تتعرض دول مجلس التعاون الخليجي لعدوان إيراني غاشم يستهدف المدنيين والبنى التحتية والمرافق العامة، وفي ظل هذا التصعيد العدواني الخطير من قبل إيران، أظهرت المنظومات الدفاعية الخليجية تفوقا استثنائيا في اعتراض مئات الصواريخ والمسيرات، مما قلل الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى مستوياتها، وأرسل رسالة واضحة بجاهزية القوات المسلحة في الدول الخليجية، وركزت القيادات الخليجية على طمأنة شعوبها واستمرار الحياة الطبيعية، معتبرة أن الصمود الشعبي والاقتصادي هو أقوى رد على محاولات الترهيب.
إن دول الخليج العربية مازالت ملتزمة بضبط النفس وتعمل على إدارة المخاطر بدلاً من توسيعها، مع التركيز على حكمة القيادة التي ترى أن منع اندلاع الحرب أو التورط فيها هو النصر الأهم لحماية الأوطان من الأثمان الباهظة، وهذا لا يعفي إيران من دفع ثمن حماقتها فيما ارتكبته من اعتداء على أمن وسيادة دول الخليج العربية.
تتراوح السيناريوهات المطروحة حالياً بين التهدئة المحسوبة والردع الدفاعي المكثف مع تجنب الانجرار إلى حرب شاملة، ومن السيناريوهات المحتملة التي تلجأ إليها دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى الأردن هي تعزيز الجاهزية العسكرية عبر الحصول على أنظمة دفاعية متطورة، كذلك تكثيف التنسيق الاستخباراتي الخليجي – الدولي لإحباط التهديدات السيبرانية والعمليات التخريبية قبل وقوعها، ومن المؤكد أن استخدام العلاقات الدولية لفرض عقوبات دولية مشددة وتجميد الأصول الإيرانية وعزل بنوكها عن النظام المالي العالمي لمواجهة العدوان، وفي حال استمرار الهجمات الايرانية قد تضطر قوات الدفاع الخليجية المشتركة دراسة خيارات ردع غير تقليدية تستهدف أذرع إيران أو تزيد من الضغوط الإقليمية عليها دون الدخول في حرب مفتوحة.
تجلت حكمة قادة دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع الاعتداءات والتدخلات الإيرانية الأخيرة من خلال انتهاج استراتيجية الدبلوماسية الهادئة وتغليب لغة العقل لكسر دوامة التصعيد مع التمسك الصارم بالحق القانوني في الدفاع عن النفس والتمسك برفض الاستدراج العسكري، حيث أظهر القادة الخليجيون وعياً كبيراً بمحاولات جر المنطقة إلى حرب شاملة تخدم مصالح أطراف خارجية مؤكدين أن دول الخليج لن تضحي بأبنائها ومكتسباتها في صراعات لا تخدم أمنها القومي وهذا ما أكده وزراء خارجية مجلس التعاون من أن الحل الدبلوماسي هو المسار الوحيد لمعالجة جذور الأزمات وضمان استقرار النظام الدولي.
قد يرى البعض أن دول المجلس تُظهر ضعفها بعدم الرد العسكري على الحماقة الإيرانية، ولكن في حقيقة الأمر إن ضبط النفس والحكمة في هذه المواقف يتطلب قوة كبيرة وحكمة وقراءة للأحداث والنتائج المحتملة من جميع الجوانب بتأن وحكمة، ومع ذلك في هذه المرحلة بدأت دول المجلس بالتعامل السياسي والقانوني الحازم من خلال مجلس الأمن، وقد ركزت دول المجلس على تثبيت حقها في الرد بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع عن النفس فردياً وجماعياً، كما أدان قادة دول العالم والمجتمع الدولي في تطور دبلوماسي بارز الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، واصفين إياها بانتهاك صارخ للقانون الدولي وتهديد للأمن والسلم الدوليين.
وتحت قبة مجلس الأمن الدولي اعتمد مجلس الأمن في 11 مارس 2026 قراراً يدين بأشد العبارات الهجمات الإيرانية، بموافقة 13 دولة وامتناع روسيا والصين عن التصويت وقد شاركت 135 دولة في رعاية مشروع القرار مما يعكس إجماعاً عالمياً نادراً ضد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة التي استهدفت المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية، كما طالب مجلس الأمن الدولي طهران بوقف جميع الأعمال العدائية فوراً ومن دون قيد أو شرط محذراً من محاولات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، كما حذر قادة العالم من أن استهداف منشآت الطاقة والموانئ الخليجية يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة مؤكدين أن حماية هذه المنطقة هي مصلحة دولية مشتركة.
الجدير بالذكر أن المحن التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي تزيد من اللحمة والتضامن والتكاتف بين الأشقاء الخليجيين وهذا ما أكده القادة على أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على عضو هو اعتداء على الجميع، مما خلق جبهة سياسية قوية أمام الضغوط الخارجية، وعلى الرغم من تمسك دول المجلس بضبط النفس وحرص قادتها على حماية المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت إلا أن دول المجلس لن تكتفي ببيانات الإدانة بل تتبنى استراتيجية الردع الشامل التي تمزج بين المسارات القانونية الدفاعية والجيوسياسية لحماية سيادتها ، فدول الخليج تسير في نهج الحزم الهادئ؛ فهي لا تستعجل الانخراط في أي حرب لأنها دول محبة للسلام لكنها في الوقت ذاته تستثمر في بناء قدرات تجعل ثمن أي اعتداء مستقبلي باهظاً جداً على المعتدي.
في تصريح لسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دول الإمارات العربية المتحدة قال: «الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مرّة.. ونحن ما ننوكل» وهذا فيه دلالة بأننا نصبر لكننا لسنا ضعفاء ولن نغفر لمن يعتدي على سيادة أوطاننا، ولعلنا نستذكر المقولة الشهيرة للعاهل السعودي المؤسس عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه: «إني جعلت سنتي ومبدأي أن لا أبدأ أحدًا بالعدوان بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكانا وأتمادى بالصبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية».
Abdulhadi.alkhalaqi@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك