حرب الإبادة للشعب الفلسطيني التي مازالت مستمرة، ومنطلقات الحروب اليهودية الصهيونية والأمريكية المسيحية الصهيونية في المنطقة العربية، تكشفت عن كثير من الحقائق بشأنها وهي حقائق قديمة ومتجددة لا يريد العلمانيون والليبراليون الاعتراف بها، وهي أن الحروب التي تُشعلها وتشنها إسرائيل، وتدعمها أمريكا ودول غربية كثيرة هي حروب دينية عقدية تنبعث وتستلهم شرعيتها من إنجيلهم، وتوراتهم، وكتبهم المقدسة المحرفة.
ولكي أُقنع من يشك في هذه الحقيقة الواقعية، وتتحقق يوما بعد يوم، أُقدم لكم عقيدة الجيش الأمريكي الحالية لتبرير الحروب في منطقتنا، والتوجيهات المباشرة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار والتي يغذيها الصليبي وزير الحرب الأمريكي «بيت هجسث»، الذي خلَّد وحفر في جسمه «وُشُوم» ترمز إلى الحروب الصليبية القديمة، إضافة إلى أوامر ضباطه إلى الجنود الأمريكيين الذين يكذبون عليهم، ويلقونهم تلقيناً الحجج الواهية والمضللة في كل مرة يشعلون فيها فتيل ما يُطلقون عليها بالحرب الاستباقية على الدول الأخرى.
وقد كشف مجموعة كبيرة من الجنود الأمريكيين عن استيائهم وإنكارهم لهذه التعليمات الدينية المسيحية الصهيونية المتطرفة والإقصائية لجميع الأديان والعقائد في خطابٍ رسمي قدموا فيه الشكوى من هذه التوجيهات المتشددة إلى مؤسسة أمريكية رقابية يُطلق عليها: «المؤسسة العسكرية للحريات الدينية» ( The Military Religious Freedom Foundation). حيث نقلتْ صحيفة الجارديان البريطانية فحوى هذا الخطاب المُوقع من 200 جندي من مختلف الرتب العسكرية، ومن جميع قطاعات وفروع الجيش في 3 مارس 2026، ونشرته في تحقيق موثق في الصحيفة.
وأنقلُ لكم البعض من هذه التعليمات «الإلهية» الإنجيلية والتوراتية التي أصبحت الآن عقيدة قتالية راسخة يؤمن بها، وينشرها وزير الدفاع ووزراء آخرين في حكومة ترامب. ومن هذه التوجيهات التي أُعطيت للجيش الأمريكي والجنود في الحرب الحالية في المنطقة ما يلي:
أولاً: الاعتقاد التام بأن: «المسيح اختار الرئيس ترامب لإشعال النار في الشرق الأوسط لإحداث معركة أرمجدون (Armageddon)، وإعلان عودته إلى الأرض». وهذا يعني بأن ترامب هو رجل مبارك ومقدس، وهو الخليفة الرسمي والشرعي المُعين من الرب، ولديه الصلاحيات الكاملة للدخول في الحروب، وبخاصة هذه الحرب المقدسة في الشرق الأوسط التي تحقق النبوءات التي وردت في الآيات الإنجيلية. كما جاء في خطاب الجنود الذين قدَّموا الشكوى بأنه في: «أي وقت إسرائيل أو الولايات المتحدة تشعلان الحرب في الشرق الأوسط، فإننا نسمع إلى هذا الخطاب القومي المسيحي الذي سيطر على حكومتنا، وبالطبع الجيش الأمريكي، مما يتعارض مع الدستور الأمريكي القائم على فصل الدين عن الدولة».
ثانياً: الاعتقاد الجازم، والتبرير للجنود بأن الحرب الراهنة «جزء من خطة الرب الإلهية»، أي أن اشعال الحرب هي من مشيئة الرب منذ آلاف السنين ولا نستطيع إلا الدخول فيها، وهي مستندة ومستخلصة من آياتٍ في التوراة والإنجيل، حيث يقدم ضباط الجيش الأمريكي للجنود هذه الحجج المصطنعة والمختلقة، ومستشهدين باقتباسات مقدسة بأن هذه الحرب الدينية ضرورية لا مفر منها، وهي من نبوءات «نهاية الزمان» (end times) لإنفاذ خطة الرب لبدء هذه المعركة المصيرية التي تَحدُثْ في آخر الزمان وفي «الأيام الأخيرة»، كما هي موجودة في كتبهم المحرفة، وتُمهد لعودة المسيح إلى الأرض.
ثالثاً: وزير الحرب الأمريكي يؤمن بعقيدة القومية المسيحية، وينتمي إلى الكنيسة المسيحية الإنجيلية التي تسعى إلى تحقيق فلسفة «إعادة بناء المسيحية» (Christian reconstructionism). وهذه القومية المسيحية تتبنى خطاباً متشدداً ومتعالياً، وتقدم للأمريكيين نظرة متطرفة فتؤمن بمجال السمو (sphere sovereignty)، أي أن أمريكا يجب أن تكون أمة مسيحية خالصة وللمسيحيين فقط، كما أن العالم يجب أن يكون مسيحياً، أي بعبارة أخرى واضحة لا تعدد في الأديان، ولا تسامح ولا تعايش مع الأديان الأخرى، وبالتحديد الدين الإسلامي. فالدولة الأمريكية ستكون دينية وتَحكُمها تعاليم الإنجيل والتوراة الصهيونية. فهذه الأفكار التي يعلنها هذا الوزير الصليبي تُعمم على كل قطاعات وفروع الجيش الأمريكي، فتتحول إلى عقيدة قتالية مسيحية متطرفة تكره العرب والإسلام والمسلمين.
رابعاً: هذه العقيدة تمتد وتتوسع إلى الاعتقاد بالحلم الصهيوني، وتحقيقه على أرض الواقع وهو «إسرائيل الكبرى»، أي أن لإسرائيل الحق التلمودي والإنجيلي في أن تتوسع يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، فتمتد من أراضي الدولة الفلسطينية المغتصبة، إلى الأراضي العربية والإسلامية. وآخر تصريح أيقظ العالمين العربي والإسلامي من وهم النيات الطيبة للصهيونية اليهودية والمسيحية الأمريكية، جاء على لسان سفير ترامب «مايك هاكابي» في إسرائيل. فقد أكد في مقابلة مع الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون» في 22 فبراير 2026 بأنه لا بأس من أن تستولي إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، بما في ذلك الأردن، وسوريا، ولبنان، وجزء من مصر والسعودية والعراق وتركيا. وبرَّر هذا الغزو والاحتلال الصهيوني والتعدي على حرمات دول قائمة وذات سيادة، بأن هذا حق ديني مقدس ورد في آيات الإنجيل والتوراة، أو نصوص العهد القديم. كما جاء في تصريحات هذا المسيحي الصهيوني بأن الجيش الإسرائيلي الذي ارتكب إبادة شاملة في غزة، وقتل قرابة 75 ألف فلسطيني بأنه الجيش الأكثر أخلاقاً، كما قال بأن قتل أكثر من 25 ألف طفل فلسطيني يوجد ما يبرره، أي لا مانع من قتل الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين، وغيرهم من العرب والمسلمين. وبالرغم من بشاعة هذه التصريحات واستصغارها لدولنا، إلا أنه مازال في منصبه، ولم ينتقد ترامب والبيت الأبيض مثل هذه التصريحات، مما يؤكد موافقتهم عليها، ودعمهم لها.
فجميع النقاط التي ذكرتُها تؤكد بما لا يدع للشك سياسة ترامب ومواقفه من الأمتين العربية والإسلامية، وتنعكس هذه السياسات على ممارسات الحكومة الأمريكية من وزراء، ورؤساء الأجهزة المختلفة، كما تصبح جزءاً لا يتجزأ من عقيدة الجيش الأمريكي المبنية على كتبهم المقدسة المحرفة.
فخلاصة القول عقيدتهم هي سيادة المسيحية الصهيونية كلياً ومن دون منازع على أمريكا أولاً، ثم دول العالم قاطبة ثانياً، وأخيراً السماح لإسرائيل للتوسع أينما تشاء، وكيفما تشاء، وبدعم ومباركة أمريكية دون الالتفاف إلى أي قانون أو مجتمع دولي. فهل العرب مستعدون لمواجهة هذه العقيدة القديمة والمتجددة؟
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك