طيلة فترة الحروب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان ومن بعدها العراق واليوم إيران، لم يتجاوز الموقف الصيني الرسمي لغة القوة، وظل كل تلك الأوقات يراقب السلوك الأمريكي ويستفيد من انشغالاته لتعظيم نفوذ التنين في العالم.
واشنطن بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وإعلان القطبية الأحادية، فأمريكا ركزت وجودها في الشرق الأوسط وفتحت النار على العراق وأشغلت حلفاءها في هذه الحرب، ولم تكن تدرك أن الصين كانت تنهض شيئاً فشيئاً، ولم تكن تدرك أيضاً أن العولمة خدمت بكين في تسريع نقل المعرفة وامتلاكها عبر سياسة التصنيع العابر للقارات.
القفزات الصينية تحققت من بوابة الاقتصاد والتجارة العالمية، ومن ثم مارست السياسة الناعمة حتى تتمكن من حجز مقعد في النظام الدولي، واليوم لا يختلف أحد على أنها مصنع العالم وثاني أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
اليوم لا يخفى على أحد أن الصين تنافس الولايات المتحدة في سيادة النظام الدولي، وترغب في إزاحة واشنطن عن المرتبة الأولى، وقد يأتي هذا اليوم بالأدوات الاقتصادية أو المجهود الاقتصادي الذي تحقق عبره الصين قفزات تنموية متسارعة.
الحروب التي شنتها واشنطن في أفغانستان والشرق الأوسط، والتوترات التجارية المتصاعدة مع حلفائها قبل أعدائها، والتي كلفت الاقتصاد العالمي خسائر تقدر بتريليونات الدولارات، الأمر الذي أدى إلى انشغال واشنطن عما يدور في بحر الصين الجنوبي.
كذلك بدأت مكانة واشنطن تتآكل شيئاً فشيئاً أمام العالم، والحرب الأخيرة مع إيران فتحت النقاش الداخلي حول جدواها ومنافعها وتأثيراتها المباشرة في الاقتصاد الأمريكي، ناهيك عن بروز مواقف دولية حليفة لواشنطن، تنتقد دورها في هذه الحرب وترفض تقديم المساعدة مثل إسبانيا.
وعلى الرغم من مرور حوالي خمسة عشر عاماً على سياسة «التحول نحو آسيا» التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لتطويق التمدد الصيني، إلا أن واشنطن لا تزال تولي اهتماماً كبيراً للشرق الأوسط وتضعه في صدارة أولوياتها الدولية.
إن فتح النار الأمريكية على إيران لا يتعلق بإضعافها إقليمياً وكسر شوكتها وضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة فحسب، وإنما إضعاف العلاقات الصينية- الإيرانية وتفكيك هذه الشراكة التي تفيد بكين كثيراً جداً، خصوصاً في مساري الحصول على الطاقة من طهران بأسعار تفضيلية، وكذلك تدفق الاستثمارات الصينية إلى الجمهورية الإيرانية.
ذلك أن بكين أكبر مستورد للطاقة من طهران، والحصول عليها يحقق القفزات التنموية الصينية والطموحات التي تبحث عنها، لكن حتى لو تأثرت هذه الإمدادات لن تدخل الصين في معركة ضد الولايات المتحدة، وستكتفي بالتفرج والدعم غير المباشر لإيران.
إن الصين تفضل مراقبة أجواء الحرب من بعيد، لأن ذلك سيضمن لها تعزيز الحضور في بحر الصين الجنوبي، في الوقت الذي تعزز فيه الولايات المتحدة قوتها العسكرية في الشرق الأوسط، وترسل حاملات الطائرات وتنقل أجزاء من أصولها العسكرية إلى هناك.
بالتأكيد الخطاب الرسمي الصيني ينكر أن الحروب الأمريكية المستحدثة أعطته وقتاً للتموين العسكري والاقتصادي، ويظل يكرر مقولة إنه لا رابح في الحروب، والتعاون أفضل من الصراع، لكن لا أحد يجادل في قوة بكين المتنامية واستفادتها الفعلية من الحروب والصراعات الجانبية التي لا تتدخل فيها.
لقد سبق وأن شنت روسيا حرباً على أوكرانيا أواخر فبراير عام 2022، ولم تتدخل الصين في هذه الحرب سوى بالكلمات والمواقف من قبيل رفض العقوبات الغربية على روسيا، والدعوة إلى الوقف الفوري للحرب.
ولا توجد أي مؤشرات تتعلق بدعم عسكري صيني إلى روسيا، اللهم سوى زيادة التجارة البينية وشراء النفط والغاز الروسي، ونفس هذا الموقف يحدث مع إيران عبر سياسة الدعوة إلى وقف الحرب واستمرار التعاون الاقتصادي مع طهران لتحقيق أكبر استفادة ممكنة في ظل هذه الأجواء الدولية المُلبّدة.
لقد كشف مؤتمر ميونيخ الذي عقد منتصف الشهر الماضي، عن تصدع النظام الدولي وأنه يمر بمرحلة «تحت التدمير»، ويواجه ضغوطاً كبيرة من القوى الكبرى، وفي خضمه تضعف المؤسسات الدولية وتزيد حدة التنافس الدولي، في ظل توتر وخلاف داخل المعسكر الغربي.
وفي الوقت الذي تدير فيه واشنطن ظهرها لأهم حلفائها الغربيين، تسعى الصين جاهدةً لتحسين صورتها أمام العالم والبروز في موقف الدولة المحبة للتعاون والسلام، والرافضة للهيمنة والتسيّد الدولي أحادي القطب، لكن في قناعتها الداخلية تدرك أن المواربة خلف هذه السياسة ستحقق لها الكثير من الفوائد.
لن تشعل الصين صراعاً في هذه الأوقات، ولا حتى مع تايوان التي تعتبرها قطعة منها، فهي تستفيد من كل هذا التوتر الدولي والحروب القائمة، في محاولة للصعود إلى القمة، ومتى صعدت حينها فقط سيكون لكل حادث حديث.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك