العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جوهر القيم الأخلاقية في الصحافة والإعلام

بقلم: موفق مطر

الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

نحن‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬أعمدة‭ ‬تؤكد‭ ‬ثبات‭ ‬السماء‭ ‬فوق‭ ‬الأرض،‭ ‬لكننا‭ ‬نعلم‭ ‬ونعرف‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬عن‭ ‬قوانين‭ ‬وقيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬ثابتة،‭ ‬جعلت‭ ‬أمة‭ ‬الإنسان‭ ‬تستحق‭ ‬مكانتها‭ ‬الراقية‭ ‬والسامية‭ ‬قياسا‭ ‬بالأمم‭ ‬والمخلوقات‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬إنها‭ ‬قيم‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عليها‭ ‬عاقلان‭ ‬يعيشان‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬مشرقه‭ ‬إلى‭ ‬مغربه،‭ ‬ومن‭ ‬شماله‭ ‬إلى‭ ‬جنوبه‭ ‬وما‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬الطول‭ ‬والعرض‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭  ‬الروح‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومعناها‭ (‬المعرفة‭) ‬أتيحت‭ ‬للجميع‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬استثناء،‭ ‬والنفس‭ ‬الإنسانية‭ ‬مقدسة‭ ‬لا‭ ‬يُعلي‭ ‬ولا‭ ‬يخفض‭ ‬شأن‭ ‬قداستها‭ ‬عرق‭ ‬أو‭ ‬جنس‭ ‬أو‭ ‬لون‭ ‬أو‭ ‬الإيمان‭ ‬بعقيدة‭ ‬أو‭ ‬فلسفة‭ ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬مرجعياتها‭ ‬ومصادرها‭ ‬ومبعثها،‭ ‬فالصدق‭ ‬نقيض‭ ‬الكذب،‭ ‬والوفاء‭ ‬نقيض‭ ‬الجحود‭ ‬والخيانة،‭ ‬والأمانة‭ ‬نقيض‭ ‬الخيانة‭ ‬واللصوصية،‭ ‬وهكذا‭ ‬التقت‭ ‬أمة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬محددة‭ ‬لترجمتها‭ ‬أو‭ ‬شرحها،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬التفصيل‭ ‬والتفسير‭ ‬إلا‭ ‬بالعمل‭ ‬والفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬النقي‭ ‬الخالص‭ ‬الذي‭ ‬يبدع‭ ‬الإنسان‭ - ‬ذكرا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬أنثى–‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬تجسيده‭ ‬لحظيا‭ ‬ويوميا‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬وعيه‭ ‬المكتمل‭ ‬الناضج‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬

لا‭ ‬تنفصل‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬والقيم‭ ‬عن‭ ‬الخريطة‭ ‬الجينية‭ ‬للإنسان،‭ ‬فهي‭ ‬مولودة‭ ‬معه‭ ‬لا‭ ‬تفارقه،‭ ‬لكن‭ ‬البعض‭ ‬يعتني‭ ‬بها‭ ‬وينميها‭ ‬ويبرزها‭ ‬بجمالها‭ ‬وبحسنها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاهيهما‭ ‬جمال‭ ‬وحسن،‭ ‬لإيمانهم‭ ‬بديمومة‭ ‬حياة‭ ‬الأفكار‭ ‬والأعمال‭ ‬المشتقة‭ ‬أو‭ ‬المرتكزة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬والقوانين،‭ ‬فيما‭ ‬يتجه‭ ‬آخرون‭ ‬وهم‭ ‬نسبة‭ ‬بسيطة‭ ‬إلى‭ ‬تشويهها‭ ‬إثر‭ ‬خلاصات‭ ‬سببها‭ ‬التباس‭ ‬عقل‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التمييز‭ ‬الواجبة‭ ‬بين‭ ‬مقاصد‭ ‬الخير‭ ‬والشر،‭ ‬أو‭ ‬إقرار‭ ‬مسار‭ ‬مضاد‭ ‬بقصد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬آنية‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن،‭ ‬لانعدام‭ ‬رؤيتهم‭ ‬الواضحة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬الرغبات‭ ‬الشخصية‭!.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التبويب‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬منح‭ ‬فرصة‭ ‬التمتع‭ ‬بالروح‭ (‬المعرفة‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تقييدها‭ ‬بمستوى‭ ‬درجات‭ ‬وعلامات‭ ‬شهادات‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬بانطباق‭ ‬معايير‭ ‬الابداع‭ ‬والتميز‭ ‬عليها،‭ ‬وفقا‭ ‬لحسابات‭ ‬معقدة‭ ‬منها‭ ‬البيئة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والطبيعية،‭ ‬ومنها‭ ‬مكان‭ ‬وجوده‭ ‬ضمن‭ ‬حلقات‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المدنية‭ ‬الإنسانية‭ (‬الحضارية‭) ‬وكذلك‭ ‬بمعيار‭ ‬صحته‭ ‬العقلية‭ ‬والبدنية‭.‬

إن‭ ‬المثير‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ - ‬تحديدا‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر–‭ ‬اقتصار‭ ‬تركيز‭ ‬الأمم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والشعوب‭ ‬أنظارها‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الهرم‭ ‬السياسي‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بسلطاتها‭ ‬القضائية‭ ‬والتشريعية‭ ‬والتنفيذية‭ ‬لرؤية‭ ‬تطبيقات‭ ‬القيم‭ ‬والقوانين‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬بلادها،‭ ‬لتطمئن‭ ‬على‭ ‬مستقبلها‭ ‬وكينونة‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬تتمناها‭ ‬متواكبة‭ ‬مع‭ ‬المستقبل‭ ‬لصالح‭ ‬الأجيال،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعفيها‭ ‬من‭ ‬تعميم‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬الحياة‭ ‬كافة،‭ ‬لبلوغ‭ ‬هذه‭ ‬الأماني‭ ‬والتطلعات‭ ‬بأحسن‭ ‬صورها‭ ‬المتجانسة‭  ‬المفعمة‭ ‬بالتوازن‭ ‬والتكوين‭ ‬والتشكيل،‭ ‬فالباحث‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬السلام‭ ‬والسعادة‭ ‬والمحبة‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬أكوام‭ ‬الحقائق‭ ‬والوقائع‭ ‬اليومية،‭ ‬بعناوينها‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭- ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الدينية‭ ‬والتاريخية‭ ‬والتراثية‭- ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والصحية،‭ ‬والإعلامية،‭ ‬عليه‭ ‬مقارنة‭ ‬انسجام‭ (‬الواقع‭) ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬المشتقة‭ ‬أصلا‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬القيم‭ ‬والقوانين‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام‭ ‬هما‭ ‬الرسالة‭ ‬اللحظية‭ ‬العاكسة‭ ‬لمضامين‭ ‬القيم‭ ‬والقوانين‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬والبرهان‭ ‬العملي‭ ‬الأدق‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬احترام‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الإنساني‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬لقداسة‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬لغة‭ ‬التواصل‭ ‬والاتصال‭ ‬اللحظية‭ ‬والباعثة‭ ‬على‭ ‬النقاش‭ ‬والحوار‭ ‬العقلاني،‭ ‬كما‭ ‬إنها‭ ‬عامل‭ ‬رئيس‭ ‬لتكامل‭ ‬الثقافات،‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬الأمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تسوير‭ ‬جغرافية‭ ‬شعب‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬حجب‭ ‬المعرفة‭ ‬عن‭ ‬أفراده،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬أو‭ ‬يحتكره،‭ ‬أو‭ ‬يشوهه‭ ‬أو‭ ‬يزوره‭ ‬أو‭ ‬يحرفه،‭ ‬أو‭ ‬يستبدله‭ ‬بخرافات‭ ‬وثرثرات‭ ‬وأوهام،‭ ‬يستهين‭ ‬بذكاء‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬يقيم‭ ‬وزنا‭ ‬لقدراتهم‭ ‬البصرية‭ ‬والسمعية‭ ‬ولذاكرتهم‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية‭.‬

ولذلك‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬إجراما‭ ‬عمن‭ ‬يمتهن‭ ‬الاغتيال‭ ‬السياسي‭ ‬بوجهيه‭: ‬المادي‭ ‬والمعنوي،‭ ‬فالصحافة‭ ‬والإعلام‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬منابع‭ ‬الطاقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لأرواح‭ ‬الناس،‭ ‬وتغذية‭ ‬النفوس‭ ‬بالأمل‭ ‬الباعث‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الإيمان‭ ‬بالحياة‭ ‬وفلسفتها‭ ‬ومناهجها‭ ‬العملية،‭ ‬فهذا‭ ‬الإيمان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬يتمكن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬لمس‭ ‬المعاني‭ ‬الحقيقية‭ ‬للقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬وقوانينها‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬يراه‭ ‬الناس‭ ‬نبعا‭ ‬للحرية‭ ‬والسلام‭ ‬والسعادة‭.‬

 

{  كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا