيوسياسية واقتصادية وحضارية هائلة، فإن توجهها نحو نشر أيديولوجيتها الثورية في الدول المجاورة، وخاصة العربية منها، أدى إلى توترات عميقة وصراعات ممتدة. لنستعرض تداعياته على استقرار الدول العربية.
أولاً: الجذور الأيديولوجية والدستورية وعالمية الثورة
في فكر آية الله الخميني، لم تكن الثورة الإيرانية مجرد حدث محلي لإسقاط نظام الشاه، بل كانت شرارة لنهضة إسلامية عالمية تهدف إلى نصرة (المستضعفين) في مواجهة (المستكبرين) والمقصود بها القوى العظمى وأنظمة الحكم المرتبطة بها وخاصة الدول العربية. هذا الفكر لم يظل حبيس التنظير، بل تُرجم إلى نصوص دستورية؛ حيث تنص المادة 154 من الدستور الإيراني على أن الجمهورية الإسلامية تدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة من العالم.
كان الهدف الأولى من هذا التوجه هو إيجاد نماذج حكم مشابهة للنظام الإيراني في الدول الإسلامية الأخرى. وعلى الرغم أن الخطاب الرسمي الإيراني يؤكد عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فإن مبدأ (نصرة المستضعفين) فُسر عمليًا كترخيص لدعم حركات المعارضة والمجموعات المسلحة خارج إطار الدولة الوطنية في العديد من البلدان العربية.
ثانيًا: الدوافع الجيوسياسية والأمنية ونظرية الدفاع المتقدم
إلى جانب الأيديولوجيا، لعبت العوامل الأمنية والجيوسياسية دورًا حاسمًا في استمرار نهج تصدير الثورة. فقد أفرزت حرب الثماني سنوات مع العراق (1980 إلى 1988) قناعة راسخة لدى القيادة الإيرانية بأن الدفاع عن أمن إيران القومي يبدأ من خارج حدودها الجغرافية، وهو ما عُرف لاحقًا باستراتيجية (الدفاع المتقدم).
فبدلاً من انتظار الحرب لتصل إلى أراضيها، تقوم إيران بنقل ساحة الصراع إلى دول أخرى، مستخدمة نفوذها في بعض الدول كأوراق ضغط وأدوات ردع في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، هذا النهج يمنح إيران نفوذًا واسعًا في الممرات المائية الحيوية والقرارات السياسية في العواصم العربية المتأثرة بنفوذها.
ثالثًا: التداعيات والمشاكل في الدول العربية
أدى نهج تصدير الثورة إلى خلق أزمات معقدة في العديد من الدول العربية، يمكن تلخيص أبرز ملامحها في النقاط التالية:
{ إضعاف الدولة الوطنية؛ وذلك من خلال دعم جماعات مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة، مما يؤدي إلى تآكل سيادة القانون واستقرار المؤسسات.
{ تحويل الدول إلى ساحات صراع؛ فقد أصبحت بعض الدول العربية ساحات لتصفية الحسابات بين إيران وخصومها.
{ تعطيل التنمية؛ يؤدي عدم الاستقرار السياسي والأمني الناتج عن التدخلات الخارجية إلى هروب الاستثمارات وتعطيل مشاريع التنمية الوطنية.
أيديولوجيا وتناقض
الثورة والدولة
على الرغم من أنها رفعت شعار نصرة المستضعفين، إلا أنها في عدد من مرات خالفت تلك الأيديولوجية في سبيل تحقيق مصالحها في تصدير الثورة، ويصعب علينا ذكر كل الحقائق، ولكن بعض الأمثلة:
{ سقوط أفغانستان: بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، شنت الولايات المتحدة حربًا على أفغانستان بهدف الإطاحة بنظام طالبان. في هذه الفترة، كانت إيران تعتبر نظام طالبان عدوًا لدودًا لها، هذا العداء المشترك لطالبان خلق أرضية للتعاون بين واشنطن وطهران، فقدمت إيران معلومات استخباراتية للولايات المتحدة حول مواقع طالبان وقدراتها العسكرية.
{ سقوط العراق: تعتبر عبارة (تسليم أمريكا مفاتيح العراق لإيران) تعبيرًا سياسيًا شائعًا لوصف النتائج الاستراتيجية للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وليس حدثًا محددًا بتاريخ معين. فالغزو الأمريكي، الذي أطاح بنظام صدام حسين، أدى إلى تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران.
{ أحداث سوريا: تُعد الأزمة السورية (2011- 2024) أحد أكثر الفصول إثارة للجدل في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث كشفت عن فجوة عميقة بين خطابها الثوري القائم على (نصرة المستضعفين) وممارساتها الجيوسياسية الواقعية. فبينما دعمت طهران الحركات الشعبية في دول مثل تونس ومصر، واصفة إياها بالصحوة الإسلامية، إلا أنها اتخذت موقفًا مغايرًا تمامًا في سوريا، حيث وقفت بكل ثقلها إلى جانب النظام ضد الاحتجاجات الشعبية.
كواليس الصراع الحالي
في اعتقادنا فإن المواجهة العسكرية الراهنة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الصراع وما إذا كان يُدار وفق (قواعد اشتباك) غير معلنة. فبينما يشتد القصف المتبادل وتتصاعد لغة التهديد، تبرز مؤشرات على وجود قنوات اتصال سرية وتفاهمات ضمنية تهدف إلى ضبط إيقاع المواجهة ومنع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة ومدمرة للجميع. هل هذا صحيح؟
وتشير الكثير من التقارير الاستخباراتية إلى أنه على الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية المباشرة، إلا أنه لم تنقطع قنوات الاتصال السرية بين طهران وواشنطن، بل تكثفت خلال الأزمة الحالية (2024 – 2026)، وتلعب بعض الدول دورًا محوريًا كوسطاء موثوقين لنقل الرسائل العاجلة التي تهدف إلى وضع خطوط حمراء وتجنب سوء التقدير.
تشير تلك التقارير إلى أن بعض الضربات الكبرى المتبادلة كانت مسبوقة برسائل تحذيرية غير مباشرة عبر هذه القنوات. وهذا التنسيق السلبي يسمح لكل طرف بتنفيذ رد عسكري يحفظ له ماء الوجه أمام جمهوره الداخلي، مع إعطاء الطرف الآخر فرصة لاتخاذ إجراءات دفاعية تقلل من الخسائر البشرية الفادحة التي قد تجبره على رد فعل غير منضبط. هذا الأسلوب في إدارة الصراع يعزز فرضية وجود تفاهمات تحت الطاولة لمنع الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.
إن الحرب الجارية اليوم هي مزيج معقد من المواجهة العسكرية المباشرة والإدارة الاستخباراتية الدقيقة. وعلى الرغم من وجود قنوات اتصال سرية وتفاهمات ضمنية لضبط التصعيد، فإن أهداف الأطراف تظل متناقضة بشكل جذري. إن الخفاء في هذا الصراع لا يعني التحالف التام أو الجفاء التام، بل يعني محاولة كل طرف تحقيق أقصى مكاسب جيوسياسية بأقل قدر ممكن من الخسائر التي قد تهدد وجوده.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك