لطالما اعتز الغرب (أمريكا وأوروبا) بحضارته وثقافته، بل إنه لم يكتف بذلك، إذ وصل به الغرور الثقافي إلى حد الاعتقاد بأن ثقافته هي الاختيار الأفضل والأنسب لجميع دول العالم، فراح مدفوعاً بتضخم الذات إلى الاستعلاء وفرض ثقافته على جميع دول العالم، وغاب عن ذهنه أن ثقافته ليست مؤهلة لتكون هي السائدة في عالمنا اليوم لعوامل عدة؛ فجاءت «فضيحة إبستتين» لتؤكد هذا الرأي. وهذا ليس تحاملاً على هذه الثقافة بقدر أن الواقع الغربي يؤيد ما نذهب إليه.
إن من ينظر بموضوعية، وعمق إلى الحضارة الغربية بجانبيها المادي والثقافي، سيكتشف أنها لم تسعد البشرية، ولم تنجح في علاج مشكلات المجتمعات الإنسانية، بل إنها ساهمت في خلق كثير من المشكلات، وكانت سبباً في نشأة العديد من الأزمات، ولا نبالغ في القول إذا قلنا إنها كانت سبباً في شقاء البشرية وتعاستها. ومن يشكك في هذا القول، فإننا نطلب منه استدعاء الذاكرة التاريخية العالمية، ويوجه بصره وبصيرته نحو واقع الإنسان الغربي الذي عاش في حضن هذه الحضارة؛ فحتماً سيدرك أن الحضارة الغربية رغم وهجها المادي المشع، لم تسعد أهلها، ولا أيّ مجتمع سار على نهجها؛ لأنها تفتقد إلى جملة من الخصائص التي تُمكِنها من أن تكون الخيار الوحيد المناسب للعالم أجمع.
جاءت «فضيحة جيفري إبستين» لتكشف جملة من الدروس العميقة، في مقدمتها أن التقدم العلمي والتقني والإنتاجي، مهما بلغ مستواه، يبقى عاجزاً عن بناء حضارة إنسانية سليمة إذا لم تستند إلى هدي إلهي وتربية أخلاقية تزكي النفوس وتوجه العقول.
لا أحد ينكر، أن الحضارة الغربية حققت إنجازات مادية عظيمة، لكنها في المقابل أنتجت نموذجاً حضارياً معوجاً، يحمل في بنيته الداخلية عوامل سقوطه، نتيجة ابتعاده عن القيم والمعايير الأخلاقية، وغياب البعد التربوي الذي يحصن الإنسان من الانحراف.
ورغم حسنات الحضارة الغربية، والإعجاب بمنجزاتها المادية، والانبهار بها إلا أن ذلك لا يجعلنا أن نتغافل عن سلبياتها، ولا يعفيها من تصويب سهام النقد إليها، ووصفها بأنها ناقصة، وتفتقر إلى الجانب الأخلاقي في كل مكوناتها البنيوية: السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والإعلامية؛ فهي باختصار شديد لا تبني الإنسان على أسس فكرية وأخلاقية، ولا تمزج بين تزكية النفس وتنمية المعرفة وتصحيح المفاهيم.
إن «فضيحة إبستين» لم تعر الحضارة الغربية فحسب، بل كشفت عن زيف دعوات بعض النخب والأوساط الأكاديمية العربية التي كانت تتغنى بهذه الحضارة وبمجدها، وكانت دائماً تدعو إلى السير على نهجها، والنهل من ثقافتها باعتبارها النموذج الأفضل، وتتعامل مع مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان والقيم بوصفها منتجات غربية خالصة. في مقابل تصوير المجتمعات العربية على أنها فضاءات للتخلف والانحطاط والرجعية.
في اعتقادي، إن «فضائح إبستين» أسقطت كل الأقنعة التي تحاول هذه الحضارة التستر خلفها، وكشفت عن الوحشية التي وصلت إلى حد فقدان للقيم الإنسانية، وللإفلاس الأخلاقي العميق.
إن من ينظر بعمق إلى هذه الوقائع، لا بد وأن تفكيره سيقوده إلى مراجعة الصور الذهنية التي كان يحملها عن الحضارة الغربية، وخاصة تلك الصورة المتعلقة بتمجيدها؛ لأن أحداث واقعة إبستين حفزت التفكير نحو البحث عن حضارة تجمع بين الروح والمادة حضارة قائمة على القيم والعدالة والكرامة الإنسانية وهذه الصفات تتوفر في الحضارة العربية الإسلامية، بينما تفتقد الحضارة الغربية إليها وهذا الكلام يعترف به، ويقره عدد من الفلاسفة والمفكرين الغربيين المنصفين. وقد أدلى عدد من هؤلاء بشهاداتهم، ودونوها في كتب عديدة من هؤلاء المفكر الأمريكي «باتريك جيه بوكانن»، وكان يعمل مستشاراً لثلاثة رؤساء أمريكيين سابقاً، وكاتباً سياسياً في أكبر الصحف الأمريكية، الشهيرة، ذكر في كتابه (موت الغرب) أن الحضارة الغربية في طريقها المحتوم لسببين، الأول: موت أخلاقي بسبب انهيار القيم الأسرية والتربوية. والثاني: موت ديموغرافياً وبيولوجي نتيجة موت الأخلاق وتراجع القيم الدينية والأسرية، مما أدى إلى تناقص السكان بشكل خطير، وأصبحت معظم الدول الغربية الآن تشهد تراجعاً كبيراً في عدد السكان وانتشار الشيخوخة؛ نتيجة انهيار القيم الدينية والأسرية.
لم يكن بوكانن وحده الذي استشرف موت الحضارة الغربية؛ إذ سبقه في ذلك الفيلسوف الألماني أزوالد شبنغلر في هذا الرأي، وقد سجل شهادته في كتابه «انحسار الغرب» الذي أشار فيه إلى أن الحضارات مثل الكائنات الحية تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت، وفي عمله الموسوعي كان أول من ذكر أن الحضارة الغربية ستموت وسوف تحل محلها حضارة آسيوية جديدة.
أما في الألفية الثالثة، فيحدثنا الكاتب الألماني هينريش أوجست وينكر من خلال كتابه «هل ينهار الغرب؟» والصادر 2017 والذي يتحدث عن أسباب احتضار الحضارة الغربية، وانحدارها شيئاً فشيئاً نحو الهاوية بسبب عدة أزمات.
ومن المؤكد أن هناك أصوات أخرى بجانب شبنجلر وبوكانن وهنيريش ووينكر تذهب إلى القول: بأن الحضارة الغربية تعيش في أزمة، وأنها في الطريق إلى الهلاك رغم امتلاكها لمصادر القوة، وتفوقها في المجالين العلمي والتقني.
ومن خلال هذه الشهادات التي أدلى بها مفكرون غربيون، جاءت حادثة «جزيرة إبستين» لتؤكد من جديد أن الحضارة الغربية تحتضر، وفي طريقها إلى الإفلاس والتدهور ومن ثم السقوط حيث كشفت هذه الحادثة عن حقائق صادمة تنبئ بأن انهيار الحضارة الغربية بات قريباً؛ فهي وإن حدثت على الأراضي الأمريكية، إلا أنها بينت زيف ادعاءات الدول الغربية بمجملها، هذه الدول التي صدعت رؤوسنا بحقوق الإنسان والقيم الليبرالية وحقوق المرأة ها هي اليوم تكشف عن وجهها القبيح بعد أن ساح مكياج حقوق الإنسان الذي يجمل صورتها.
خلاصة القول، لقد انكشف الغطاء عن «الأخلاقيات» التي ظل الغرب يسوقها في بلداننا والعالم وباتت الأمور واضحة كالشمس في رابعة النهار. لقد انتهى عصر الإعجاب والانبهار بالنموذج الغربي، فنحن اليوم أمام نخب تدعي الفضيلة وهي في الواقع بلا فضيلة، وأنها في الدرك الأسفل من الانحطاط الأخلاقي.
بعد كل هذه الفضائح، هل يصح لأصحاب هذه الحضارة الاستمرار في تسويق ثقافتهم، وفرضها بالقوة على العالم، أم أنه حان الوقت للبحث عن بديل؟.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك