العدد : ١٧٥١٥ - السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٥ - السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

«انظر من عاد»

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬انظر‭ ‬من‭ ‬عاد‮»‬‭.. ‬هو‮ ‬فيلم‭ ‬ألماني‭ ‬ساخر صدر‭ ‬عام‭ ‬2015م‭ ‬يروي‭ ‬الفيلم‭ ‬قصة‭ ‬تخيلية‭ ‬لاستيقاظ‭ ‬أدولف‭ ‬هتلر‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬ذاكرة‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬ليبدأ‭ ‬بالتجول‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬ومحاولة‭ ‬فهم‭ ‬المجتمع‭ ‬المعاصر‭.‬

اعتمد‭ ‬المخرج‭ ‬أسلوباً‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬التمثيل‭ ‬والواقع،‭ ‬حيث‭ ‬جعل‭ ‬الممثل‭ ‬يتجول‭ ‬بزي‭ ‬هتلر‭ ‬وسط‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬لتوثيق‭ ‬ردود‭ ‬أفعالهم‭ ‬الحقيقية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬دلالات‭ ‬صادمة‭ ‬حيث‭ ‬أظهر‭ ‬الفيلم‭ ‬كيف‭ ‬تفاعل‭ ‬المارة‭ ‬مع‭ ‬الشخصية‭ ‬الخيالية‭ ‬بحماس،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقاطهم‭ ‬الصور‭ ‬الشخصية‭ ‬معه‭ ‬وقيام‭ ‬البعض‭ ‬بأداء‭ ‬التحية‭ ‬النازية‭ ‬المحظورة‭ ‬قانوناً‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وهذا‭ ‬يُعتبر‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬طمس‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والخيال‭.‬

صرح‭ ‬بطل‭ ‬الفيلم‭ ‬بأنه‭ ‬صُدم‭ ‬من‭ ‬ترحيب‭ ‬الناس‭ ‬به؛‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬عبّر‭ ‬له‭ ‬الكثيرون‭ ‬عن‭ ‬استيائهم‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬الحالية‭ ‬وتراجع‭ ‬مكانة‭ ‬ألمانيا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقود‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المجالات‭ ‬وكأنهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬إلى‭ ‬هتلر‭ ‬الحقيقي‭.‬

يرمي‭ ‬الفيلم‭ ‬إلى‭ ‬إيصال‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬المتطرف‭ ‬لم‭ ‬يختفِ‭ ‬تماماً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كامن‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬البعض‭ ‬وينتظر‭ ‬الظروف‭ ‬المناسبة‭ ‬للظهور‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬نازيا‭ ‬دمويا‭ ‬لا‭ ‬إنساني‭ ‬حسب‭ ‬النزعة‭ ‬العدوانية‭ ‬لدى‭ ‬البعض،‭ ‬كذلك‭ ‬الفيلم‭ ‬يسخر‭ ‬من‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الحديثة‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬شخصية‭ ‬دكتاتورية‭ ‬إلى‭ ‬نجم‭ ‬أو‭ ‬مؤدٍّ‭ ‬بارع‭ ‬قبل‭ ‬إدراك‭ ‬خطورة‭ ‬أفكاره،‭ ‬كذلك‭ ‬أظهر‭ ‬المشهد‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للأفكار‭ ‬المتطرفة‭ ‬أن‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬تحت‭ ‬غطاء الترفيه،‭ ‬فعندما‭ ‬يضحك‭ ‬الناس‭ ‬مع‭ ‬الدكتاتور‭ ‬ويلتقطون‭ ‬الصور‭ ‬معه‭ ‬يسقط‭ ‬الحاجز‭ ‬النفسي‭ ‬والرهبة‭ ‬من‭ ‬فظائعه،‭ ‬مما‭ ‬يمهد‭ ‬الطريق‭ ‬لقبول‭ ‬أفكاره‭ ‬تدريجياً‭ ‬كوجهة‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬أو‭ ‬جريئة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬إجرامية‭.‬

أيضاً‭ ‬يسلط‭ ‬المشهد‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تحول‭ ‬السياسة‭ ‬إلى استعراض‭ ‬فالطاغية‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬بملامح‭ ‬شريرة‭ ‬بل‭ ‬يظهر‭ ‬بمظهر‭ ‬الشخص‭ ‬الصريح‭ ‬الذي‭ ‬يكسر‭ ‬الصوابية‭ ‬السياسية،‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬جذاباً‭ ‬للجماهير‭ ‬التي‭ ‬شُحنت‭ ‬بالسلبية‭ ‬وترعرعت‭ ‬عليها،‭ ‬والتقاط‭ ‬المارة‭ ‬للصور‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬يمثل‭ ‬أبشع‭ ‬حقبة‭ ‬في‭ ‬تاريخهم‭ ‬يدل‭ ‬على سطحية‭ ‬الوعي،‭ ‬فعندما‭ ‬يتم‭ ‬إفراغ‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أيقونات‭ ‬بصريّة‭ ‬أو‭ ‬أزياء‭ ‬تنكرية‭ ‬يفقد‭ ‬المجتمع‭ ‬مناعته‭ ‬ضد‭ ‬تكرار‭ ‬نفس‭ ‬الكوارث‭ ‬بوجوه‭ ‬جديدة،‭ ‬كذلك‭ ‬المشهد‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬إن‭ ‬الطاغية‭ ‬ليس‭ ‬شخصاً‭ ‬يهبط‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬بل‭ ‬هو صناعة‭ ‬مشتركة بين‭ ‬شخص‭ ‬نرجسي‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬أيدولوجيات‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬يسعى‭ ‬الى‭ ‬حلم‭ ‬السلطة‭ ‬وجمهور‭ ‬مستعد‭ ‬للتصفيق‭ ‬له‭ ‬مقابل‭ ‬الشعور‭ ‬بالقوة‭ ‬أو‭ ‬بوعود‭ ‬زائفة‭.‬

إن‭ ‬المجتمعات بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التغلغل‭ ‬الفكري‭ ‬قبل‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬سياسي،‭ ‬وتقوم‭ ‬بمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التغلغل‭ ‬عبر‭ ‬بناء حصانة‭ ‬مجتمعية تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬القوانين،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬نسيان‭ ‬التواريخ‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نسيان الآليات،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الطواغيت‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بتدريس‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬مكنتهم‭ ‬من‭ ‬الصعود‭ ‬كالخطابات‭ ‬والوعود‭ ‬واستغلال‭ ‬الأزمات‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬أوتار‭ ‬سياسية‭ ‬محددة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬بعجلة‭ ‬التنمية‭ ‬إلى‭ ‬الامام،‭ ‬فالهدف‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬بذور‭ ‬الطغيان‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬الوعود‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الترندات‭.‬

إن‭ ‬تفكيك‭ ‬الشعبوية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬وتعليم‭ ‬الأجيال‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحل‭ ‬الحقيقي‭ ‬والشعار‭ ‬العاطفي‭ ‬وغرس‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬فالطاغية‭ ‬ينمو‭ ‬حين‭ ‬تفقد‭ ‬الدولة‭ ‬سيطرتها‭ ‬أو‭ ‬يظهر‭ ‬ضعفها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬أو‭ ‬تتوقف‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية‭ ‬فيها‭ ‬ولجوئها‭ ‬إلى‭ ‬الانكماش،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الطواغيت‭ ‬الجدد‭ ‬يُصنعون‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬فإن‭ ‬المواجهة‭ ‬تشمل‮ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬ليس‭ ‬الحقيقة‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬مشاعرنا‭ ‬غالباً‭ ‬كالغضب‭ ‬للبقاء‭ ‬وقتاً‭ ‬أطول‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬كان‭ ‬أخطر‭ ‬المارة‭ ‬هم‭ ‬الصامتون‭ ‬الذين‭ ‬اكتفوا‭ ‬بالمشاهدة،‭ ‬لأن‭ ‬مواجهة‭ ‬التطرف‭ ‬تتطلب‭ ‬صوتاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬يرفض‭ ‬الانجرار‭ ‬وراء‭ ‬الموجة‭ ‬أو‭ ‬السكوت‭ ‬عنها‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أو‭ ‬انه‭ ‬مجرد‭ ‬مشهد‭ ‬ساخر‭ ‬ويُعيد‭ ‬تذكير‭ ‬المجتمع‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشتركة‭ ‬فوق‭ ‬المصالح‭ ‬اللحظية،‭ ‬أضف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الطفرة‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحالية كالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أصبحت مصنعاً‭ ‬متكاملاً‮ ‬لإنتاج‭ ‬الشخصيات‭ ‬والأحداث‭ ‬وتزييف‭ ‬الواقع،‭ ‬مما‭ ‬يسهل‭ ‬بروز‭ ‬أنماط‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الطواغيت‭ ‬الرقميين،‭ ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬كذلك‭ ‬خلق‭ ‬شخصية‭ ‬قيادية‭ ‬أو‭ ‬إجرامية‭ ‬من‭ ‬العدم‭ ‬وستوفر‭ ‬لهم أدوات‭ ‬تضليل أقوى‭ ‬من‭ ‬التي‭ ‬امتلكها‭ ‬هتلر‭. ‬وكما‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬وتر‭ ‬العواطف‭ ‬وتجييش‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬بدأ‭ ‬بتغريدة‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬اكس،‭ ‬اليوم‭ ‬نحن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الطاغية‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الطاغية‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬التزييف‭ ‬يبدو‭ ‬حقيقة،‭ ‬والحقيقة‭ ‬تبدو‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬قابلة‭ ‬للتشكيك‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا