العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مخاطر تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

صرح‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل‭ ‬مايك‭ ‬هاكابي‭ ‬خلال‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬جمعه‭ ‬مع‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬المشهور‭ ‬تاكر‭ ‬كارلسون‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬وعلني‭ ‬بأنه‭ ‬سيكون‭ ‬أمرا‭ ‬مقبولا‭ ‬بأن‭ ‬تستولي‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬أراضي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مستندا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تفسيرات‭ ‬توراتية‭ ‬متداولة‭ ‬داخل‭ ‬التيار‭ ‬القومي‭ ‬الصهيوني‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

ووفقا‭ ‬لما‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬التصريح‭ ‬الخطير‭ ‬للسفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬كارلسون‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬عن‭ ‬نص‭ ‬من‭ ‬العهد‭ ‬القديم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬وعد‭ ‬إلهي‭ ‬إلى‭ ‬النبي‭ ‬إبراهيم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭) ‬بمنطقة‭ ‬من‭ ‬الفرات‭ ‬إلى‭ ‬النيل‭ ‬شاملة‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬والأردن‭ ‬والعراق‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬الواضحة‭ ‬والعلنية‭ ‬ليست‭ ‬بجديدة‭ ‬ولا‭ ‬بغريبة‭ ‬فالنزعات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التوسعية‭ ‬معلنة‭ ‬وقد‭ ‬كررها‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬مختلفة‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬نتنياهو‭ ‬فقط‭ ‬فهذه‭ ‬النزعة‭ ‬التوسعية‭ ‬قائمة‭ ‬أصلا‭ ‬على‭ ‬أيديولوجية‭ ‬صهيونية‭ ‬تؤمن‭ ‬بإقامة‭ ‬‮«‬دولة‮»‬‭ ‬صهيونية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭ ‬والشرق‭ ‬مدفوعة‭ ‬بأسباب‭ ‬ترتبط‭ ‬بما‭ ‬يسميه‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬العمق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الديني‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬هذا‭ ‬اليمين‭ ‬‮«‬بأرض‭ ‬الميعاد‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬تجلت‭ ‬أبعاد‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتبناه‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬يتبناه‭ ‬كذلك‭ ‬اليمين‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وبعض‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تهويد‭ ‬القدس‭ ‬والاستيطان‭ ‬فيما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وتكثيف‭ ‬الاستيطان‭ ‬لابتلاع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭.‬

‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬مثيرا‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬إنها‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬مسؤول‭ ‬دبلوماسي‭ ‬أمريكي‭ ‬رسمي‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬توجهات‭ ‬أمريكية‭ ‬جديدة‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مخيف‭ ‬ومقلق‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقلق‭ ‬له‭ ‬العرب‭ ‬وليس‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يمس‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬يمس‭ ‬سائر‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭.‬

والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تخفي‭ ‬مطلقا‭ ‬نياتها‭ ‬ولا‭ ‬سعيها‭ ‬للتغول‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬بالسعي‭ ‬إلى‭ ‬احتلالها‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭ ‬والطرق‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬المعلنة‭ ‬والصريحة‭ ‬لها‭ ‬جذور‭ ‬وأسباب‭:‬

أولا‭: ‬إن‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الصهيونية‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أرض‭ ‬إسرائيل‭ ‬التاريخية‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬حتمية‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬سياسة‭ ‬حكومية‭ ‬طارئة‭ ‬تتغير‭ ‬بتغير‭ ‬الحكومات‭.‬

ثانيا‭: ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬اليمين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭ ‬بالعمق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السعي‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬مرتفعات‭ ‬الجولان‭ ‬والأردن‭ ‬وجنوب‭ ‬لبنان‭ ‬وجنوب‭ ‬سوريا‭ ‬كمرحلة‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬ما‭ ‬يسمونه‭ ‬بسط‭ ‬الأمن‭ ‬الخاص‭ ‬بإسرائيل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬السيطرة‭.‬

ثالثا‭: ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التهجير‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والتضييق‭ ‬عليهم‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬والتنقل‭ ‬والإسكان‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬المشروع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتغيير‭ ‬الواقع‭ ‬الديمغرافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحلال‭ ‬المستوطنين‭ ‬الغزاة‭ ‬الصهاينة‭ ‬محل‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬واستغلال‭ ‬حالة‭ ‬الضعف‭ ‬العربي‭ ‬العام‭ ‬للتوسع‭ ‬الاستعماري‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والتوسع‭ ‬الخارجي‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬فعليا‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭.‬

رابعا‭: ‬التأكيد‭ ‬مجددا‭ ‬وبوضوح‭ ‬على‭ ‬مخططات‭ ‬التهويد‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وليس‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬فقط‭ ‬لكي‭ ‬تفرضها‭ ‬كأمر‭ ‬واقع‭ ‬اليوم‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة‭ ‬بعد‭ ‬تغول‭ ‬إسرائيل‭ ‬وضعف‭ ‬العرب‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬وعجز‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ونفاق‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭ ‬بما‭ ‬سمح‭ ‬بالتوسع‭ ‬وبناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬والتجمعات‭ ‬السكانية‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬وهدم‭ ‬البيوت‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بدعوى‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬أمني‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لدى‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭  ‬في‭ ‬تصريحاته‭ ‬من‭ ‬توجهات‭ ‬صريحة‭ ‬تنسجم‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تشكله‭ ‬النزعة‭ ‬التوسعية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬و‭ ‬فيه‭ ‬أيضا‭  ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬الوجودي‭ ‬ليس‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬والأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬وأراضيها‭ ‬وشعوبها‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الخطة‭ ‬تفترض‭ ‬تحويل‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬المقررة‭ ‬والمحددة‭ ‬بقرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬توسعي‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬سلمي‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬هنالك‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬التوسعية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المعلنة‭ ‬والواضحة‭ ‬والصريحة‭ ‬والمدعومة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬الصعبة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا