مرة أخرى أقف حائرا وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء كثير من القرارات السياسية الأمريكية، وبخاصة إذا تعلق القرار بالشأن الخارجي. أذكر على سبيل المثال قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. أذكر وعلى سبيل المثال أيضا القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة ولأسباب مفهومة القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. تجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة كما في عشرات غيرها لم تكن الولايات المتحدة مهددة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
دفعتني الحيرة هذه المرة إلي تفضيل عدم الكتابة في موضوع الساعة واختيار موضوع يصلح لمقال انطباعات يبتعد بنا قدر الإمكان عن موضوع الحرب علي إيران بسبب كل ما يكتنفه من حساسيات ومعلومات متناقضة، ولكن، وهو الأهم، بسبب السرعة التي تتحرك بها الأحداث من ناحية، ومن ناحية أخري إحساسي بأن وراء الحرب حكايات وخطط ومؤامرات لا بد أن تحكى بعد مضي وقت خاصة وإن حدسي قد صدق في أمثلة سابقة، ومن ناحية ثالثة تقديري بأن قرار الرئيس الأمريكي بشن هذه الحرب الأخيرة مهدد بأن يلغى في أي لحظة، أخذا في الاعتبار الدور الكبير الذي يلعبه مزاج السيد الرئيس لحظة اتخاذ القرار.
في الوقت نفسه وأمام قضية تمسنا ليس فقط على المستوى القومي والمستوى الوطني، وربما حسب تصوري وتوقعاتي، على المستوى الشخصي أيضا قدرت أنه من حق من يقرأ ما أكتب أن أشركه معي فيما أرى، وفيما أسمع، وفيما أقرأ، وفيما صار تحليلا وإن غير مكتمل، أشركه أيضا في شكوك بعضها صار مستحقا أن يعلن ويصرح به، أشركه كذلك في مخاوف لم أعد أقوى على كتمانها، ومعتذرا أشركه في قلق تضاعف ليصب أو يتسبب في أرق وتصرفات ليس من طبيعتي ممارستها.
ليست قليلة هي المعلومات والتطورات التي أحاطت بي، أو بنا، في الأيام الأخيرة. قررت، ويعذرني قارئي إن اختصرت واخترت ما تصورت أنه قد يفيد في تبرير بعض ما انتهيت إليه، وحدي أو مع غيري وبعضهم من الخبراء والمتابعين لتطورات تمس حياتهم، أو وهو الواضح، تمس معتقداتهم وتاريخهم. أعرض فيما يلي خلاصات لبعض ما اختصرت واخترت من كل ما سمعت وقرأت ورأيت وحللت أو حلل غيري من رفاق المرحلة، مرحلة ارتباك وحيرة وأسى ومفاجآت مفروضة، مرحلة هيمن فيها الذكاء الاصطناعي بكل إنجازاته والخداع بكل أساليبه والكذب بكل أنواعه والفساد منقطع النظير والخيانات بلا حدود والقتل أو الاغتيال بلا وازع ولا ضمير.
شنت الولايات المتحدة حربا ضد دولتين على الأقل وربما ثلاثة إذا أضفنا نيجيريا إلي فنزويلا وغزة، شنها جميعا رئيس لم يخف سعيه وأمله أن يحظى بجائزة نوبل للسلام، ومن بعد خيبة أمله وفشل مسعاه في الحصول على الجائزة راح يشكل مجلس سلام ليحل محل الأمم المتحدة ومؤسساتها وليغطي على عدم تحقيق سلام في غزة، وبعد أن شكل المجلس راح يخوض حربا على إيران ليحظى بتنصيبه لمكانة الرئيس الأمريكي الأكثر شنا لحروب، جملة تناقضات بلا ضابط ولا حساب.
ذكر الرئيس أنه يسعى بحربه ضد إيران إلى تغيير القيادة الحاكمة والنظام كله، ثم ذكر أنه نجح في قتل عدد من كبار القادة ليكتشف بعدها أنه تسبب في قتل اثنين أو ثلاثة من هؤلاء كان الرئيس نفسه أعدهما لخلافة المرشد الأعلى.
نلاحظ زيادة هائلة في نسبة الآراء الغاضبة في الولايات المتحدة من إسرائيل. لاحظنا أيضا زيادة مماثلة في عدد المحللين الأمريكيين الذين ارتدوا عن تعاطفهم مع إسرائيل والصهيونية وبخاصة في دوائر الإعلام والأكاديميا. بعض هؤلاء المرتدين إلى جانب آخرين طرحوا بشدة وإصرار فكرة أن إسرائيل كانت، ولا تزال، وراء الحملة العسكرية الأمريكية على إيران. كثيرون من بين هؤلاء اتهموا إسرائيل بأنها تستخدم ضد ترامب سلاح الابتزاز بالمال أو الجنس أو الفساد، بينما آخرون اختصروا الاتهام بالادعاء بأن ترامب كان قد تحول إلى الديانة اليهودية مثله مثل ابنته إيفانكا.
- كثيرون في أمريكا وخارجها مقتنعون تمامًا بأن الرئيس ترامب يشن الحرب لتشتيت انتباه الرأي العام بفضيحة جيفري إبستين، وهي الفضيحة التي أودت بمصائر عديد الشخصيات في الدول الغربية مثل الأمير أندرو الإنجليزي والعالم الاقتصادي سامرز وعدد من رؤساء أمريكا السابقين وفنانين وعلماء ورجال قانون. لا تزال آلاف الوثائق غير معلنة بتعليمات من الرئيس ووزيرته المختصة بهذه الفضيحة. تخضع هذه الوثائق لإعادة تحرير وحذف صور ومستندات لم تنشر بعد. يتردد أن الرئيس مستعد لشن حروب جديدة للتغطية على هذه الاتهامات قبل بدء الحملة الانتخابية لتجديد نصف أعضاء الكونجرس.
يعيبون على الرئيس وإدارته الناقصة الكفاءة والخبرة وتجاهل أو إهمال الدفاع عن حلفاء أمريكا التقليديين في دول الخليج العربي بينما كانوا، أقصد الأمريكيين يعدون مع إسرائيل خطط الحرب على إيران. يتردد كثيرا هذه الأيام أن إسرائيل تعمدت التغافل عن هذا الأمر اعتمادا على قلة كفاءة مبعوثي الرئيس في المفاوضات الطويلة التي دارت مع الإيرانيين والخليجيين، وبخاصة مع العمانيين، عشية شن الحرب.
لا أحد معتبرا استطاع أن يقترح نتائج شبه مؤكدة. إلا أننا حاولنا استقراء احتمالات تمدد تطورات بعينها في المستقبل لهذه الحرب التي تمكنت خلال يومين أو ثلاثة من تهديد استقرار وأمن المنطقة. أسفرت محاولاتنا عما يلي:
أ: استغراق المجتمع الأمريكي في الاهتمام بخبايا فساد المستنقع الذي نجم عن فضيحة إبستين، بما يعنيه هذا الاحتمال من لجوء الرئيس وجماعته إلى مزيد من المغامرات العسكرية.
ب: استمرار تدهور الوضع السياسي في الولايات المتحدة الأمر الذي يعني مزيدا من القرارات ذات الطبيعة الاستعراضية، مثل تعيين زوجة الرئيس مندوبة مؤقتة لترأس وفد أمريكا في مجلس الأمن، بعد سقوط مهزلة شارك فيها البليونير صاحب أمازون والواشنطون بوست، وهي مهزلة الفيلم الوثائقي عن حياة السيدة الأولى، في وقت تحكي وثائق إبستين عن تاريخ لها مختلف تماما.
الحرب لا تزال مشتعلة ومضيق هرمز يواجه خطر الإغلاق وأسعار النفط والغاز ترتفع وأمريكا تستمر وتخسر في مكانتها، وإسرائيل ستحاول عدم السماح لترامب بالانسحاب منها قبل أوان هي تحدده.
{ كاتب ومحلل سياسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك