العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مخططات نشر الفوضى في المنطقة

بقلم: د. طارق عباس

الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

تتحرك‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬بمنتهي‭ ‬الحرية،‭ ‬وكأن‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها‭ ‬باتت‭ ‬ساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لنفوذها‭ ‬أو‭ ‬مستعمرة‭ ‬خاصة‭ ‬تديرها‭ ‬كيفما‭ ‬تشاء‭. ‬فقد‭ ‬امتلكت‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬تفوقًا‭ ‬هائلًا،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬متطورة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬وتسليح‭ ‬من‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والغرب‭.‬

هذا‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬جعلها‭ ‬لا‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬وقتما‭ ‬تريد،‭ ‬متحركة‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحها‭ ‬ويحقق‭ ‬أمنها‭ ‬ويغذي‭ ‬طموحاتها‭ ‬التوسعية‭. ‬فهي‭ ‬تعلن‭ ‬صراحة‭ ‬نيتها‭ ‬تهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬أراضيهم،‭ ‬وتواصل‭ ‬التمدد‭ ‬التدريجي‭ ‬داخل‭ ‬أراضٍ‭ ‬لبنانية‭ ‬وسورية‭ ‬بذريعة‭ ‬إقامة‭ ‬مناطق‭ ‬عازلة‭ ‬لحماية‭ ‬سكانها‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تشن‭ ‬هجمات‭ ‬على‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وتشن‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أعنف‭ ‬وأسوأ‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬التوسعي‭ ‬خافيًا؛‭ ‬فقد‭ ‬صرّح‭ ‬مسؤولون‭ ‬إسرائيليون‭ ‬مرارًا،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬بأن‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبري‮»‬‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬إلي‭ ‬الفرات‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬المخيلة‭ ‬السياسية‭ ‬الصهيونية‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬عقب‭ ‬فوزه‭ ‬بولاية‭ ‬رئاسية‭ ‬ثانية،‭ ‬أشار‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬تصريحاته‭ ‬إلى‭ ‬ضيق‭ ‬المساحة‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬‮«‬مكانة‭ ‬دولة‭ ‬مهمة‭ ‬مثل‭ ‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬وتتسع‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وتحت‭ ‬شعار‭ ‬حماية‭ ‬المصالح،‭ ‬تورطت‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬جماعات‭ ‬متطرفة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬جهادي‭ ‬أو‭ ‬سلفي‭ ‬أو‭ ‬عرقي‭ ‬وطائفي،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬إذكاء‭ ‬الانقسامات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬حتى‭ ‬تحولت‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المنطقة‭ ‬إلي‭ ‬علاقات‭ ‬صراع‭ ‬وعداء‭ ‬بين‭ ‬أعراق‭ ‬متناحرة‭ ‬لا‭ ‬يجمعها‭ ‬إلا‭ ‬الشك‭ ‬والخصومة‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬جري‭ ‬ضمن‭ ‬تصور‭ ‬استراتيجي‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬الخلاقة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬طرحته‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬كوندوليزا‭ ‬رايس،‭ ‬والذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬هدم‭ ‬الترتيبات‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيله‭ ‬وفق‭ ‬ترتيبات‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬توافقًا‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الغربية،‭ ‬وهو‭ ‬تصور‭ ‬ارتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بالغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

واليوم،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬وكأنها‭ ‬أصبحت‭ ‬واقعًا‭ ‬ملموسًا‭. ‬فالتطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬واضحة‭ ‬لخلط‭ ‬الأوراق‭ ‬وتعقيد‭ ‬الأزمات‭ ‬وتعميق‭ ‬الانقسامات،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الضغط‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬إضعافه‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬عبر‭ ‬تغذية‭ ‬التوترات‭ ‬المذهبية‭ ‬والعرقية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬انخرط‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬الذراع‭ ‬الأبرز‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬بإطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬على‭ ‬شمال‭ ‬إسرائيل‭. ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬الحوثيون‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬استعدادهم‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬متى‭ ‬اقتضت‭ ‬الظروف‭ ‬ذلك‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬دوائر‭ ‬التصعيد‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬إذ‭ ‬أعلنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دعمها‭ ‬لجماعات‭ ‬كردية‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬إيران‭ ‬وشمال‭ ‬العراق،‭ ‬بهدف‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الإيرانية‭ ‬واستهداف‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والجيش‭ ‬الإيراني،‭ ‬في‭ ‬مسعي‭ ‬لتفكيك‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬عبر‭ ‬استثارة‭ ‬تناقضاتها‭ ‬القومية‭ ‬والعرقية‭ ‬بين‭ ‬الأذريين‭ ‬والتركمان‭ ‬والبلوش‭ ‬والفرس‭ ‬والعرب‭ ‬والأكراد‭ ‬وغيرهم‭.‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬قلق‭ ‬تركيا،‭ ‬التي‭ ‬تري‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬الدور‭ ‬الكردي‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي،‭ ‬وتسعي‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬لمنع‭ ‬تشكل‭ ‬كيان‭ ‬كردي‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬إلي‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬المتعمدة‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬سجناء‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬سوريا‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬وجنوب‭ ‬العراق،‭ ‬رغم‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬الأمني‭ ‬هناك‭. ‬وهو‭ ‬إجراء‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬احتمال‭ ‬إعادة‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬صراعات‭ ‬جديدة،‭ ‬ضمن‭ ‬ترتيبات‭ ‬صراع‭ ‬قادمة‭.‬

ولا‭ ‬يُستبعد‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬الأحداث‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬عبر‭ ‬محاولات‭ ‬إدخال‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬الصراع،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنسحب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خطوة‭ ‬إلي‭ ‬الخلف‭ ‬لتراقب‭ ‬المشهد‭ ‬واتجاهات‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

أما‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬فيكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تطول‭ ‬أمد‭ ‬الحرب،‭ ‬وأن‭ ‬يستمر‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يعجز‭ ‬معه‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭ ‬المثقلون‭ ‬أصلًا‭ ‬بالأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬تبعاته‭. ‬وحينها‭ ‬قد‭ ‬تنفجر‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتدخل‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭.‬

إن‭ ‬إشعال‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬ليس‭ ‬مصادفة،‭ ‬بل‭ ‬يبدو‭ ‬مقصودًا‭ ‬بعناية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إفشال‭ ‬أي‭ ‬تقارب‭ ‬ينزع‭ ‬فتيل‭ ‬الأزمات‭ ‬يبدو‭ ‬كان‭ ‬هدفًا‭ ‬واضحًا‭. ‬فدخول‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الموساد،‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬العمليات‭ ‬السرية،‭ ‬يشي‭ ‬برغبة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الانقسام‭ ‬وتأجيج‭ ‬الصراعات‭.‬

والغاية‭ ‬النهائية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تبدو‭ ‬جلية‭: ‬إشعال‭ ‬الفتنة،‭ ‬واستدامة‭ ‬الصراع،‭ ‬واستثمار‭ ‬الفوضى‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬الأجندة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا