الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
عن الولاء للوطن والشجاعة المزيفة
سأبدأ المقال بواقعة حقيقية حدثت أمامي السبت الماضي.. فبعد أن أنهى المؤذن أذان الظهر في أحد المساجد، كانت صفارات الإنذار تطلق نداءها على الهواتف وفي الشارع بوجود خطر ما.. فطلب بعض المصلين من المؤذن أن يقيم الصلاة، فالوضع استثنائي وسلامة الناس أولى من التوقيت المحدد، فأقيمت الصلاة.. وحينما أنهى الإمام الصلاة، غضب بعض الأشخاص الذين وصلوا متأخرين ولم يلحقوا بالصلاة، ونادوا بأعلى صوتهم إمام المسجد، لماذا لم تلتزم بالتوقيت؟ فرد عليهم إمام المسجد: لقد طلب مني المصلون أن أقيم الصلاة، والوضع يستوجب سلامة الناس، فما كان من أحدهم إلا وأن قال: لا بد من الالتزام بالوقت، ومن يخاف من صفارة الإنذار لا يأتي إلى المسجد..!!
لم أرد أن أدخل في جدال مع أحد، وخرجت مسرعا إلى البيت، فهذا الوقت ليس وقت «عنتريات» وافتعال للشجاعة المصطنعة، وهناك تعليمات واضحة من الجهات المعنية في الدولة في التعامل مع هذه الظروف.. وقد تذكرت حكاية الفارس العربي «عنترة بن شداد».. فقد قيل ذات يوم إن عنترة بن شداد هرب من ثور هائج.. فسأله الناس: أين شجاعتك؟ أتخاف من ثور وأنت عنترة؟ فقال لهم: وما يُدري الثور أني عنترة؟.. ولذلك نقول: وما يدرى الصاروخ أو الشظايا أو الطائرة «المسيرة» بأنك شجاع وبطل الأبطال وعنتر زمانه.. فهي تقصف وتقتل ولا تبالي بأحد.
وفي خضم الوضع القائم، وأمام استمرار الاعتداء الغاشم الذي تعرضت له البلاد والدول الشقيقة من إيران، لا بد من الالتزام بتعليمات الجهات المختصة، ومساعدتها في القيام بواجباتها ومسؤولياتها، لحفظ الوطن والمواطنين والمقيمين، والمنشآت والممتلكات.
وحسنا فعلت إدارة الأوقاف في إصدار التوجيه لأئمة المساجد بتقليل وقت انتظار الصلاة، وعدم الإطالة في صلاة التراويح، من أجل مراعاة ظروف الناس خلال الوضع الذي نشهده جميعا، وعدم التسبب في وقوع أي أمر سيئ لا سمح الله.. فليست الشجاعة أن أصلي تحت أصوات الصواريخ وسماع صفارات الإنذار، ومن لا يعرف التوجيهات الشرعية ومبادئ الفقه الإسلامي عليه أن يقرأها ويراجع عقله، ولا يلقي نفسه والآخرين في التهلكة.
ذات الأمر، ينطبق كذلك على «الفئة والأصوات النشاز» التي فرحت بالهجمات الصاروخية الإيرانية الآثمة التي تعرضت لها البلاد والدول الشقيقة، وفق حجج خاطئة ومغلوطة، وهي فئة تمثل نفسها غاب عنها معنى الولاء الصادق ومفهوم الانتماء المخلص، ومصلحة الوطن التي هي فوق كل اعتبار وانتماء آخر.
فليست الشجاعة أن أفرح بالاعتداء على وطني، وتهديد أمنه، وترويع المواطنين والمقيمين.. فمن يفرح بجرح وطنه لا يستحق ظله.. وكما قيل ((أخسر ما تشاء، ولكن إياك أن تخسر وطنا عشت فيه بكرامة، وشعرت فيه بالأمن والأمان، فالأوطان كأحضان الأمهات لا تعوض أبدا، وخيانة الوطن أشد فتكا من العدو)).
في مثل هذه الأوضاع، يجب أن يكون اسم «مملكة البحرين» هو الأسمى والأعلى فوق كل انتماء وشعور وتفكير، وأن تكون مساندة رجالنا البواسل في كل موقع هو الثقافة السائدة، وأن يكون خطاب ومسجات ورسائل الثقة بالدولة، والتهدئة وبث الاطمئنان وعدم بث الشائعات والمعلومات المضللة هو الخطاب الإعلامي اللازم والواجب معا.
في هذه الظروف، وفي كل الأحوال، مرفوض رفضا باتا أن نسمع صوتا آخر غير صوت الوطن، ولا يرفع علم ولا صورة سوى للوطن ورموزه، ولا يأتي أحد بممارسات و«هتافات» تؤيد وتساند وتتعاطف مع من أضر بالوطن واعتدى عليه.
الوضع اليوم، يستوجب إعلاء الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة الحكيمة والتلاحم المجتمعي، والابتعاد عن أي خطابات، وكافة أشكال التعاطف مع من عرض البلاد والعباد للخطر والاعتداء السافر.. وما قامت وتقوم به تلك «الفئة والأصوات النشاز» لا يقبله دين وعقل، وبعيد كل البعد عن الولاء الصادق والشجاعة الحقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك