عندما تحقق كمال الدين، وتمت نعمته كانت المواجهة حتمية للإسلام مع مفردات الحضارة التي تحققت من خلال هذه المواجهة، فلم يشعر الإسلام بأي حرج يدفع المسلمين إلى المسارعة في تقليد الغرب، واتباع منهجه وأساليبه.
إن سمات المواجهة واضحة في معالمها، بل شديدة الوضوح في كل ما من شأنه اعتراف الإسلام بالآخر، والرسائل التي أرسلها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) إلى ملوك العالم وقياصرته وأكاسرته كلها تؤكد اهتمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بهذا الانفتاح الذي يؤكده قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9 )». (الممتحنة).
هذه الصراحة البالغة في موقف الإسلام من الآخر منذ بداية بزوغ فجره الصادق، ومعلوم أنه لا معقب على ما يقول القرآن، ولا استدراك على علو موقفه هذا، فللقرآن القول الفصل، والإسلام ليس في حاجة إلى تأييد المؤيدين، ولا يخشى معارضة المعارضين للدعوة الجديدة، وخاصة في بزوغ نجمه، وتعالي بنيانه وذلك لسبب بسيط وصادق، وهو أن الحق سبحانه قد تكفل بحفظه، ووعد بالدفاع عنه، يقول جل جلاله: «إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحج/9).
ولقد تعهد سبحانه بضمان الدفاع عنه في مواجهة خصومه، قال سبحانه «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» (الصف/9).
وهذا الانتشار السريع هو ما يستغربه خصومه، ولو فقهوا هذه الآية الجليلة (9) من سورة الصف حين ينسب الحق جل جلاله هذا الانتشار والتمكين إليه سبحانه، ولهذا كان عليهم ألا يتعجبوا من ذلك، والواقع يؤيد هذا والمسلمون في كل يوم يزيد عددهم، ويتنامى حضورهم في العالم رغم أحوال المسلمين التي قد لا تشجع أحدًا على الدخول فيه حالياً والسبب في ذلك أنهم يخلطون بين الإسلام والمسلمين.
ولقد ثبت أن من يدخل في الإسلام، ويخالط الإسلام قيمه ومبادئه، ومحاسن أخلاقه لا يمكن أن يخرج منه، وغالب هؤلاء الذين يدخلون في الإسلام هم من المفكرين والعلماء الذين بلغوا في بلادهم مكانة رفيعة، وحققوا في حياتهم إنجازات عظيمة، فلا يقبلون ان يكون حظهم في العلم والتقدم بأقل مما كانوا عليه في بلادهم.
ومن أسرار سرعة إقبال العلماء والمفكرين الذين تزدحم بهم صالة الانتظار للدخول على الإسلام لإعلان الدخول فيه، وإعلان الولاء له، والفيلسوف المصري الدكتور رشدي فكار هو الذي صور العلماء والمفكرين على هذه الكيفية، وكأن الإسلام ملك، ينتظر السفراء الممثلين لبلدانهم لينالوا شرف الإذن لهم بالدخول عليه، ويقسموا على الولاء له.
إذًا، فتزايد أعداد المسلمين، وتسابقهم لينالوا هذا الشرف العظيم هو ثمرة من ثمار مبدأ المواطنة التي أقرها الإسلام في أعظم وثيقة أنزلها الله تعالى وهي القرآن الكريم على رسوله (صلى الله عليه وسلم) يتلوها المسلمون صباح مساء لتأكيد سطوع نجمه وعلو مكانته، ويضاف إلى هذه الأسباب في سرعة انتشار الإسلام وبقاء آثاره في البلاد التي يفتحها رغم تقلص سلطانه السياسي بعد خروجه منها.
إن المساهمات التي قدمتها الحضارة الإسلامية إلى حضارات العالم أسهمت بشكل واضح في تأكيد البعد الإنساني الذي تفخر به هذه الحضارة المباركة الخيرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك