العدد : ١٧٥١٦ - الأحد ٠٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٦ - الأحد ٠٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف نجح نتنياهو في جر ترامب إلـى حـرب شـاملـة في المنطقة؟

بقلم: د. حسن نافعة

السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

اشتعلت‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬حذّرنا‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬واقعة‭ ‬لا‭ ‬محالة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬من‭ ‬نزع‭ ‬فتيلها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭. ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬واضحاً‭ ‬لكلّ‭ ‬ذي‭ ‬عينين‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬تتمتع‭ ‬بدينامية‭ ‬خاصة‭ ‬تجعلها‭ ‬قابلة‭ ‬للتوسّع‭ ‬وامتداد‭ ‬شرارتها‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬بدليل‭ ‬أنّ‭ ‬أصوات‭ ‬الانفجارات‭ ‬تسمع‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الرياض،‭ ‬وفي‭ ‬دبي،‭ ‬وفي‭ ‬المنامة،‭ ‬وفي‭ ‬الدوحة،‭ ‬وفي‭ ‬الكويت،‭ ‬وفي‭ ‬مسقط،‭ ‬بل‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬غداً‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬وفي‭ ‬أنقرة،‭ ‬وفي‭ ‬إسلام‭ ‬أباد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بأوضاع‭ ‬المنطقة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الغليان‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عليها‭ ‬الآن؟

يصعب‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬إجابة‭ ‬أمينة‭ ‬ومقنعة‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬كهذا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ربطه‭ ‬بسؤال‭ ‬آخر‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬لهذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬أن‭ ‬تنفجر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نشاهده‭ ‬الآن‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬قد‭ ‬انسحبت‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬ووافقت‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية؟‭ ‬ولأنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬النزيهة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هي‭: ‬بالقطع‭ ‬لا،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تتحمّل‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬وحدها‭ ‬كامل‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تعمّ‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنه‭ ‬سبق‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬المجتمعة‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬أن‭ ‬اتخذت‭ ‬قراراً‭ ‬يؤكّد‭ ‬استعداها‭ ‬لتطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬معها‭ ‬بمجرّد‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬وإقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

قد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭: ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬إيران،‭ ‬أليست‭ ‬بدورها‭ ‬مشاركة‭ ‬بالقدر‭ ‬في‭ ‬تحمّل‭ ‬المسؤولية؟،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنّ‭ ‬لها‭ ‬‮«‬أذرع‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ليست‭ ‬مستعدّة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬وتحمل‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬وجهها،‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬يتطلّب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬أمينة‭ ‬عليه‭ ‬ربطه‭ ‬بسؤال‭ ‬آخر‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬إيران،‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬‮«‬أذرعها‮»‬،‭ ‬إطلاق‭ ‬رصاصة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬استجابت‭ ‬لمبادرة‭ ‬‮«‬الأرض‭ ‬مقابل‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬التي‭ ‬عمل‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬طويلا؟‭.‬

ولأنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الصحيحة‭ ‬عليه‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭: ‬بالقطع‭ ‬لا،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬التأكيد‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬تتحمّل‭ ‬وحدها،‭ ‬المسؤولية‭ ‬الكاملة‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الآن‭. ‬فلو‭ ‬كانت‭ ‬إيران،‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬أذرعها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬قد‭ ‬أقدمت‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬رصاصة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬المتعايشة‭ ‬بسلام‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة،‭ ‬لوقفت‭ ‬جميع‭ ‬الأنظمة‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬جانبها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭. ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬للتأكيد‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لهذه‭ ‬الأذرع‭ ‬أن‭ ‬تنبت‭ ‬أصلاً،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬وتترعرع،‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تجاوبت‭ ‬مع‭ ‬المبادرة‭ ‬العربية‭ ‬للسلام‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭.‬

إن‭ ‬عدم‭ ‬انسحاب‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬منذ‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬ظرفي‭ ‬أو‭ ‬طارئ،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬مشروع‭ ‬صهيوني‭ ‬يعتقد‭ ‬بأنّ‭ ‬المساحة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬الفرات‭ ‬هي‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬موعودة‭ ‬للشعب‭ ‬اليهودي‮»‬،‭ ‬وتلك‭ ‬عقيدة‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬نتنياهو‭ ‬وحكومته‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬ترامب‭ ‬وإدارته‭ ‬أيضاً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اتضح‭ ‬بجلاء‭ ‬تامّ‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬أدلى‭ ‬به‭ ‬مايك‭ ‬هكابي،‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬تأكر‭ ‬كارلسون،‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الشهير‭.‬

وللتغطية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬التوسّعي،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مبرّر‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬إزاحة‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬يعترض‭ ‬طريق‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬حرص‭ ‬نتنياهو‭ ‬منذ‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬وسيلة‭ ‬لحشد‭ ‬العالم‭ ‬كلّه‭ ‬ضدّ‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬لأنه‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬عقبة‭ ‬كبرى‭ ‬تعترض‭ ‬طريق‭ ‬تحقيق‭ ‬الطموحات‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ولأنه‭ ‬أدرك‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الصمود‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إيران،‭ ‬فقد‭ ‬سعى‭ ‬بعناد‭ ‬لجرّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬نظامها‭ ‬الحاكم،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وجد‭ ‬ضالته‭ ‬أخيراً‭ ‬في‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭. ‬

ففي‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى،‭ ‬اعترف‭ ‬ترامب‭ ‬بالقدس‭ ‬عاصمة‭ ‬أبدية‭ ‬موحّدة‭ ‬لـ«إسرائيل‮»‬‭ ‬ونقل‭ ‬إليها‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬اعترف‭ ‬بالسيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الجولان‭ ‬السوريّ،‭ ‬وطرح‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬تصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية،‭ ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬جرّه‭ ‬مرتين‭ ‬للمشاركة‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬12‭ ‬يوماً،‭ ‬والثانية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية،‭ ‬وهي‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬سقوف‭ ‬زمنية‭ ‬واضحة‭.‬

تختلف‭ ‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬12‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬المشتعلة‭ ‬حالياً،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬عديدة‭. ‬ففي‭ ‬الحرب‭ ‬الأولى،‭ ‬اكتفى‭ ‬ترامب‭ ‬بالاضطلاع‭ ‬بالمهام‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬كتدمير‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬وتقديم‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬والمعلوماتي‭ ‬اللازم‭ ‬لتمكين‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬من‭ ‬إنجاز‭ ‬باقي‭ ‬المهام‭. ‬ولأنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬وقام‭ ‬بطلب‭ ‬النجدة‭ ‬من‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬سارع‭ ‬بمساعدته‭ ‬على‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬فقد‭ ‬انعكست‭ ‬الأدوار،‭ ‬حيث‭ ‬يتولى‭ ‬ترامب‭ ‬قيادة‭ ‬المهام‭ ‬الأساسية‭ ‬تاركاً‭ ‬لنتنياهو‭ ‬المهام‭ ‬الثانوية‭ ‬أو‭ ‬التكميلية‭. ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحربين‭ ‬تولّى‭ ‬ترامب‭ ‬مهمة‭ ‬رسم‭ ‬وتنفيذ‭ ‬خطة‭ ‬‮«‬الخداع‭ ‬الاستراتيجي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬راح‭ ‬يتظاهر‭ ‬بالحرص‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬وسط،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬يستعدّ‭ ‬فيه‭ ‬لشنّ‭ ‬الحرب،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬تحقيق‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬المرجّح‭ ‬دوماً‭ ‬لكفّة‭ ‬الطرف‭ ‬المهاجم‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬خطة‭ ‬الخداع‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأولى،‭ ‬بدليل‭ ‬تأخّر‭ ‬الردّ‭ ‬الإيراني‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬بعد‭ ‬انطلاق‭ ‬ضربة‭ ‬البداية‭ ‬التي‭ ‬حقّقت‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬وأربكت‭ ‬النظام‭ ‬وكبّدته‭ ‬خسائر‭ ‬جسيمة،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية،‭ ‬بدليل‭ ‬أنّ‭ ‬الردّ‭ ‬على‭ ‬ضربة‭ ‬البداية‭ ‬فيها‭ ‬كان‭ ‬فورياً‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬حقّقته‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنها‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بهرم‭ ‬السلطة‭ ‬ورأس‭ ‬النظام‭.‬

فقد‭ ‬حرصت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تفصل‭ ‬تماماً‭ ‬بين‭ ‬المسارين‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬حيث‭ ‬واصلت‭ ‬المفاوضات‭ ‬بحسن‭ ‬نيّة‭ ‬وكأنّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬قابل‭ ‬للإبرام‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭ ‬حسب‭ ‬تصريحات‭ ‬الوسيط‭ ‬العماني،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬تستعدّ‭ ‬للمواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬وكأنّ‭ ‬الحرب‭ ‬قابلة‭ ‬للاشتعال‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬لحظة،‭ ‬بدليل‭ ‬أنّ‭ ‬التصريحات‭ ‬الصادرة‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬جميعها‭ ‬تشير،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬يدها‭ ‬على‭ ‬الزناد‮»‬،‭ ‬وأنّ‭ ‬الحرب‭ ‬إذا‭ ‬اندلعت‭ ‬فستكون،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬على‭ ‬الردّ‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬إطلاق‭ ‬النيران‭ ‬وإنما‭ ‬ستمتدّ‭ ‬لتشمل‭ ‬جميع‭ ‬القواعد‭ ‬والمصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭  ‬ويفسّر‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬تواجهه‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬كافة‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬المهمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للقواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المقامة‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬تتعرّض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أخطار‭ ‬خارجية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بدليل‭ ‬أنّ‭ ‬مجرّد‭ ‬وجودها‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬كان‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬جلب‭ ‬الأخطار‭ ‬لها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬دفعها‭ ‬عنها‭.‬

ورغم‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬للدول‭ ‬المضيفة‭ ‬للقواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬تستخلصه‭ ‬مما‭ ‬يجري‭ ‬حالياً‭. ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬عبّرت‭ ‬علناً‭ ‬عن‭ ‬مواقفها‭ ‬الرافضة‭ ‬لشنّ‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬وقام‭ ‬بعضها‭ ‬ببذل‭ ‬مساعٍ‭ ‬حميدة‭ ‬لحثّ‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬تجنّب‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬والتوصّل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬للخلافات‭ ‬معها‭ ‬بالطرق‭ ‬السلمية،‭ ‬وربما‭ ‬بلفت‭ ‬نظره‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إليه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬تعرّض‭ ‬مصالحها‭ ‬للخطر،‭ ‬لكنّ‭ ‬ترامب‭ ‬لم‭ ‬يأبه‭ ‬لأيّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحذيرات‭ ‬أو‭ ‬المناشدات‭ ‬وقام‭ ‬بشنّ‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬سوى‭ ‬مصالح‭ ‬نتنياهو‭ ‬وحده،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬يقيم‭ ‬أيّ‭ ‬وزن‭ ‬لمصالح‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬التي‭ ‬تتظاهر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بأنها‭ ‬حليفة‭ ‬لها،‭ ‬بل‭ ‬ويبدو‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬تامّ‭ ‬للتضحية‭ ‬بمصالح‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وبمصالح‭ ‬حكّامها‭ ‬أيضاً‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لإرضاء‭ ‬نتنياهو،‭ ‬حليفه‭ ‬الحقيقي‭ ‬والوحيد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬المأزق‭ ‬الراهن‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬مأزق‭ ‬عامّ‭ ‬تواجهه‭ ‬جميع‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السياسات‭ ‬التوسعية‭ ‬لكيان‭ ‬عنصري‭ ‬متوحّش‭ ‬لم‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عامين‭ ‬متواصلين‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا