العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف استفادت الصين من التورط الأمريكي في الحروب؟

بقلم: هاني عوكل

الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

طيلة‭ ‬فترة‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬أفغانستان‭ ‬ومن‭ ‬بعدها‭ ‬العراق‭ ‬واليوم‭ ‬إيران،‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬الرسمي‭ ‬لغة‭ ‬القوة،‭ ‬وظل‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأوقات‭ ‬يراقب‭ ‬السلوك‭ ‬الأمريكي‭ ‬ويستفيد‭ ‬من‭ ‬انشغالاته‭ ‬لتعظيم‭ ‬نفوذ‭ ‬التنين‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

واشنطن‭ ‬بعد‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وإعلان‭ ‬القطبية‭ ‬الأحادية،‭ ‬فأمريكا‭ ‬ركزت‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وفتحت‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وأشغلت‭ ‬حلفاءها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬كانت‭ ‬تنهض‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تدرك‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬خدمت‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وامتلاكها‭ ‬عبر‭ ‬سياسة‭ ‬التصنيع‭ ‬العابر‭ ‬للقارات‭.‬

القفزات‭ ‬الصينية‭ ‬تحققت‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬مارست‭ ‬السياسة‭ ‬الناعمة‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬حجز‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬واليوم‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مصنع‭ ‬العالم‭ ‬وثاني‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬بعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

اليوم‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تنافس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬سيادة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وترغب‭ ‬في‭ ‬إزاحة‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى،‭ ‬وقد‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬بالأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬المجهود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬عبره‭ ‬الصين‭ ‬قفزات‭ ‬تنموية‭ ‬متسارعة‭.‬

الحروب‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والتوترات‭ ‬التجارية‭ ‬المتصاعدة‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬قبل‭ ‬أعدائها،‭ ‬والتي‭ ‬كلفت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬خسائر‭ ‬تقدر‭ ‬بتريليونات‭ ‬الدولارات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انشغال‭ ‬واشنطن‭ ‬عما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭.‬

كذلك‭ ‬بدأت‭ ‬مكانة‭ ‬واشنطن‭ ‬تتآكل‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬أمام‭ ‬العالم،‭ ‬والحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬فتحت‭ ‬النقاش‭ ‬الداخلي‭ ‬حول‭ ‬جدواها‭ ‬ومنافعها‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬بروز‭ ‬مواقف‭ ‬دولية‭ ‬حليفة‭ ‬لواشنطن،‭ ‬تنتقد‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬وترفض‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدة‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬حوالي‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬لتطويق‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تولي‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وتضعه‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬أولوياتها‭ ‬الدولية‭.‬

إن‭ ‬فتح‭ ‬النار‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بإضعافها‭ ‬إقليمياً‭ ‬وكسر‭ ‬شوكتها‭ ‬وضمان‭ ‬التفوق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬إضعاف‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭- ‬الإيرانية‭ ‬وتفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬التي‭ ‬تفيد‭ ‬بكين‭ ‬كثيراً‭ ‬جداً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مساري‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬بأسعار‭ ‬تفضيلية،‭ ‬وكذلك‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإيرانية‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للطاقة‭ ‬من‭ ‬طهران،‭ ‬والحصول‭ ‬عليها‭ ‬يحقق‭ ‬القفزات‭ ‬التنموية‭ ‬الصينية‭ ‬والطموحات‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عنها،‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تأثرت‭ ‬هذه‭ ‬الإمدادات‭ ‬لن‭ ‬تدخل‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وستكتفي‭ ‬بالتفرج‭ ‬والدعم‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬لإيران‭.‬

إن‭ ‬الصين‭ ‬تفضل‭ ‬مراقبة‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬سيضمن‭ ‬لها‭ ‬تعزيز‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تعزز‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وترسل‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬وتنقل‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬أصولها‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭.‬

بالتأكيد‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬الصيني‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬الأمريكية‭ ‬المستحدثة‭ ‬أعطته‭ ‬وقتاً‭ ‬للتموين‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬ويظل‭ ‬يكرر‭ ‬مقولة‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬رابح‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬والتعاون‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يجادل‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬بكين‭ ‬المتنامية‭ ‬واستفادتها‭ ‬الفعلية‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬الجانبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتدخل‭ ‬فيها‭.‬

لقد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬شنت‭ ‬روسيا‭ ‬حرباً‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أواخر‭ ‬فبراير‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ولم‭ ‬تتدخل‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬سوى‭ ‬بالكلمات‭ ‬والمواقف‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬رفض‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬روسيا،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الوقف‭ ‬الفوري‭ ‬للحرب‭.‬

ولا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬تتعلق‭ ‬بدعم‭ ‬عسكري‭ ‬صيني‭ ‬إلى‭ ‬روسيا،‭ ‬اللهم‭ ‬سوى‭ ‬زيادة‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬وشراء‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الروسي،‭ ‬ونفس‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬سياسة‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬واستمرار‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬لتحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬استفادة‭ ‬ممكنة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الدولية‭ ‬المُلبّدة‭.‬

لقد‭ ‬كشف‭ ‬مؤتمر‭ ‬ميونيخ‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬منتصف‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬عن‭ ‬تصدع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬وأنه‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬‮«‬تحت‭ ‬التدمير‮»‬،‭ ‬ويواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬خضمه‭ ‬تضعف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬وتزيد‭ ‬حدة‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توتر‭ ‬وخلاف‭ ‬داخل‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تدير‭ ‬فيه‭ ‬واشنطن‭ ‬ظهرها‭ ‬لأهم‭ ‬حلفائها‭ ‬الغربيين،‭ ‬تسعى‭ ‬الصين‭ ‬جاهدةً‭ ‬لتحسين‭ ‬صورتها‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬والبروز‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الدولة‭ ‬المحبة‭ ‬للتعاون‭ ‬والسلام،‭ ‬والرافضة‭ ‬للهيمنة‭ ‬والتسيّد‭ ‬الدولي‭ ‬أحادي‭ ‬القطب،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬قناعتها‭ ‬الداخلية‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المواربة‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬ستحقق‭ ‬لها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭.‬

لن‭ ‬تشعل‭ ‬الصين‭ ‬صراعاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تايوان‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬قطعة‭ ‬منها،‭ ‬فهي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬الدولي‭ ‬والحروب‭ ‬القائمة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للصعود‭ ‬إلى‭ ‬القمة،‭ ‬ومتى‭ ‬صعدت‭ ‬حينها‭ ‬فقط‭ ‬سيكون‭ ‬لكل‭ ‬حادث‭ ‬حديث‭.‬

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا