تتحرك إسرائيل في الشرق الأوسط اليوم بمنتهي الحرية، وكأن المنطقة بأسرها باتت ساحة مفتوحة لنفوذها أو مستعمرة خاصة تديرها كيفما تشاء. فقد امتلكت من عناصر القوة العسكرية والتكنولوجية ما يمنحها تفوقًا هائلًا، سواء من خلال ما تنتجه من أسلحة متطورة، أو ما تحصل عليه من دعم وتسليح من حلفائها في الولايات المتحدة والغرب.
هذا التفوق العسكري جعلها لا تتردد في الإقدام على ما تريد وقتما تريد، متحركة وفق ما يخدم مصالحها ويحقق أمنها ويغذي طموحاتها التوسعية. فهي تعلن صراحة نيتها تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وتواصل التمدد التدريجي داخل أراضٍ لبنانية وسورية بذريعة إقامة مناطق عازلة لحماية سكانها. وفي الوقت ذاته تشن هجمات على الحوثيين في اليمن، وتشن مع الولايات المتحدة أعنف وأسوأ حرب ضد إيران بما يهدد الاستقرار في المنطقة.
ولم يعد هذا الخطاب التوسعي خافيًا؛ فقد صرّح مسؤولون إسرائيليون مرارًا، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، بأن حلم «إسرائيل الكبري» الممتدة من النيل إلي الفرات لا يزال حاضرًا في المخيلة السياسية الصهيونية. بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب فوزه بولاية رئاسية ثانية، أشار في أحد تصريحاته إلى ضيق المساحة الجغرافية التي تقوم عليها إسرائيل، معتبرًا أنها لا تتناسب مع «مكانة دولة مهمة مثل إسرائيل»، وأن هذه الجغرافيا لا بد أن تتغير وتتسع.
من جانب آخر، وتحت شعار حماية المصالح، تورطت واشنطن في دعم جماعات متطرفة ذات طابع جهادي أو سلفي أو عرقي وطائفي، وأسهمت في إذكاء الانقسامات داخل المجتمعات، حتى تحولت العلاقات بين مكونات المنطقة إلي علاقات صراع وعداء بين أعراق متناحرة لا يجمعها إلا الشك والخصومة.
كل ذلك جري ضمن تصور استراتيجي أطلق عليه في بداية الألفية الثالثة مصطلح «الفوضى الخلاقة»، وهو المفهوم الذي طرحته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، والذي يقوم على هدم الترتيبات القديمة في الشرق الأوسط لإعادة تشكيله وفق ترتيبات جديدة أكثر توافقًا مع المصالح الغربية، وهو تصور ارتبط بشكل وثيق بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
واليوم، تبدو هذه الفوضى وكأنها أصبحت واقعًا ملموسًا. فالتطورات المتسارعة في المنطقة، خاصة بعد التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، تشير إلى محاولة واضحة لخلط الأوراق وتعقيد الأزمات وتعميق الانقسامات، وصولًا إلى ممارسة أقصى درجات الضغط لإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه من الداخل عبر تغذية التوترات المذهبية والعرقية.
في هذا السياق، انخرط «حزب الله»، الذراع الأبرز لإيران في لبنان، في المواجهة بإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل. كما أعلن الحوثيون في اليمن استعدادهم للدخول في المعركة ضد إسرائيل والولايات المتحدة متى اقتضت الظروف ذلك.
ولم تتوقف دوائر التصعيد عند هذا الحد، إذ أعلنت الولايات المتحدة دعمها لجماعات كردية مسلحة في غرب إيران وشمال العراق، بهدف تنفيذ عمليات على الحدود الإيرانية واستهداف الحرس الثوري والجيش الإيراني، في مسعي لتفكيك الدولة الإيرانية من الداخل عبر استثارة تناقضاتها القومية والعرقية بين الأذريين والتركمان والبلوش والفرس والعرب والأكراد وغيرهم.
وقد أثار هذا التوجه قلق تركيا، التي تري في تصاعد الدور الكردي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وتسعي بكل قوة لمنع تشكل كيان كردي قد يمتد تأثيره إلي داخل حدودها.
كما يمكن قراءة ملامح هذه الفوضى المتعمدة في تقارير تحدثت عن نقل سجناء من تنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى مناطق في وسط وجنوب العراق، رغم هشاشة الوضع الأمني هناك. وهو إجراء يثير تساؤلات عديدة حول احتمال إعادة توظيف هذه الجماعات في إشعال صراعات جديدة، ضمن ترتيبات صراع قادمة.
ولا يُستبعد كذلك أن تتطور الأحداث إلى توسيع نطاق الحرب عبر محاولات إدخال دول الخليج في الصراع، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة خطوة إلي الخلف لتراقب المشهد واتجاهات الصراع في المنطقة.
أما الخطر الأكبر فيكمن في أن تطول أمد الحرب، وأن يستمر إغلاق مضيق هرمز، فترتفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي قد يعجز معه سكان المنطقة المثقلون أصلًا بالأزمات الاقتصادية عن تحمل تبعاته. وحينها قد تنفجر الأوضاع في المنطقة وتدخل في دوامة من الفوضى.
إن إشعال الحرب في هذا التوقيت ليس مصادفة، بل يبدو مقصودًا بعناية. كما أن إفشال أي تقارب ينزع فتيل الأزمات يبدو كان هدفًا واضحًا. فدخول أجهزة الاستخبارات، وعلى رأسها الموساد، على خط العمليات السرية، يشي برغبة واضحة في تعميق الانقسام وتأجيج الصراعات.
والغاية النهائية من كل ذلك تبدو جلية: إشعال الفتنة، واستدامة الصراع، واستثمار الفوضى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتوافق مع الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
{ كاتب وباحث أكاديمي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك