العدد : ١٧٥٠٩ - الأحد ٠١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٩ - الأحد ٠١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

نحو فهم أعمق لواقع المجتمع العربي

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الأحد ٠١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬رائع‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬هيجل‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الصحف‭ ‬عام‭ ‬1807‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬من‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬تفكيرًا‭ ‬تجريديًا؟‮»‬‭ ‬يوضح‭ ‬فيه‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬مثقفًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يعده‭ ‬كذلك‭. ‬فيقول‭: ‬‮«‬تخيل‭ ‬شابًا‭ ‬وسيمًا‭ ‬متهمًا‭ ‬بجريمة‭ ‬قتل‭ ‬يساق‭ ‬إلى‭ ‬المقصلة‭ ‬وسط‭ ‬جمع‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬الناس‭. ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬إلا‭ ‬بوصفه‭ ‬قاتلًا‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬يركزون‭ ‬على‭ ‬صفة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬فيه‭ ‬وينسون‭ ‬بقية‭ ‬الجوانب‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬تكوّن‭ ‬شخصيته‭. ‬

فالناس‭ ‬لا‭ ‬يفكرون‭ ‬في‭ ‬ماضيه‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تربيته‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬علاقته‭ ‬بوالديه‭ ‬وأصدقائه‭ ‬ولا‭ ‬فيما‭ ‬واجهه‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬مشاق‭ ‬وصعوبات،‭ ‬إنهم‭ ‬يختزلونه‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ (‬قاتل‭) ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬يحصرونه‭ ‬في‭ ‬صفة‭ ‬واحدة‭ ‬وكأن‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬تشكل‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭. ‬

ستجد‭ ‬بينهم‭ ‬أيضا‭ ‬نساء‭ ‬لا‭ ‬يرين‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬وسامته‭ ‬ويتحسرن‭ ‬على‭ ‬ضياعها‭ ‬تحت‭ ‬المقصلة‭. ‬كما‭ ‬ستجد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجمع‭ ‬شيوخًا‭ ‬من‭ ‬المحافظين‭ ‬يصيحون‭ ‬تشفيًا‭ ‬فيه‭: (‬إنه‭ ‬شاب‭ ‬رقيع‭ ‬يستحق‭ ‬الإعدام‭ ‬جزاء‭ ‬ما‭ ‬فعله‭!) ‬وتسمع‭ ‬شخصًا‭ ‬ثالثًا‭ ‬يقول‭ (‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬ضحية‭ ‬للحظ‭ ‬العاثر‭!) ‬ورابعًا‭ ‬يستنكر‭ ‬الحكم‭ ‬بإعدامه‭.‬

إن‭ ‬كل‭ ‬حكم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬يحمل‭ ‬شيئًا‭ ‬مما‭ ‬يراه‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬نفر‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬وكلها‭ ‬أحكام‭ ‬ناقصة‭ ‬لأن‭ ‬كلًّا‭ ‬منها‭ ‬ينصب‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬ويهمل‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى‭ ‬لشخصيته‭. ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يفكرون‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬الاختزالية‭ ‬فهم‭ ‬يشطرون‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬أجزاء‭ ‬معزولة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬يختزله‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭.‬

إن‭ ‬دراسة‭ ‬حياة‭ ‬المجرم‭ ‬ـ‭ ‬والكلام‭ ‬لهيجل‭ ‬ـ‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دراسة‭ ‬عميقة‭ ‬تقتضي‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬طفولته،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بوالديه،‭ ‬والظروف‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬به‭ ‬وأثرت‭ ‬في‭ ‬شخصيته؛‭ ‬فكل‭ ‬هذا‭ ‬يمنحنا‭ ‬فهمًا‭ ‬أوسع‭ ‬لها‭. ‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬لا‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬الإلمام‭ ‬بكل‭ ‬الأسباب،‭ ‬لأن‭ ‬سلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬يتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬الدوافع‭ ‬الداخلية‭ ‬العميقة‭ ‬للشخص،‭ ‬أي‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬ويفكر‭ ‬فيه‭ ‬سيكون‭ ‬فهمًا‭ ‬أعمق‭ ‬وأشمل‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بمجرد‭ ‬حكم‭ ‬جزئي‭ ‬سريع‭ ‬عليه‭. ‬

يسمي‭ ‬هيجل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ (‬تفكيرًا‭ ‬تجريديًّا‭) ‬بمعني‭ ‬أنه‭ ‬يختزل‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬منه‭ ‬ويبسطه‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭. ‬ويرى‭ ‬هيجل‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يمارس‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬التجريدي‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬المثقف‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬نعتقد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المتعلم‭. ‬ولمزيد‭ ‬من‭ ‬الإيضاح‭ ‬يسوق‭ ‬هيجل‭ ‬مثالًا‭ ‬آخر‭ ‬فيقول‭: ‬عندما‭ ‬يشير‭ ‬سيد‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬ويقول‭ ‬عنه‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬خادمي‮»‬؛‭ ‬إنه‭ ‬بذلك‭ ‬يختزله‭ ‬في‭ ‬وظيفته‭ ‬فقط‭. ‬صحيح‭ ‬أنه‭ ‬خادم،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إنسان‭ ‬يمتلك‭ ‬عقلًا‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير،‭ ‬وربما‭ ‬يفوق‭ ‬سيده‭ ‬نفسه‭ ‬ذكاء‭.‬

‭ ‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬عندما‭ ‬نجد‭ ‬جنديًا‭ ‬يعامَل‭ ‬بعنف‭ ‬وقسوة‭ ‬لأنه‭ ‬اعتبر‭ ‬مسبقًا‭ ‬‮«‬شخصًا‭ ‬وضيعًا‮»‬‭. ‬فبمجرد‭ ‬نعته‭ ‬بهذا‭ ‬الوصف،‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الآخرين‭ ‬مستحقًا‭ ‬لما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬معاملة‭ ‬قاسية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يرتكب‭ ‬أي‭ ‬ذنب‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتحوّل‭ ‬التجريد‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬حقيقي‭ ‬لأننا‭ ‬عندما‭ ‬نختزل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬صفة‭ ‬واحدة‭ ‬فإننا‭ ‬نبرر‭ ‬لأنفسنا‭ ‬معاملته‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬إنسانية‭. ‬خلاصة‭ ‬فكرة‭ ‬هيجل‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬التجريدي‭ ‬ليس‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬الفكر،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬سطحيته‭ ‬وضحالته‭. ‬لأن‭ ‬الفهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للإنسان‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬الجوانب‭ ‬المتعددة‭ ‬لشخصيته،‭ ‬وعدم‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬التحليل‭ ‬الذي‭ ‬أوضحه‭ ‬هيجل‭ ‬للتفكير‭ ‬التجريدي‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬القصور‭ ‬الذي‭ ‬يعتور‭ ‬أحكام‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬جانبًا‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬كليته‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬جوانبه‭ ‬الأخرى‭ ‬وتفصيلاتها‭ ‬الدقيقة‭. ‬

وهناك‭ ‬أمثلة‭ ‬حية‭ ‬لما‭ ‬يقوله‭ ‬هيجل‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬المعاصر‭. ‬فثمة‭ ‬رأي‭ ‬شائع‭ ‬مثلًا‭ ‬يرد‭ ‬أسباب‭ ‬تخلف‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ابتعاده‭ ‬عن‭ ‬تراث‭ ‬الأقدمين‭ ‬ومبادئ‭ ‬الدين‭ ‬ورأي‭ ‬آخر‭ ‬يختزل‭ ‬أسباب‭ ‬التخلف‭ ‬في‭ ‬خضوعها‭ ‬للاستعمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬ورأي‭ ‬ثالث‭ ‬يردها‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الممارسات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭.‬

وقد‭ ‬يري‭ ‬مسؤول‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬مشكلة‭ ‬التنمية‭ ‬يتركز‭ ‬حلها‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬الرئيسي‭ ‬بقطاعي‭ ‬البناء‭ ‬والاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬والرفاهية‭ ‬للمجتمع‭ ‬بينما‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬قطاعات‭ ‬أخري‭ ‬تفوقهما‭ ‬أهمية‭ ‬وأولوية‭ ‬كالتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭.‬

وقد‭ ‬يطلق‭ ‬مؤرخ‭ ‬حكمًا‭ ‬على‭ ‬عصر‭ ‬تاريخي‭ ‬معين‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬رؤيته‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬لقيم‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يكون‭ ‬حكمه‭ ‬تجريديًا‭ ‬قاصرًا‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الهيجلي‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭  ‬

{‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا