العدد : ١٧٥٠٥ - الأربعاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٥ - الأربعاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مستقبل النظام العالمي ما بعد سقوط الهيمنة الأمريكية

بقلم: د. مصطفي كامل السيد

الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬التهديد‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رئاسة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬باستخدام‭ ‬قواتها‭ ‬المسلحة‭ ‬لإسقاط‭ ‬حكومات،‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أقاليم‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وقلة‭ ‬التأييد‭ ‬الذي‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬مع‭ ‬استمرارها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب،‭ ‬يؤكد‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬فقدت‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

وحتى‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تملك‭ ‬السيطرة‭ ‬العسكرية‭ ‬بحكم‭ ‬ترسانتها‭ ‬الضخمة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأسلحة‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬التي‭ ‬تتفوق‭ ‬في‭ ‬حجمها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬أخرى‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬السيطرة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولا‭ ‬معظم‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬وراءها،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تنفذ‭ ‬إرادتها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭. ‬يكفي‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬اضطرارها‭ ‬إلى‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬التعريفات‭ ‬الجمركية‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬للمحكمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬بعدم‭ ‬قانونية‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬واعتباره‭ ‬تعديًا‭ ‬على‭ ‬اختصاص‭ ‬أصيل‭ ‬للسلطة‭ ‬التشريعية‭ (‬الكونجرس‭).‬

كما‭ ‬تشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬مقاطعة‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬أصحاب‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬ومعظم‭ ‬القوى‭ ‬الوسطى‭ ‬الصاعدة،‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭.‬

إن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬أمرٌ‭ ‬مهم،‭ ‬لأنه‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر،‭ ‬ولأن‭ ‬سقوط‭ ‬الهيمنة‭ ‬يعنى‭ ‬أيضًا‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يستند‭ ‬إليها،‭ ‬ويفتح‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخلفه‭.‬

ان‭ ‬مفهوم‭ ‬السيطرة‭ ‬هو‭ ‬التمكن‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬الإرادة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬لدولة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬أو‭ ‬العالمي،‭ ‬أو‭ ‬لقيادة‭ ‬سياسية‭ ‬على‭ ‬دولتها،‭ ‬وذلك‭ ‬باستخدام‭ ‬القهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬باستخدامها‭. ‬أما‭ ‬الهيمنة‭ ‬فهي‭ ‬القبول‭ ‬الطوعي‭ ‬لإرادة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬القيادة‭ ‬دونما‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬القهر،‭ ‬وذلك‭ ‬بفضل‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬مثل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تكسب‭ ‬أنصارًا‭ ‬كثيرين‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة،‭ ‬أو‭ ‬جاذبية‭ ‬ثقافتها‭ ‬ونمط‭ ‬حياتها‭ ‬الذي‭ ‬يقلده‭ ‬الآخرون،‭ ‬أو‭ ‬تفوق‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والبحثية،‭ ‬أو‭ ‬انتشار‭ ‬إعلامها‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬رسالتها‭ ‬ويعرض‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬مواطنيها‭ ‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬بالرغد،‭ ‬ونظامها‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬الاستقرار‭ ‬مع‭ ‬تمتع‭ ‬المواطنين‭ ‬بحرياتهم‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ودبلوماسيتها‭ ‬ذات‭ ‬الاهتمامات‭ ‬المتعددة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬طرح‭ ‬حلول‭ ‬لأزمات‭ ‬إقليمية‭ ‬وعالمية‭ ‬تحظى‭ ‬بالتأييد‭.‬

ويطرح‭ ‬علماء‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ثلاثة‭ ‬نماذج‭ ‬لهذه‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة؛‭ ‬كانت‭ ‬هولندا‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وأعقبتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ثم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬تلك‭ ‬الحرب،‭ ‬وبدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬حتى‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬التفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ضروري‭ ‬للتمتع‭ ‬بالهيمنة،‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬كافيًا‭.‬

ولذلك‭ ‬ذهب‭ ‬جوزيف‭ ‬نأي،‭ ‬أحد‭ ‬علماء‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬لأن‭ ‬تفقد‭ ‬مكانتها‭ ‬كأكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬فهي‭ ‬ستظل‭ ‬قائد‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬بحكم‭ ‬امتلاكها‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬تلك،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الصين،‭ ‬بحسب‭ ‬رأيه‭ ‬عندما‭ ‬طرح‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭.‬

الذي‭ ‬يهمنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬هو‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬وجود‭ ‬دولة‭ ‬مهيمنة‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬لانتشار‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الليبرالي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الملكية‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬وحرية‭ ‬التجارة‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬لأن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬تكتنفه‭ ‬الصعوبات،‭ ‬فلا‭ ‬المزايا‭ ‬الناتجة‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬الأعباء‭ ‬التي‭ ‬تصحبه‭ ‬تتوزع‭ ‬بالتساوي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬إليه‭ ‬يقتضي‭ ‬توافر‭ ‬معارف‭ ‬وخبرات‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬لكل‭ ‬الدول‭. ‬ولذلك‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭ ‬بتيسير‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭.‬

كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬تفتح‭ ‬سوقها‭ ‬لصادرات‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وسهّل‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬وساعدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬والوسطى‭ ‬ودول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬بالمساعدات‭ ‬المباشرة‭ ‬وبفتح‭ ‬سوقها‭ ‬الواسع،‭ ‬وحلول‭ ‬الدولار‭ ‬محل‭ ‬الإسترليني‭ ‬كأداة‭ ‬تبادل‭. ‬ولكن‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لكل‭ ‬منهما،‭ ‬وتمتعهما‭ ‬بقوة‭ ‬عسكرية‭ ‬لا‭ ‬تُبارى،‭ ‬استندت‭ ‬هيمنتهما‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬مستقر‭ ‬يوفر‭ ‬الحريات،‭ ‬وجامعات‭ ‬متقدمة،‭ ‬وثقافة‭ ‬منتشرة‭ ‬عالميًا‭ ‬بفضل‭ ‬سهولة‭ ‬تعلم‭ ‬لغتهما،‭ ‬ونمط‭ ‬حياة‭ ‬تطلعت‭ ‬الطبقات‭ ‬الوسطى‭ ‬والعليا‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لتقليده،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬دبلوماسية‭ ‬نشطة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المحافل‭.‬

ان‭ ‬هيمنة‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬ليست‭ ‬هيمنة‭ ‬مطلقة،‭ ‬فهناك‭ ‬دائمًا‭ ‬دول‭ ‬منافسة‭ ‬لها،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬كل‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الصلبة‭ ‬والناعمة‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭. ‬لقد‭ ‬نافست‭ ‬ألمانيا‭ ‬بريطانيا‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬سُمي‭ ‬بالسلام‭ ‬البريطاني،‭ ‬ونافس‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬والصين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بنموذج‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬اشتراكي‭ ‬وبأيديولوجيا‭ ‬شيوعية‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أنصارها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العالم‭. ‬ولكن‭ ‬سقوط‭ ‬الكتلة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتبني‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بعقد‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق،‭ ‬جعلا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تنفرد‭ ‬بأنها‭ ‬تقود‭ ‬النموذج‭ ‬الوحيد‭ ‬الناجح‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وسياسيًا‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ومكّنا‭ ‬لها‭ ‬الهيمنة‭ ‬حتى‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬عناصر‭ ‬هيمنتها‭ ‬في‭ ‬التآكل‭.‬

 

سقوط‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية

لا‭ ‬تملك‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬ظهور‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تنافسها‭ ‬على‭ ‬زعامة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬صعود‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬كان‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬اقتدائها‭ ‬بنموذج‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬ثم‭ ‬أصبحت‭ ‬تنافس‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الثانية‭ ‬بابتكارها‭ ‬سلع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المعمرة‭ ‬مثل‭ ‬السيارات‭ ‬وأجهزة‭ ‬التلفزيون‭ ‬والثلاجات،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬الصناعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وبالمثل،‭ ‬فالمساعدات‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لدول‭ ‬غرب‭ ‬ووسط‭ ‬أوروبا‭ ‬وشرق‭ ‬آسيا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬مكنت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬تعمير‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬التي‭ ‬دمرتها‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬والانطلاق‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬النمو،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬تنافس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السوق‭ ‬المفتوحة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرت‭ ‬للصين‭ ‬مجالًا‭ ‬رحبًا‭ ‬لتصدير‭ ‬منتجاتها،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت،‭ ‬وهي‭ ‬غريم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تحصل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬مدفوعاتها،‭ ‬وتتمكن‭ ‬بهذا‭ ‬الكسب‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصعد‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬أن‭ ‬تنتزع‭ ‬منها‭ ‬مكانة‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ولكن‭ ‬سقوط‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬عناصر‭ ‬قوتها‭ ‬الناعمة‭ ‬قد‭ ‬اهترأت‭. ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتمسك‭ ‬بمبادئ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبرالي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدعو‭ ‬إليها؛‭ ‬إذ‭ ‬تتخذ‭ ‬إجراءات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تعريفات‭ ‬جمركية‭ ‬عالية‭ ‬وقيود‭ ‬أخرى‭ ‬عندما‭ ‬تشعر‭ ‬حكومتها‭ ‬بأن‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬سوقها‭ ‬المفتوحة‭. ‬ونظامها‭ ‬السياسي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬نموذجًا‭ ‬يُحتذى،‭ ‬لكثرة‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬سلطتيها‭ ‬التنفيذية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شل‭ ‬عمل‭ ‬الحكومة‭ ‬تكرارًا،‭ ‬ونتيجة‭ ‬سيطرة‭ ‬جماعات‭ ‬المصالح‭ ‬الضيقة‭ ‬عليه،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬يخدمون‭ ‬مصالح‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬إسرائيل‭. ‬وسلطتاها‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية‭ ‬تضيقان‭ ‬بممارسة‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬داخل‭ ‬الجامعات،‭ ‬فتحدان‭ ‬من‭ ‬استقلالها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬بعض‭ ‬المقررات‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئات‭ ‬التدريس،‭ ‬وتمنعان‭ ‬عنها‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬بحثية‭ ‬تعود‭ ‬بالنفع‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭.‬

 

ما‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الهيمنة‭:‬

يطرح‭ ‬علماء‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬تصورات‭ ‬متعددة‭ ‬لطبيعة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الهيمنة؛‭ ‬منها‭ ‬استمرار‭ ‬مؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬القديم‭ ‬رغم‭ ‬فشلها‭ ‬ونقائصها،‭ ‬ومنها‭ ‬اتفاق‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬القديم‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬جديد،‭ ‬ومنها‭ ‬نشوب‭ ‬صراع‭ ‬عالمي‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭ ‬سابقًا‭ ‬والدولة‭ ‬المنافسة‭ ‬لها‭. ‬التصور‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬الآن؛‭ ‬فمؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬القديم‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬مازالت‭ ‬قائمة،‭ ‬سواء‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭ ‬ومنظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬أو‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووكالاتها‭ ‬المتخصصة‭. ‬وليست‭ ‬هناك‭ ‬بوادر‭ ‬لا‭ ‬لاتفاق‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬بديل،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تندلع‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬بسبب‭ ‬الترابط‭ ‬القوي‭ ‬بين‭ ‬اقتصاد‭ ‬كل‭ ‬منهما‭.‬

ولكن‭ ‬هناك‭ ‬فرصة‭ ‬أمام‭ ‬الساخطين‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬القديم،‭ ‬مع‭ ‬حرصهم‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬سماته‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تجد‭ ‬الاحترام‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭ ‬نظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭. ‬هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يشملون‭ ‬فقط‭ ‬الدول‭ ‬متوسطة‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬والأمريكتين،‭ ‬لكنهم‭ ‬يشملون‭ ‬أيضًا‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والهند‭ ‬والبرازيل،‭ ‬أقطاب‭ ‬‮«‬بريكس‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬التجمع‭ ‬الكبير،‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬غالبية‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ثلث‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي،‭ ‬ويحظى‭ ‬بقدرات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وعسكرية‭ ‬هائلة،‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬القوى‭ ‬تسوده‭ ‬قواعد‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا