إن التهديد المستمر من جانب الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب باستخدام قواتها المسلحة لإسقاط حكومات، والاستيلاء على أقاليم أو دول أخرى، وقلة التأييد الذي تحظى به مع استمرارها في هذا الأسلوب، يؤكد أنها قد فقدت الهيمنة على النظام الدولي.
وحتى إذا كانت تملك السيطرة العسكرية بحكم ترسانتها الضخمة من مختلف الأسلحة غير التقليدية، التي تتفوق في حجمها على ما تملكه أي قوة أخرى بما في ذلك كلٌّ من الصين وروسيا، فإن هذه السيطرة العسكرية لا تضمن لها أن تسير الدول الكبرى، ولا معظم القوى المتوسطة، وراءها، ولا أن تنفذ إرادتها على هذه الدول لا في المجال السياسي ولا في المجال الاقتصادي. يكفي دليلًا على ذلك اضطرارها إلى التراجع عن التعريفات الجمركية العالية التي فرضتها على معظم دول العالم، حتى قبل القرار الأخير للمحكمة العليا في أمريكا بعدم قانونية هذا الإجراء من جانب رئيس السلطة التنفيذية الرئيس ترامب واعتباره تعديًا على اختصاص أصيل للسلطة التشريعية (الكونجرس).
كما تشهد على ذلك أيضًا مقاطعة الدول الكبرى، أصحاب العضوية الدائمة في مجلس الأمن، ومعظم القوى الوسطى الصاعدة، الانضمام إلى ما يُسمى مجلس السلام الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي.
إن التمييز بين الهيمنة والسيطرة أمرٌ مهم، لأنه يكشف عن حدود القوة التي تملكها الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، ولأن سقوط الهيمنة يعنى أيضًا سقوط النظام العالمي الذي كان يستند إليها، ويفتح السؤال عن ملامح النظام العالمي الذي يمكن أن يخلفه.
ان مفهوم السيطرة هو التمكن من فرض الإرادة، سواء كانت لدولة على النظام الإقليمي أو العالمي، أو لقيادة سياسية على دولتها، وذلك باستخدام القهر من خلال القوة المسلحة أو التهديد باستخدامها. أما الهيمنة فهي القبول الطوعي لإرادة هذه الدولة أو القيادة دونما الحاجة إلى استخدام القهر، وذلك بفضل ما تملكه هذه الدولة من أدوات القوة الناعمة مثل الأيديولوجيا التي تكسب أنصارًا كثيرين خارج حدود الدولة المهيمنة، أو جاذبية ثقافتها ونمط حياتها الذي يقلده الآخرون، أو تفوق مؤسساتها الأكاديمية والبحثية، أو انتشار إعلامها الذي يحمل رسالتها ويعرض نمط حياة مواطنيها الذي يتسم بالرغد، ونظامها السياسي الذي يضمن الاستقرار مع تمتع المواطنين بحرياتهم المدنية والسياسية، ودبلوماسيتها ذات الاهتمامات المتعددة التي لا تتوقف عن طرح حلول لأزمات إقليمية وعالمية تحظى بالتأييد.
ويطرح علماء العلاقات الدولية ثلاثة نماذج لهذه الدولة المهيمنة؛ كانت هولندا خلال القرن الثامن عشر، وأعقبتها بريطانيا منذ القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، ثم الولايات المتحدة منذ نهاية تلك الحرب، وبدرجات متفاوتة حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. التفوق الاقتصادي ضروري للتمتع بالهيمنة، ولكنه ليس كافيًا.
ولذلك ذهب جوزيف نأي، أحد علماء السياسة الأمريكيين، إلى أنه حتى إذا كانت الولايات المتحدة في طريقها لأن تفقد مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم في مواجهة الصين، فهي ستظل قائد النظام العالمي بحكم امتلاكها عناصر القوة الناعمة تلك، والتي لا تتمتع بها الصين، بحسب رأيه عندما طرح هذه الفكرة.
الذي يهمنا في هذا الطرح هو الادعاء بأن وجود دولة مهيمنة هو شرط لانتشار النظام الاقتصادي الليبرالي الذي يقوم على حرية الملكية داخل كل دولة وحرية التجارة فيما بين الدول. لأن الانتقال إلى هذا النظام تكتنفه الصعوبات، فلا المزايا الناتجة عنه ولا الأعباء التي تصحبه تتوزع بالتساوي، كما أن الانتقال إليه يقتضي توافر معارف وخبرات لا تتوافر لكل الدول. ولذلك تقوم الدولة المهيمنة بتيسير هذا الانتقال.
كانت بريطانيا تفتح سوقها لصادرات الدول الأخرى، وسهّل الجنيه الإسترليني التجارة بين هذه الدول، وساعدت الولايات المتحدة دول أوروبا الغربية والوسطى ودول شرق آسيا على الانتقال إلى هذا النظام بالمساعدات المباشرة وبفتح سوقها الواسع، وحلول الدولار محل الإسترليني كأداة تبادل. ولكن إلى جانب التفوق الاقتصادي لكل منهما، وتمتعهما بقوة عسكرية لا تُبارى، استندت هيمنتهما إلى نظام سياسي مستقر يوفر الحريات، وجامعات متقدمة، وثقافة منتشرة عالميًا بفضل سهولة تعلم لغتهما، ونمط حياة تطلعت الطبقات الوسطى والعليا في معظم دول العالم لتقليده، فضلًا عن دبلوماسية نشطة في كافة المحافل.
ان هيمنة أي دولة على النظام العالمي ليست هيمنة مطلقة، فهناك دائمًا دول منافسة لها، ولكنها لا تملك كل عناصر القوة الصلبة والناعمة التي تملكها الدولة المهيمنة. لقد نافست ألمانيا بريطانيا وقت ما سُمي بالسلام البريطاني، ونافس الاتحاد السوفييتي والصين الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بنموذج سياسي واقتصادي اشتراكي وبأيديولوجيا شيوعية كان لها أنصارها في كل العالم. ولكن سقوط الكتلة الاشتراكية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتبني الصين الشعبية قبل ذلك بعقد عناصر من نموذج اقتصاد السوق، جعلا الولايات المتحدة تنفرد بأنها تقود النموذج الوحيد الناجح اقتصاديًا وسياسيًا في العالم، ومكّنا لها الهيمنة حتى بداية القرن الحادي والعشرين عندما بدأت عناصر هيمنتها في التآكل.
سقوط الهيمنة الأمريكية
لا تملك الدولة المهيمنة الحيلولة دون ظهور دول أخرى تنافسها على زعامة النظام العالمي. لا شك أن صعود الولايات المتحدة اقتصاديًا منذ القرن التاسع عشر كان يعود إلى اقتدائها بنموذج الثورة الصناعية الأولى التي بدأت في بريطانيا، ثم أصبحت تنافس بريطانيا في الثورة الصناعية الثانية بابتكارها سلع الاستهلاك المعمرة مثل السيارات وأجهزة التلفزيون والثلاجات، حتى أصبحت هي القوة الصناعية والاقتصادية الكبرى في العالم.
وبالمثل، فالمساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لدول غرب ووسط أوروبا وشرق آسيا هي التي مكنت هذه الدول من تعمير اقتصاداتها التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، والانطلاق بعد ذلك على طريق النمو، بحيث أصبحت دول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية تنافس الولايات المتحدة. بل إن السوق المفتوحة في الولايات المتحدة وفرت للصين مجالًا رحبًا لتصدير منتجاتها، بحيث أصبحت، وهي غريم الولايات المتحدة، تحصل منها على أكبر فائض في ميزان مدفوعاتها، وتتمكن بهذا الكسب وغيره من أن تصعد على ميزان القوة الاقتصادية، وأن تكون على وشك أن تنتزع منها مكانة أكبر اقتصاد في العالم.
ولكن سقوط الهيمنة الأمريكية لا يعود فقط إلى صعود هذه القوى الاقتصادية، ولكن لأن عناصر قوتها الناعمة قد اهترأت. فهي لم تعد تتمسك بمبادئ الاقتصاد الليبرالي الذي يقوم على حرية التجارة التي كانت تدعو إليها؛ إذ تتخذ إجراءات من قبيل تعريفات جمركية عالية وقيود أخرى عندما تشعر حكومتها بأن الدول الأخرى تستفيد من سوقها المفتوحة. ونظامها السياسي لم يعد نموذجًا يُحتذى، لكثرة الخلافات بين سلطتيها التنفيذية والتشريعية، الأمر الذي شل عمل الحكومة تكرارًا، ونتيجة سيطرة جماعات المصالح الضيقة عليه، سواء من أصحاب الشركات الكبرى أو الذين يخدمون مصالح دول أخرى مثل إسرائيل. وسلطتاها التشريعية والتنفيذية تضيقان بممارسة حرية الرأي والتعبير داخل الجامعات، فتحدان من استقلالها حتى في تدريس بعض المقررات أو اختيار أعضاء هيئات التدريس، وتمنعان عنها التمويل في مشروعات بحثية تعود بالنفع على صحة المواطن الأمريكي.
ما بعد سقوط الهيمنة:
يطرح علماء العلاقات الدولية تصورات متعددة لطبيعة النظام العالمي بعد سقوط الهيمنة؛ منها استمرار مؤسسات النظام القديم رغم فشلها ونقائصها، ومنها اتفاق القوى الكبرى في النظام القديم على نظام جديد، ومنها نشوب صراع عالمي بين الدولة المهيمنة سابقًا والدولة المنافسة لها. التصور الأول هو ما نشهده الآن؛ فمؤسسات النظام القديم السياسية والاقتصادية مازالت قائمة، سواء صندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية أو الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. وليست هناك بوادر لا لاتفاق الدول الكبرى على نظام بديل، ولا أن الحرب قد تندلع بين الولايات المتحدة والصين بسبب الترابط القوي بين اقتصاد كل منهما.
ولكن هناك فرصة أمام الساخطين على النظام القديم، مع حرصهم على إحدى سماته النظرية التي لم تكن تجد الاحترام في الواقع، وهو أنه نظام يقوم على القواعد. هؤلاء لا يشملون فقط الدول متوسطة القوة في آسيا وإفريقيا والأمريكتين، لكنهم يشملون أيضًا الصين وروسيا والهند والبرازيل، أقطاب «بريكس». هذا التجمع الكبير، الذي يضم غالبية سكان العالم وما لا يقل عن ثلث الناتج العالمي، ويحظى بقدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة، يتطلع إلى إقامة نظام متعدد القوى تسوده قواعد الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك