العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مواقف جيسي جاكسون المؤيدة لأقليات أمريكا

بقلم: د. جيمس زغبي

السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

كان‭ ‬القس‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون،‭ ‬الذي‭ ‬وافته‭ ‬المنية‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أيام،‭ ‬شخصية‭ ‬بارزة‭ ‬تركت‭ ‬بصمة‭ ‬واضحة‭ ‬بما‭ ‬قدمته‭ ‬من‭ ‬إسهامات‭ ‬كبيرة‭ ‬للحياة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬فقد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬ملايين‭ ‬الناخبين،‭ ‬ممهداً‭ ‬بذلك‭ ‬الطريق‭ ‬لزيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬كما‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬لزيادة‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إفريقي،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬السوداء‭.‬

وباعتباره‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الشاب‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬السود‭ ‬الذين‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬رؤية‭ ‬وأجندة‭ ‬الرجل‭ ‬مربع‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬لتجعل‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬حركات‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتحرر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التيار‭ ‬الرئيسي‭ ‬للسياسة‭ ‬الأمريكية‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬كان‭ ‬القس‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أول‭ ‬زعيم‭ ‬سياسي‭ ‬أمريكي‭ ‬يعترف‭ ‬بمجتمعي‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬العرب‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬إدماجه‭ ‬في‭ ‬حركته،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬اهتماماتنا‭ ‬بالسياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬

بدأتُ‭ ‬شخصيا‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬القس‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬تواصل‭ ‬معي‭ ‬موظفوه‭ ‬لمناقشة‭ ‬خططه‭ ‬لزيارة‭ ‬فلسطين‭/‬إسرائيل‭ ‬للاطلاع‭ ‬بنفسه‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭. ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬المظالم‭ ‬التي‭ ‬شاهدها‭ ‬أثراً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬ملتزماً‭ ‬مؤمنا‭ ‬بضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬معالجة‭ ‬مركزية‭ ‬للحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لتحقيق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬عندما‭ ‬أُقيل‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬آنذاك‭ ‬لدى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أندرو‭ ‬يونغ،‭ ‬من‭ ‬منصبه‭ ‬بسبب‭ ‬حديثه‭ ‬مع‭ ‬ممثل‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لدى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬استشاط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬السود‭ ‬غضبا،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬كون‭ ‬السيد‭ ‬يونغ‭ ‬زميلاً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬قبول‭ ‬التزام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بسياسة‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬الحوار‮»‬‭ ‬مع‭ ‬القادة‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

لذلك‭ ‬فقد‭ ‬عبر‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون‭ ‬عن‭ ‬عزمه‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بزيارة‭ ‬للعاصمة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بيروت‭ ‬للقاء‭ ‬رئيس‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ ‬وإثبات‭ ‬أن‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬عدم‭ ‬الحوار‭ ‬ليست‭ ‬سياسة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‮»‬‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1983،‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬خلال‭ ‬حفل‭ ‬عشاء‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬ترك‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أفعله‭ ‬والانضمام‭ ‬إلى‭ ‬حملته‭ ‬الرئاسية‭. ‬يومها‭ ‬أجبته‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬أقوم‭ ‬بتنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬مجتمعي‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬الأمريكيين‭ ‬منذ‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬ولست‭ ‬متأكدًا‭ ‬من‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬ما‭ ‬أفعله‮»‬‭. ‬عندها‭ ‬قال‭ ‬لي‭: ‬‮«‬ستقدم‭ ‬لمجتمعك‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأربعة‭ ‬المقبلة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬قدمته‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬الماضية‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬محقًا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

وحتى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمريكيون‭ ‬العرب‭ ‬موضع‭ ‬ترحيب‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كمجموعة‭ ‬عرقية،‭ ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬دعمنا‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الفلسطيني‭. ‬فقد‭ ‬رفض‭ ‬المرشحون‭ ‬مساهماتنا‭ ‬وتأييدنا،‭ ‬ولم‭ ‬تضم‭ ‬أي‭ ‬حملة‭ ‬انتخابية‭ ‬لجنةً‭ ‬أمريكيةً‭ ‬عربية،‭ ‬ولم‭ ‬يطرح‭ ‬أي‭ ‬مرشح‭ ‬القضايا‭ ‬الملحة‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬مجتمعنا‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

غيَّر‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬وكان‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الأمريكيين‭ ‬العرب‭ ‬مذهلا‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬فقد‭ ‬تأثرنا‭ ‬نحن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬العرب‭ ‬بشدة‭ ‬بالحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬لعام‭ ‬1984‭ ‬لدرجة‭ ‬أننا‭ ‬بادرنا‭ ‬بعدها‭ ‬بتأسيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬تعلمناها‭: ‬والمتصلة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬تسجيل‭ ‬الناخبين،‭ ‬وتشجيع‭ ‬مشاركة‭ ‬المرشحين،‭ ‬وأهمية‭ ‬إيصال‭ ‬همومنا‭ ‬إلى‭ ‬الساحة‭ ‬الانتخابية‭ ‬وإبراز‭ ‬قضايانا‭.‬

وبفضل‭ ‬تلك‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬الراحل‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون‭ ‬في‭ ‬إتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬فلسطين،‭ ‬قمنا‭ ‬بتشكيل‭ ‬تحالفات‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الرئاسية‭ ‬لعام‭ ‬1988،‭ ‬وأمكننا‭ ‬انتخاب‭ ‬عدد‭ ‬قياسي‭ ‬من‭ ‬المندوبين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وشكلنا‭ ‬تحالفات‭ ‬مع‭ ‬مندوبين‭ ‬من‭ ‬السود‭ ‬واللاتينيين‭ ‬واليهود‭ ‬التقدميين‭ ‬وغيرهم‭.‬

لقد‭ ‬أصدرنا‭ ‬قرارات‭ ‬تدعم‭ ‬حقوق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬عشرة‭ ‬مؤتمرات‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الولايات،‭ ‬وفي‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬أتلانتا،‭ ‬حصلنا‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬المندوبين‭ ‬للمطالبة‭ ‬ببند‭ ‬خاص‭ ‬بالأقلية‭ ‬يتعلق‭ ‬بحقوق‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬أن‭ ‬نوقشت‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭. ‬وفي‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬حملة‭ ‬المرشح‭ ‬الأوفر‭ ‬حظاً‭ ‬مايكل‭ ‬دوكاكيس،‭ ‬أصرّوا‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬إثارة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭.‬

يومها‭ ‬قالت‭ ‬مادلين‭ ‬أولبرايت،‭ ‬ممثلة‭ ‬فريق‭ ‬المرشح‭ ‬مايكل‭ ‬دوكاكيس،‭ ‬إنه‭ ‬إذا‭ ‬ذُكرت‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬فلسطين‮»‬‭ ‬في‭ ‬المؤتمر،‭ ‬‮«‬فستنفجر‭ ‬الأمور‮»‬،‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭ ‬ألا‭ ‬يتصرفوا‭ ‬بجبنٍ‭ ‬معنا،‭ ‬وأصررت‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬مناقشة‭ ‬الموضوع‭.‬

لقد‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬أن‭ ‬ألقي‭ ‬بيانا‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬المؤتمر،‭ ‬وقد‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك،‭ ‬وكانت‭ ‬بالفعل‭ ‬تجربة‭ ‬رائعة‭ ‬أن‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬مخاطبة‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الاعتراف‭ ‬المتبادل،‭ ‬والتسوية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وحق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬والفلسطينيين‮»‬‭.‬

سبق‭ ‬خطابي‭ ‬مظاهرة‭ ‬حاشدة‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬مندوب،‭ ‬حاملين‭ ‬لافتات‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وحل‭ ‬الدولتين،‭ ‬ورافعين‭ ‬الأعلام‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ (‬والأخيرة‭ ‬للأسف‭) ‬التي‭ ‬يُثار‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬حزبي‭.‬

جاءت‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬عنيفة‭. ‬فبينما‭ ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬منصبًا‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬أخبرني‭ ‬قادة‭ ‬الحزب‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬عليّ‭ ‬الانسحاب‭ ‬لأن‭ ‬وجودي‭ ‬سيجعلني‭ ‬هدفًا‭ ‬للجمهوريين‭ ‬وبعض‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬اليهود،‭ ‬الذين‭ ‬سيستغلون‭ ‬وجود‭ ‬أمريكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬قيادي‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لمهاجمة‭ ‬المرشح‭ ‬دوكاكيس،‭ ‬فيما‭ ‬اعتبر‭ ‬رئيس‭ ‬الحزب‭ ‬الجديد،‭ ‬رون‭ ‬براون،‭ ‬أن‭ ‬انسحابي‭ ‬هو‭ ‬الأنسب،‭ ‬لكنه‭ ‬وعد‭ ‬بتعويضنا،‭ ‬وقد‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭.‬

أصبح‭ ‬رون‭ ‬براون‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬حزب‭ ‬يستضيف‭ ‬أمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬الحزب،‭ ‬ويلتقي‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬ويلقي‭ ‬كلمة‭ ‬في‭ ‬مؤتمراتنا‭ ‬الوطنية،‭ ‬وبعد‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬توليه‭ ‬منصبه،‭ ‬عيّنني‭ ‬لشغل‭ ‬منصب‭ ‬شاغر‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬حيث‭ ‬أشغله‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬وبعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو،‭ ‬لبّى‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬دعوةً‭ ‬ليكون‭ ‬المتحدث‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬سلام‭ ‬دولي‭ ‬كان‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬يعقدونه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭. ‬وبمجرد‭ ‬وصولنا‭ ‬إلى‭ ‬هناك،‭ ‬قال‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬أو‭ ‬عقد‭ ‬اجتماع‭ ‬سياسي‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

كان‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬مصمماً‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬قدماً،‭ ‬حيث‭ ‬تحدثنا‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬آنذاك‭ ‬إسحاق‭ ‬رابين‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬شيمون‭ ‬بيريز‭ ‬وطلبنا‭ ‬منهما‭ ‬السماح‭ ‬بإقامة‭ ‬الحدث‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تمسكهما‭ ‬بالرفض،‭ ‬فقد‭ ‬أبى‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاجتماع‭ ‬ثم‭ ‬أعلن‭ ‬أننا‭ ‬سنسير‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الشرق،‭  ‬مقر‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬القدس‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حاصر‭ ‬الفندق‭ ‬وأخبرنا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬المغادرة‭. ‬وكعادته،‭ ‬أعلن‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬أننا‭ ‬سنسير‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال،‭ ‬فغادرنا‭ ‬الفندق،‭ ‬وسرنا‭ ‬عبر‭ ‬صفوف‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭.‬

بصراحة،‭ ‬كنت‭ ‬يومها‭ ‬خائفاً،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فاجأنا،‭ ‬فبفضل‭ ‬قوة‭ ‬شخصية‭ ‬جيسي‭ ‬جاكسون‭ ‬وعمله‭ ‬اللافت‭ ‬كان‭ ‬حضوره‭ ‬يومها‭ ‬مهيباً‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬العالمية‭ ‬ولقي‭ ‬أصداء‭ ‬واسعة‭.‬

وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬أنه‭ ‬يقود‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬السلمية‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الحصار‭ ‬حتى‭ ‬انقسموا‭ ‬ولم‭ ‬يسمحوا‭ ‬له‭ ‬بالمرور‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تجمع‭ ‬الكثيرون‭ ‬حوله،‭ ‬معبرين‭ ‬عن‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬لمسه‭ ‬أو‭ ‬مصافحته،‭ ‬كما‭ ‬طلبوا‭ ‬التقاط‭ ‬صور‭ ‬معه‭.‬

استشاط‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬غضباً،‭ ‬واستمروا‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأوامر‭ ‬لجنودهم‭ ‬بالتراجع،‭ ‬لكن‭ ‬الجنود‭ ‬تجاهلوها‭. ‬توجهنا‭ ‬يومها‭ ‬سيراً‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬الشرق،‭ ‬حيث‭ ‬عقدنا‭ ‬اجتماعنا‭.‬

طوال‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون،‭ ‬لم‭ ‬أشهد‭ ‬فقط‭ ‬التزامه‭ ‬بالعدالة‭ ‬وشجاعته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات،‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬أيضاً‭ ‬مدى‭ ‬إدراكه‭ ‬العميق‭ ‬أن‭ ‬قوته‭ ‬الشخصية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬فرقاً‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬العالمية‭.‬

لقد‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬سراح‭ ‬السجناء،‭ ‬وفتح‭ ‬أبواب‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وبث‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬اليائسين،‭ ‬كما‭ ‬منح‭ ‬صوتاً‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬صوت‭ ‬لهم،‭ ‬وحث‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬على‭ ‬التمسك‭ ‬بالمبادئ‭ ‬والثبات‭ ‬في‭ ‬التزامه‭ ‬بقضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والعدالة‭.‬

سنظل‭ ‬نفتقد‭ ‬السيد‭ ‬جاكسون‭ ‬ونفتقد‭ ‬مواقفه‭ ‬وثباته‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭ ‬وانتصاره‭ ‬لقضايا‭ ‬العدل‭ ‬والإنسان‭ ‬والحرية،‭ ‬لكن‭ ‬إرثه‭ ‬سيبقى‭ ‬حياً‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬التقدمية‭ ‬لتغيير‭ ‬السياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬التي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيلها‭.‬

 

{ رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا