«انظر من عاد».. هو فيلم ألماني ساخر صدر عام 2015م يروي الفيلم قصة تخيلية لاستيقاظ أدولف هتلر في برلين الحديثة من دون أي ذاكرة لما حدث بعد عام 1945، ليبدأ بالتجول في الشوارع ومحاولة فهم المجتمع المعاصر.
اعتمد المخرج أسلوباً يدمج بين التمثيل والواقع، حيث جعل الممثل يتجول بزي هتلر وسط عامة الناس في ألمانيا لتوثيق ردود أفعالهم الحقيقية وهو ما كشف عن دلالات صادمة حيث أظهر الفيلم كيف تفاعل المارة مع الشخصية الخيالية بحماس، من خلال التقاطهم الصور الشخصية معه وقيام البعض بأداء التحية النازية المحظورة قانوناً في ألمانيا وهذا يُعتبر نوعا من طمس الحدود بين الواقع والخيال.
صرح بطل الفيلم بأنه صُدم من ترحيب الناس به؛ فبدلاً من الرفض عبّر له الكثيرون عن استيائهم من الأوضاع السياسية الحالية وتراجع مكانة ألمانيا التي كانت تقود أوروبا في كافة المجالات وكأنهم يتحدثون إلى هتلر الحقيقي.
يرمي الفيلم إلى إيصال رسالة مفادها أن الفكر المتطرف لم يختفِ تماماً، بل هو كامن في نفوس البعض وينتظر الظروف المناسبة للظهور حتى إن كان هذا النهج نازيا دمويا لا إنساني حسب النزعة العدوانية لدى البعض، كذلك الفيلم يسخر من كيف يمكن لوسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أن تحول شخصية دكتاتورية إلى نجم أو مؤدٍّ بارع قبل إدراك خطورة أفكاره، كذلك أظهر المشهد كيف يمكن للأفكار المتطرفة أن تتسلل إلى المجتمع تحت غطاء الترفيه، فعندما يضحك الناس مع الدكتاتور ويلتقطون الصور معه يسقط الحاجز النفسي والرهبة من فظائعه، مما يمهد الطريق لقبول أفكاره تدريجياً كوجهة نظر مختلفة أو جريئة بدلاً من كونها إجرامية.
أيضاً يسلط المشهد الضوء على تحول السياسة إلى استعراض فالطاغية الجديد لا يظهر بملامح شريرة بل يظهر بمظهر الشخص الصريح الذي يكسر الصوابية السياسية، مما يجعله جذاباً للجماهير التي شُحنت بالسلبية وترعرعت عليها، والتقاط المارة للصور مع شخص يمثل أبشع حقبة في تاريخهم يدل على سطحية الوعي، فعندما يتم إفراغ التاريخ من محتواه وتحويله إلى مجرد أيقونات بصريّة أو أزياء تنكرية يفقد المجتمع مناعته ضد تكرار نفس الكوارث بوجوه جديدة، كذلك المشهد يرمي إلى قول إن الطاغية ليس شخصاً يهبط من السماء بل هو صناعة مشتركة بين شخص نرجسي قد يأتي من أيدولوجيات خارجة عن القانون يسعى الى حلم السلطة وجمهور مستعد للتصفيق له مقابل الشعور بالقوة أو بوعود زائفة.
إن المجتمعات بحاجة ماسة لمواجهة هذا النوع من التغلغل الفكري قبل تحوله إلى واقع سياسي، وتقوم بمواجهة هذا التغلغل عبر بناء حصانة مجتمعية تتجاوز مجرد القوانين، فالمشكلة ليست في نسيان التواريخ بل في نسيان الآليات، ومواجهة الطواغيت لا بد أن تبدأ بتدريس الوسائل التي مكنتهم من الصعود كالخطابات والوعود واستغلال الأزمات أو من خلال العزف على أوتار سياسية محددة بدلاً من التركيز على الدفع بعجلة التنمية إلى الامام، فالهدف هو أن يتعرف المواطن على بذور الطغيان وهي لا تزال في طور الوعود السياسية أو الترندات.
إن تفكيك الشعبوية من خلال تعزيز الفكر النقدي وتعليم الأجيال التمييز بين الحل الحقيقي والشعار العاطفي وغرس الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، فالطاغية ينمو حين تفقد الدولة سيطرتها أو يظهر ضعفها في مواجهة الأزمات أو تتوقف عجلة التنمية فيها ولجوئها إلى الانكماش، وبما أن الطواغيت الجدد يُصنعون في الفضاء الرقمي، فإن المواجهة تشمل إدراك أن ما يظهر لنا على الشاشة ليس الحقيقة بل هو ما يثير مشاعرنا غالباً كالغضب للبقاء وقتاً أطول.
في هذا الفيلم كان أخطر المارة هم الصامتون الذين اكتفوا بالمشاهدة، لأن مواجهة التطرف تتطلب صوتاً أخلاقياً يرفض الانجرار وراء الموجة أو السكوت عنها بحجة أن الأمر لا يستحق أو انه مجرد مشهد ساخر ويُعيد تذكير المجتمع بالقيم الإنسانية المشتركة فوق المصالح اللحظية، أضف الى ذلك أن الطفرة في التكنولوجيا الحالية كالذكاء الاصطناعي أصبحت مصنعاً متكاملاً لإنتاج الشخصيات والأحداث وتزييف الواقع، مما يسهل بروز أنماط جديدة من الطواغيت الرقميين، وأصبح من السهل كذلك خلق شخصية قيادية أو إجرامية من العدم وستوفر لهم أدوات تضليل أقوى من التي امتلكها هتلر. وكما نعلم أن اللعب على وتر العواطف وتجييش الشعوب في عام 2011 بدأ بتغريدة على منصة اكس، اليوم نحن ننتقل من عصر الطاغية الذي يسيطر على الجسد إلى عصر الطاغية الذي يسيطر على الإدراك والتكنولوجيا التي تجعل التزييف يبدو حقيقة، والحقيقة تبدو وجهة نظر قابلة للتشكيك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك