العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المواطنة.. سبيل التصالح مع العصر!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬تحقق‭ ‬كمال‭ ‬الدين،‭ ‬وتمت‭ ‬نعمته‭ ‬كانت‭ ‬المواجهة‭ ‬حتمية‭ ‬للإسلام‭ ‬مع‭ ‬مفردات‭ ‬الحضارة‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة،‭ ‬فلم‭ ‬يشعر‭ ‬الإسلام‭ ‬بأي‭ ‬حرج‭ ‬يدفع‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬المسارعة‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬الغرب،‭ ‬واتباع‭ ‬منهجه‭ ‬وأساليبه‭.‬

إن‭ ‬سمات‭ ‬المواجهة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬معالمها،‭ ‬بل‭ ‬شديدة‭ ‬الوضوح‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬اعتراف‭ ‬الإسلام‭ ‬بالآخر،‭ ‬والرسائل‭ ‬التي‭ ‬أرسلها‭ ‬الرسول‭ ‬الأعظم‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬إلى‭ ‬ملوك‭ ‬العالم‭ ‬وقياصرته‭ ‬وأكاسرته‭ ‬كلها‭ ‬تؤكد‭ ‬اهتمام‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بهذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬الذي‭ ‬يؤكده‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ينهاكم‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقاتلوكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬ولم‭ ‬يخرجوكم‭ ‬من‭ ‬دياركم‭ ‬أن‭ ‬تبروهم‭ ‬وتقسطوا‭ ‬إليهم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬يحب‭ ‬المقسطين‭ (‬8‭) ‬إنما‭ ‬ينهاكم‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬قاتلوكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬وأخرجوكم‭ ‬من‭ ‬دياركم‭ ‬وظاهروا‭ ‬على‭ ‬إخراجكم‭ ‬أن‭ ‬تولوهم‭ ‬ومن‭ ‬يتولهم‭ ‬فأولئك‭ ‬هم‭ ‬الظالمون‭ (‬9‭ )‬‮»‬‭. (‬الممتحنة‭).‬

هذه‭ ‬الصراحة‭ ‬البالغة‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬بزوغ‭ ‬فجره‭ ‬الصادق،‭ ‬ومعلوم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬معقب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬القرآن،‭ ‬ولا‭ ‬استدراك‭ ‬على‭ ‬علو‭ ‬موقفه‭ ‬هذا،‭ ‬فللقرآن‭ ‬القول‭ ‬الفصل،‭ ‬والإسلام‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬المؤيدين،‭ ‬ولا‭ ‬يخشى‭ ‬معارضة‭ ‬المعارضين‭ ‬للدعوة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬بزوغ‭ ‬نجمه،‭ ‬وتعالي‭ ‬بنيانه‭ ‬وذلك‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط‭ ‬وصادق،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬قد‭ ‬تكفل‭ ‬بحفظه،‭ ‬ووعد‭ ‬بالدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬يقول‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭: ‬‮«‬إنّا‭ ‬نحن‭ ‬نزلنا‭ ‬الذكر‭ ‬وإنا‭ ‬له‭ ‬لحافظون‮»‬‭ (‬الحج‭/‬9‭).‬

ولقد‭ ‬تعهد‭ ‬سبحانه‭ ‬بضمان‭ ‬الدفاع‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومه،‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭ ‬‮«‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أرسل‭ ‬رسوله‭ ‬بالهدى‭ ‬ودين‭ ‬الحق‭ ‬ليظهره‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬كله‭ ‬ولو‭ ‬كره‭ ‬المشركون‮»‬‭ (‬الصف‭/‬9‭).‬

وهذا‭ ‬الانتشار‭ ‬السريع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يستغربه‭ ‬خصومه،‭ ‬ولو‭ ‬فقهوا‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ (‬9‭) ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الصف‭ ‬حين‭ ‬ينسب‭ ‬الحق‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬والتمكين‭ ‬إليه‭ ‬سبحانه،‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬عليهم‭ ‬ألا‭ ‬يتعجبوا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬والواقع‭ ‬يؤيد‭ ‬هذا‭ ‬والمسلمون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يزيد‭ ‬عددهم،‭ ‬ويتنامى‭ ‬حضورهم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬رغم‭ ‬أحوال‭ ‬المسلمين‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تشجع‭ ‬أحدًا‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬فيه‭ ‬حالياً‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬يخلطون‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين‭.‬

ولقد‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويخالط‭ ‬الإسلام‭ ‬قيمه‭ ‬ومبادئه،‭ ‬ومحاسن‭ ‬أخلاقه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬منه،‭ ‬وغالب‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والعلماء‭ ‬الذين‭ ‬بلغوا‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬مكانة‭ ‬رفيعة،‭ ‬وحققوا‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬إنجازات‭ ‬عظيمة،‭ ‬فلا‭ ‬يقبلون‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬حظهم‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬والتقدم‭ ‬بأقل‭ ‬مما‭ ‬كانوا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭.‬

ومن‭ ‬أسرار‭ ‬سرعة‭ ‬إقبال‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬الذين‭ ‬تزدحم‭ ‬بهم‭ ‬صالة‭ ‬الانتظار‭ ‬للدخول‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬لإعلان‭ ‬الدخول‭ ‬فيه،‭ ‬وإعلان‭ ‬الولاء‭ ‬له،‭ ‬والفيلسوف‭ ‬المصري‭ ‬الدكتور‭ ‬رشدي‭ ‬فكار‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬صور‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الكيفية،‭ ‬وكأن‭ ‬الإسلام‭ ‬ملك،‭ ‬ينتظر‭ ‬السفراء‭ ‬الممثلين‭ ‬لبلدانهم‭ ‬لينالوا‭ ‬شرف‭ ‬الإذن‭ ‬لهم‭ ‬بالدخول‭ ‬عليه،‭ ‬ويقسموا‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬له‭. ‬

إذًا،‭ ‬فتزايد‭ ‬أعداد‭ ‬المسلمين،‭ ‬وتسابقهم‭ ‬لينالوا‭ ‬هذا‭ ‬الشرف‭ ‬العظيم‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬من‭ ‬ثمار‭ ‬مبدأ‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬أقرها‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬أعظم‭ ‬وثيقة‭ ‬أنزلها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وهي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬رسوله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬يتلوها‭ ‬المسلمون‭ ‬صباح‭ ‬مساء‭ ‬لتأكيد‭ ‬سطوع‭ ‬نجمه‭ ‬وعلو‭ ‬مكانته،‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الإسلام‭ ‬وبقاء‭ ‬آثاره‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬يفتحها‭ ‬رغم‭ ‬تقلص‭ ‬سلطانه‭ ‬السياسي‭ ‬بعد‭ ‬خروجه‭ ‬منها‭.‬

إن‭ ‬المساهمات‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬إلى‭ ‬حضارات‭ ‬العالم‭ ‬أسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬تفخر‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬المباركة‭ ‬الخيرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا