العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

النظام الدولي وتأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

بقلم: رجب أبو سرية {

الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬المحللين‭ ‬السياسيين‭ ‬الإستراتيجيين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬المركز‭ ‬منه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬سيعيش‭ ‬عشرية‭ ‬قادمة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬استقرار،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬اهتزاز‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يؤكد‭ ‬شكله‭ ‬أو‭ ‬طبيعته‭ ‬التي‭ ‬سيكون‭ ‬عليها،‭ ‬وذلك‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بمآل‭ ‬ونتيجة‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬حالياً،‭ ‬والذي‭ ‬سيستمر‭ ‬على‭ ‬الأغلب‭ ‬خلال‭ ‬السنين‭ ‬القادمة،‭ ‬بشكل‭ ‬تصاعدي‭ ‬على‭ ‬الأرجح،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬سيبقى‭ ‬قائماً،‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجال،‭ ‬مترافقاً‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬بتسخين‭ ‬عسكري،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تكهن‭ ‬المدى‭ ‬الذي‭ ‬سيصل‭ ‬إليه،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وفي‭ ‬السماء‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬متعددة،‭ ‬النووي‭ ‬منها‭ ‬يمكن‭ ‬لبعضه‭ ‬أن‭ ‬يدمر‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬بالكامل،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية‭ ‬بيد‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ما‭ ‬كان‭ ‬يتنبأ‭ ‬به‭ ‬إذا‭ ‬بعض‭ ‬القادة‭ ‬ذوي‭ ‬النظرة‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬أشبه‭ ‬بالأمنيات،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬أمراً‭ ‬مجمعاً‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الأمريكي‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬يتهاوى،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬حنق‭ ‬أمريكا‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬كونها‭ ‬الزعيم‭ ‬الأوحد‭ ‬للعالم،‭ ‬المتحكم‭ ‬بقيادته،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبذل‭ ‬شعبها‭ ‬العرق‭ ‬والجهد‭ ‬لجني‭ ‬المال،‭ ‬الذي‭ ‬ظلت‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المكانة،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استثمار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتماد‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬تحويل‭ ‬عالمية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنتاج‭ ‬‮«‬الهايتك‮»‬‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬وبرامج‭ ‬الاتصالات،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اعتمدت‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وألمانيا‭ ‬أولاً‭ ‬على‭ ‬التصنيع‭ ‬الكهربائي‭ ‬لتحقق‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ودول‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬ثرواتها‭ ‬الطبيعية‭ ‬مثل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬أيدي‭ ‬عمالها‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وما‭ ‬منحتها‭ ‬إياه‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬معادن‭ ‬نادرة‭ ‬وثمينة،‭ ‬باتت‭ ‬كذلك‭ ‬مع‭ ‬تقدم‭ ‬التصنيع‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وغيرها‭.‬‮ ‬

وكما‭ ‬يحدث‭ ‬دائماً‭ ‬يقع‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬قديم،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬محاولتها‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬قديماً،‭ ‬تضع‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬كعدو‭ ‬عالمي،‭ ‬لذا‭ ‬فإنها‭ ‬دخلت‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬اقتصادي‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬والغريب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬ذات‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الثنائي‭ ‬داخلياً،‭ ‬أي‭ ‬المحكوم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حزبين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما،‭ ‬قد‭ ‬أفصحت‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬خلال‭ ‬ولايتَي‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي،‭ ‬الشعبوي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬ترامب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬حربه‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ضد‭ ‬الصين،‭ ‬وللصدفة‭ ‬أيضاً‭ ‬ترافق‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تنصله‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬5‭+‬1‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬الذي‭ ‬أبرمه‭ ‬سلفه‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬2015‭.‬

والأكثر‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الحزبين‭ ‬الأمريكيَّين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ناما‭ ‬نحو‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مطلع‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ومنتصف‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬يعتقدان‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نظامهم‭ ‬العالمي‭ ‬الحالي‭ ‬بضربة‭ ‬واحدة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القيام‭ ‬بعملية‭ ‬عسكرية‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬فمن‭ ‬يخسر‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬المنافسة‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬العام،‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬قانون‭ ‬التنافس‭ ‬الحر،‭ ‬مستنداً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬قوة،‭ ‬وهكذا‭ ‬وجدت‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها،‭ ‬أول‭ ‬وأسوأ‭ ‬من‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬60‭ ‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬تابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬سواء‭ ‬بالنشوز‭ ‬مقابل‭ ‬الأغلبية‭ ‬العالمية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التصويتات‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ضد‭ ‬قرارات‭ ‬ومشاريع‭ ‬قرارات‭ ‬عديدة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬السيادة‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬بالتهديد‭ ‬بالقوة‭ ‬ثم‭ ‬باستخدام‭ ‬القوة‭ ‬فعلاً‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬ضرباً‭ ‬بحائط‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬أمريكا‭ ‬طول‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬ضدها‭ ‬انحيازاً‭ ‬لدولة‭ ‬مارقة‭ ‬عالمياً‭ ‬وخارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬وهي‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخروج‭ ‬الصريح‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬يمارسه‭ ‬ترامب‭ ‬حالياً‭ ‬بشكل‭ ‬صارخ‭ ‬وواضح،‭ ‬وباستخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬العرف‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والقانوني،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬بإطلاق‭ ‬حرب‭ ‬التعرفة‭ ‬الجمركية‭ ‬دون‭ ‬الالتزام‭ ‬بقانون‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬المحاكم‭ ‬الدولية‭ ‬لإصدارها‭ ‬مذكرات‭ ‬الاستدعاء‭ ‬بحق‭ ‬مجرم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭.‬

ويحدث‭ ‬هذا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬أمريكا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظامها‭ ‬العالمي‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬بهذه‭ ‬الدرجة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬المتمثل‭ ‬بالأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنظماتها،‭ ‬فأمريكا‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬بعد‭ ‬قرار‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أجاز‭ ‬لها‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وحرصت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تشرك‭ ‬معها‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬حروبها‭ ‬التالية،‭ ‬وكانت‭ ‬حربها‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬مفهومة‭ ‬دولياً‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬إقدام‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬ملجأ‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬على‭ ‬مهاجمة‭ ‬برجَي‭ ‬مركز‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭ ‬‮«‬التوأمين‮»‬‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬أما‭ ‬مهاجمة‭ ‬إيران‭ ‬والشراكة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وحتى‭ ‬مواجهة‭ ‬الحوثي‭ ‬عسكرياً،‭ ‬فكل‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬واستجابة‭ ‬للنفوذ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الكونجرس‭ ‬والبيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬سطوة‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الأيباك‮»‬‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الأمريكي‭ ‬المختلط‭ ‬بين‭ ‬الرئاسي‭ ‬حيث‭ ‬صلاحيات‭ ‬الرئيس‭ ‬الواسعة،‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬الكونجرس‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصلاحيات‭ ‬فيما‭ ‬ينص‭ ‬عليه‭ ‬الدستور‭.‬‮ ‬

اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عامين‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬أمريكا‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ ‬سياسياً‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬العالم،‭ ‬وعبر‭ ‬مدها‭ ‬بالسلاح‭ ‬المتنوع‭ ‬من‭ ‬الذخيرة‭ ‬والدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬والأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬ضد‭ ‬الحوثي‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ثم‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬وحالياً‭.‬

والآن‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬بالضربة‭ ‬القاضية‭ ‬هو‭ ‬وهم،‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحروب‭ ‬الاستعمارية‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬تحتل‭ ‬دولاً‭ ‬بالكامل،‭ ‬وبعد‭ ‬احتلالها‭ ‬كانت‭ ‬تواجه‭ ‬مقاومة‭ ‬أجبرتها‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭.‬

كذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬اليوم‭: ‬إن‭ ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬مركزَي‭ ‬القوة،‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬كليهما،‭ ‬وهذا‭ ‬سيدفع‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بقوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬دون‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬العكس،‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬القوة‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬ينقصها‭ ‬أو‭ ‬تجد‭ ‬فيه‭ ‬ضعفاً،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭ ‬قد‭ ‬أجبرت‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وهو‭ ‬مشعلها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬أهدافه‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬وإيران،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بتشكيل‭ ‬محور‭ ‬مناوئ‭ ‬لكل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬والذهاب‭ ‬للتحالف‭ ‬مع‭ ‬الهند،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيتسبب‭ ‬في‭ ‬اصطفافات‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى‭.‬

ونتنياهو‭ ‬الذي‭ ‬توافق‭ ‬مع‭ ‬التقدير‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تخطط‭ ‬للاستغناء‭ ‬عن‭ ‬أمريكا‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‮»‬،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وعلى‭ ‬أداة‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخططه‭ ‬للسيطرة‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬الصهيونية‭ ‬الدينية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الصهيونية‭ ‬الليبرالية‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهو‭ ‬بإصراره‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عداء‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬العربي‭ ‬–‭ ‬الإسلامي،‭ ‬يعتبر‭ ‬بذلك‭ ‬عقب‭ ‬آخيل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وعقب‭ ‬آخيل‭ ‬أمريكا‭ ‬بجرّه‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خدعه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬أولاً‭ ‬بإقناعه‭ ‬بأن‭ ‬قصف‭ ‬مفاعل‭ ‬فوردو‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬يكفي‭ ‬لتبديد‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني،‭ ‬ثم‭ ‬بأن‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬رتب‭ ‬لها‭ ‬‮«‬الموساد‮»‬‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬ستسقط‭ ‬النظام،‭ ‬ثم‭ ‬الآن‭ ‬بأن‭ ‬اغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬هدف‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تمارس‭ ‬الاغتيالات‭ ‬منذ‭ ‬ثمانين‭ ‬سنة،‭ ‬وسبق‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬اغتالت‭ ‬قادة‭ ‬وعلماء‭ ‬إيرانيين،‭ ‬ولم‭ ‬تحقق‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أهداف،‭ ‬بينما‭ ‬إيران‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬نسبة‭ ‬التخصيب‭ ‬إلى‭ ‬60‭%‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تنصّل‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬والحرب‭ ‬الآن‭ ‬بإغلاقها‭ ‬ملف‭ ‬التفاوض‭ ‬تمنحها‭ ‬الوقت‭ ‬والمبرر‭ ‬لصنع‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭. ‬

بينما‭ ‬يأخذ‭ ‬نتنياهو‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬مغامرة‭ ‬خطرة‭ ‬للغاية،‭ ‬ويدخلها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬عنه‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬تحالفه‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬واليونان،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فيما‭ ‬يؤدي‭ ‬انخراط‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬بالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬حديقتها‭ ‬الخلفية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬والوسطى‭ ‬وحتى‭ ‬كندا،‭ ‬لترتيب‭ ‬أمورها‭ ‬بمعزل‭ ‬عنها،‭ ‬هذا‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬ترتيب‭ ‬أمورها‭ ‬بمفردها،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬مؤخراً‭ ‬مرحلة‭ ‬فك‭ ‬الشراكة‭ ‬حتى‭ ‬الأمنية‭ ‬منها‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا