اشتعلت الحرب التي حذّرنا مرارا وتكرارا من أنها واقعة لا محالة، ما لم تتمكّن الدول العربية والإسلامية من نزع فتيلها، وهو ما لم يحدث. وقد أصبح الآن واضحاً لكلّ ذي عينين أنها حرب تتمتع بدينامية خاصة تجعلها قابلة للتوسّع وامتداد شرارتها إلى جميع دول المنطقة، بدليل أنّ أصوات الانفجارات تسمع اليوم في الرياض، وفي دبي، وفي المنامة، وفي الدوحة، وفي الكويت، وفي مسقط، بل وليس من المستبعد أن تسمع غداً في القاهرة، وفي أنقرة، وفي إسلام أباد في الوقت نفسه. فما الذي دفع بأوضاع المنطقة للوصول إلى نقطة الغليان التي هي عليها الآن؟
يصعب العثور على إجابة أمينة ومقنعة على سؤال كهذا من دون ربطه بسؤال آخر: هل كان لهذه الأوضاع أن تنفجر على نحو ما نشاهده الآن لو كانت «إسرائيل» قد انسحبت من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 ووافقت على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على ما تبقّى من أرض فلسطين التاريخية؟ ولأنّ الإجابة النزيهة عن هذا السؤال هي: بالقطع لا، فمن الطبيعي أن تتحمّل «إسرائيل» وحدها كامل المسؤولية عن الفوضى التي تعمّ المنطقة منذ عقود طويلة، خصوصاً وأنه سبق للدول العربية المجتمعة في قمة بيروت عام 2002 أن اتخذت قراراً يؤكّد استعداها لتطبيع العلاقات معها بمجرّد الموافقة على الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية.
قد يقول قائل: وماذا عن إيران، أليست بدورها مشاركة بالقدر في تحمّل المسؤولية؟، خصوصاً وأنّ لها «أذرع» في المنطقة ليست مستعدّة للاعتراف بـ «إسرائيل» وتحمل السلاح في وجهها، وهو سؤال يتطلّب البحث عن إجابة أمينة عليه ربطه بسؤال آخر: هل كان بمقدور إيران، أو أيّ من «أذرعها»، إطلاق رصاصة واحدة على «إسرائيل» لو أنّ الأخيرة كانت قد استجابت لمبادرة «الأرض مقابل السلام» التي عمل العرب من أجلها طويلا؟.
ولأنّ الإجابة الوحيدة الصحيحة عليه هي أيضاً: بالقطع لا، فمن الطبيعي أن نعيد التأكيد أنّ «إسرائيل» تتحمّل وحدها، المسؤولية الكاملة عن حالة عدم الاستقرار السائدة في المنطقة الآن. فلو كانت إيران، أو أيّ من أذرعها في المنطقة، قد أقدمت على إطلاق رصاصة واحدة على «إسرائيل»، المتعايشة بسلام جنباً إلى جنب مع دولة فلسطينية مستقلة، لوقفت جميع الأنظمة والشعوب العربية إلى جانبها، وهو ما لم يحدث. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك للتأكيد أنه ما كان لهذه الأذرع أن تنبت أصلاً، ناهيك عن أن تنمو وتترعرع، لو كانت «إسرائيل» قد تجاوبت مع المبادرة العربية للسلام منذ البداية.
إن عدم انسحاب «إسرائيل» من الأراضي العربية التي تحتلها منذ نصف قرن لا يعود إلى سبب ظرفي أو طارئ، وإنما إلى بنية مشروع صهيوني يعتقد بأنّ المساحة الممتدة من النيل إلى الفرات هي «أرض موعودة للشعب اليهودي»، وتلك عقيدة لا يؤمن بها نتنياهو وحكومته فحسب وإنما ترامب وإدارته أيضاً، وهو ما اتضح بجلاء تامّ من حديث أدلى به مايك هكابي، السفير الأمريكي الحالي في «إسرائيل»، إلى تأكر كارلسون، الإعلامي الأمريكي الشهير.
وللتغطية على هذا الهدف التوسّعي، كان على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن تبحث عن مبرّر يساعدها على إزاحة كلّ من يعترض طريق «إسرائيل الكبرى»، ما يفسّر حرص نتنياهو منذ وصوله إلى السلطة على البحث عن وسيلة لحشد العالم كلّه ضدّ نظام الحكم في إيران، لأنه رأى فيه عقبة كبرى تعترض طريق تحقيق الطموحات الصهيونية في المنطقة. ولأنه أدرك أنّ «إسرائيل» لا تستطيع الصمود وحدها في مواجهة إيران، فقد سعى بعناد لجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية تفضي إلى إسقاط نظامها الحاكم، إلى أن وجد ضالته أخيراً في الرئيس الأمريكي ترامب.
ففي فترة ولايته الأولى، اعترف ترامب بالقدس عاصمة أبدية موحّدة لـ«إسرائيل» ونقل إليها السفارة الأمريكية، كما اعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوريّ، وطرح «صفقة القرن» التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية. أما في فترة ولايته الثانية، فقد نجح نتنياهو في جرّه مرتين للمشاركة معه في مواجهة عسكرية مع إيران، الأولى في حرب الـ 12 يوماً، والثانية في الحرب الحالية، وهي حرب مفتوحة ومن دون سقوف زمنية واضحة.
تختلف حرب الـ 12 يوماً عن الحرب المشتعلة حالياً، وذلك من زوايا عديدة. ففي الحرب الأولى، اكتفى ترامب بالاضطلاع بالمهام التي تتجاوز قدرة «إسرائيل»، كتدمير المنشآت النووية وتقديم ما يكفي من الدعم المادي والمعلوماتي اللازم لتمكين «إسرائيل» من إنجاز باقي المهام. ولأنّ نتنياهو فشل في إسقاط النظام الإيراني خلال هذه الحرب، بل وقام بطلب النجدة من ترامب الذي سارع بمساعدته على التوصّل إلى وقف لإطلاق النار.
أما في الحرب الحالية فقد انعكست الأدوار، حيث يتولى ترامب قيادة المهام الأساسية تاركاً لنتنياهو المهام الثانوية أو التكميلية. وفي كلتا الحربين تولّى ترامب مهمة رسم وتنفيذ خطة «الخداع الاستراتيجي»، حيث راح يتظاهر بالحرص على التفاوض والبحث عن حلول وسط، في وقت كان يستعدّ فيه لشنّ الحرب، على أمل تحقيق عنصر المفاجأة المرجّح دوماً لكفّة الطرف المهاجم.
غير أنّ خطة الخداع نجحت في الحرب الأولى، بدليل تأخّر الردّ الإيراني ساعات طويلة بعد انطلاق ضربة البداية التي حقّقت عنصر المفاجأة وأربكت النظام وكبّدته خسائر جسيمة، لكنها فشلت في الحرب الحالية، بدليل أنّ الردّ على ضربة البداية فيها كان فورياً رغم ما حقّقته من خسائر فادحة، خصوصاً وأنها أدت إلى الإطاحة بهرم السلطة ورأس النظام.
فقد حرصت إيران في هذه المرة على أن تفصل تماماً بين المسارين السياسي والعسكري، حيث واصلت المفاوضات بحسن نيّة وكأنّ الاتفاق قابل للإبرام في أيّ وقت حسب تصريحات الوسيط العماني، بينما كانت تستعدّ للمواجهة العسكرية وكأنّ الحرب قابلة للاشتعال في أية لحظة، بدليل أنّ التصريحات الصادرة قبل الحرب على لسان أعلى المستويات السياسية في إيران كانت جميعها تشير، من ناحية، إلى أنّ «يدها على الزناد»، وأنّ الحرب إذا اندلعت فستكون، من ناحية أخرى، إقليمية شاملة، وبالتالي لن تقتصر هذه المرّة على الردّ على مصادر إطلاق النيران وإنما ستمتدّ لتشمل جميع القواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما حدث إلى حد ما ويفسّر المأزق الذي بدأت تواجهه دول المنطقة كافة التي تستضيف على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المهمة الأساسية للقواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضي عدد من الدول العربية في المنطقة، يفترض أن تنحصر في حماية هذه الدول مما قد تتعرّض له من أخطار خارجية، غير أنّ هذه القواعد تحوّلت إلى عبء عليها في الحرب الجارية في المنطقة، بدليل أنّ مجرّد وجودها على أراضيها كان سبباً في جلب الأخطار لها بدلاً من دفعها عنها.
ورغم أنّ هذا هو الدرس الذي ينبغي للدول المضيفة للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة أن تستخلصه مما يجري حالياً. صحيح أنّ هذه الدول عبّرت علناً عن مواقفها الرافضة لشنّ الحرب، بل وقام بعضها ببذل مساعٍ حميدة لحثّ ترامب على تجنّب الحرب مع إيران والتوصّل إلى تسوية للخلافات معها بالطرق السلمية، وربما بلفت نظره أيضاً إلى ما قد تؤدي إليه الحرب من عواقب وخيمة تعرّض مصالحها للخطر، لكنّ ترامب لم يأبه لأيّ من هذه التحذيرات أو المناشدات وقام بشنّ حرب لا تخدم سوى مصالح نتنياهو وحده، ما يعني أنّ ترامب لا يقيم أيّ وزن لمصالح الدول العربية والإسلامية التي تتظاهر الولايات المتحدة بأنها حليفة لها، بل ويبدو على استعداد تامّ للتضحية بمصالح هذه الدول وبمصالح حكّامها أيضاً لا لشيء إلا لإرضاء نتنياهو، حليفه الحقيقي والوحيد في المنطقة.
لا يقتصر المأزق الراهن على الأنظمة التي تستضيف على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية، وإنما هو في حقيقته مأزق عامّ تواجهه جميع الأنظمة العربية والإسلامية في المنطقة، في ظل السياسات التوسعية لكيان عنصري متوحّش لم يتردّد في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في حقّ الشعب الفلسطيني على مدى عامين متواصلين.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك