في مقال رائع للفيلسوف الألماني هيجل نشره في إحدى الصحف عام 1807 تحت عنوان «من الذي يفكر تفكيرًا تجريديًا؟» يوضح فيه الفارق بين من يراه مثقفًا حقيقيًا ومن لا يعده كذلك. فيقول: «تخيل شابًا وسيمًا متهمًا بجريمة قتل يساق إلى المقصلة وسط جمع غفير من الناس. هذا الشاب في نظر عامة الناس لا يُرى إلا بوصفه قاتلًا أي أنهم يركزون على صفة واحدة فقط فيه وينسون بقية الجوانب العديدة التي تكوّن شخصيته.
فالناس لا يفكرون في ماضيه ولا في تربيته ولا في طبيعة علاقته بوالديه وأصدقائه ولا فيما واجهه في حياته من مشاق وصعوبات، إنهم يختزلونه في كلمة واحدة (قاتل) أي أنهم يحصرونه في صفة واحدة وكأن هذه الصفة تشكل حياته كلها.
ستجد بينهم أيضا نساء لا يرين فيه إلا وسامته ويتحسرن على ضياعها تحت المقصلة. كما ستجد في هذا الجمع شيوخًا من المحافظين يصيحون تشفيًا فيه: (إنه شاب رقيع يستحق الإعدام جزاء ما فعله!) وتسمع شخصًا ثالثًا يقول (إن هذا الشاب ضحية للحظ العاثر!) ورابعًا يستنكر الحكم بإعدامه.
إن كل حكم من هذه الأحكام يحمل شيئًا مما يراه حقيقيًّا شخص أو نفر من الناس، وكلها أحكام ناقصة لأن كلًّا منها ينصب على جانب واحد فقط ويهمل الجوانب الأخرى لشخصيته. كل هؤلاء يفكرون بنفس الطريقة الاختزالية فهم يشطرون الواقع إلى أجزاء معزولة بحيث لا يرى كل منهم سوى جزء واحد منها يختزله في كلمة واحدة.
إن دراسة حياة المجرم ـ والكلام لهيجل ـ ينبغي أن تكون دراسة عميقة تقتضي البحث في طفولته، وعلاقته بوالديه، والظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت به وأثرت في شخصيته؛ فكل هذا يمنحنا فهمًا أوسع لها.
صحيح أن مثل هذه الدراسة لا تمكننا من الإلمام بكل الأسباب، لأن سلوك الإنسان يتأثر بعوامل كثيرة ومعقدة، ومع ذلك فإن محاولة فهم الدوافع الداخلية العميقة للشخص، أي فهم ما كان يشعر به ويفكر فيه سيكون فهمًا أعمق وأشمل من مجرد النظر إلى العوامل الخارجية والاكتفاء بمجرد حكم جزئي سريع عليه.
يسمي هيجل هذا النوع من التفكير (تفكيرًا تجريديًّا) بمعني أنه يختزل الواقع في جانب واحد منه ويبسطه في كلمة واحدة. ويرى هيجل أن من يمارس هذا الضرب من التفكير التجريدي ليس هو الإنسان المثقف كما قد نعتقد، بل هو الإنسان البسيط أو غير المتعلم. ولمزيد من الإيضاح يسوق هيجل مثالًا آخر فيقول: عندما يشير سيد إلى شخص ما ويقول عنه: «هذا خادمي»؛ إنه بذلك يختزله في وظيفته فقط. صحيح أنه خادم، لكنه في الوقت نفسه إنسان يمتلك عقلًا وقدرة على التفكير، وربما يفوق سيده نفسه ذكاء.
نفس الأمر عندما نجد جنديًا يعامَل بعنف وقسوة لأنه اعتبر مسبقًا «شخصًا وضيعًا». فبمجرد نعته بهذا الوصف، يصبح في نظر الآخرين مستحقًا لما يتعرض له من معاملة قاسية، حتى لو لم يرتكب أي ذنب. ومن ثم يتحوّل التجريد إلى عنف حقيقي لأننا عندما نختزل الإنسان في صفة واحدة فإننا نبرر لأنفسنا معاملته بطريقة غير إنسانية. خلاصة فكرة هيجل هي أن هذا النوع من التفكير التجريدي ليس علامة على عمق الفكر، بل على سطحيته وضحالته. لأن الفهم الحقيقي للإنسان يتطلب رؤية الجوانب المتعددة لشخصيته، وعدم اختزاله في وصف واحد فقط.
والواقع أن التحليل الذي أوضحه هيجل للتفكير التجريدي يكشف لنا عن ملامح القصور الذي يعتور أحكام الإنسان على الواقع عندما لا يرى فيه إلا جانبًا واحدًا من دون النظر إليه في كليته للتعرف على جوانبه الأخرى وتفصيلاتها الدقيقة.
وهناك أمثلة حية لما يقوله هيجل في واقعنا المعاصر. فثمة رأي شائع مثلًا يرد أسباب تخلف الدول العربية بالمقارنة مع ما حققته دول أخرى في ابتعاده عن تراث الأقدمين ومبادئ الدين ورأي آخر يختزل أسباب التخلف في خضوعها للاستعمار الأجنبي فترة طويلة ورأي ثالث يردها إلى ضعف الممارسات الديمقراطية في الواقع العربي.
وقد يري مسؤول ما أن مشكلة التنمية يتركز حلها في الاهتمام الرئيسي بقطاعي البناء والاستثمار الأجنبي من أجل تحقيق التقدم والرفاهية للمجتمع بينما تكون هناك قطاعات أخري تفوقهما أهمية وأولوية كالتعليم والصحة على سبيل المثال.
وقد يطلق مؤرخ حكمًا على عصر تاريخي معين استنادًا إلى قصر رؤيته له على قيم معينة من دون اعتبار لقيم أخرى قد تكون أكثر أهمية وتأثيرًا في طبيعة الحكم عليه ومن ثم يكون حكمه تجريديًا قاصرًا بالمفهوم الهيجلي.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
{ بكلية الآداب جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك