العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

أسئلة وجودية وتفسيرات تتجاوز السرديات السطحية

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

بعيدا‭ ‬عن‭ ‬عقلية‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬وشريعة‭ ‬الغاب‮»‬‭.. ‬هل‭ ‬ستبقى‭ ‬الحروب‭ ‬محركا‭ ‬للتاريخ‭ ‬البشري؟

هل‭ ‬حقا‭ ‬حروب‭ ‬المصالح‭ ‬المادية‭ ‬البحتة‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬البشرية،‭ ‬ومحرك‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬ولا‭ ‬مفر‭ ‬منها؟؟؟

هل‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬البشرية‭ ‬ستتجاوز‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬منطق‭ ‬الحروب؟

ألا‭ ‬يستحق‭ ‬السلام‭ ‬الكفاح‭ ‬من‭ ‬أجله؟‭ ‬أم‭ ‬أصبح‭ ‬السلام‭ ‬سلعة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأقوياء؟

‮«‬صراع‭ ‬الحضارات‮»‬

‭ ‬أم‭ ‬صراع‭ ‬المصالح

للتوازن‭ ‬بين‭ ‬الواقعية‭ ‬والتاريخ‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والأمل‭ ‬والإمكانيات‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬نغفل‭ ‬أن‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬دائمًا،‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الخليقة؛‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬حتمية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشرية؟‭ ‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الحروب نشأت‭ ‬بتخطيط‭ ‬مسبق،‮ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬عفوية،‭ ‬وكانت‭ ‬ذات‭ ‬دوافع‭ ‬اقتصادية أكثر‭ ‬من‭ ‬آيديولوجية،‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬النخب على‭ ‬حساب‭ ‬عامة‭ ‬الشعب‭.‬

لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬صراع‭ ‬الحضارات‮»‬‭ (‬1996‭) ‬لصاحبها‭ ‬صموئيل‭ ‬هنتنغتون‭ ‬التي‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬‮«‬مسائل‭ ‬الهوية‭ ‬والبعد‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الشخصيات‭ ‬الوطنية‭ ‬كمحددات‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وفي‭ ‬صراعات‭ ‬المتناقضات‭ ‬والعنف‭ ‬الذي‭ ‬سيشهده‭ ‬العالم‭ ‬القادم‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬تنبؤ،‭ ‬فالحروب‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬ذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬لن‭ ‬تكون‭ ‬هادئة‭ ‬وسلمية،‭ ‬بل‭ ‬ستكون‭ ‬عنيفة‭ ‬وشرسة‭ ‬وستهدد‭ ‬استقرار‭ ‬العالم‭ ‬والسلم‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬ثبت‭ ‬صحتها‭ ‬مع‭ ‬أحداث‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬تنبؤ‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬الإعداد‭ ‬له،‭ ‬وبدأ‭ ‬العمل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭.‬

هذا‭ ‬يدفعنا‭ ‬نحو‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للبشرية‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التفكير؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬الإنسان‭ ‬تميل‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬الصراع‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالثروة‭ ‬والنفوذ؟‭ ‬فتتحول‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة إلى ساحة‭ ‬معركة للقوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتضعف‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬لصالح‭ ‬المصالح‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتتحول‭ ‬اقتصادات‭ ‬العالم‭ ‬إلى ميدان‭ ‬حرب بدل‭ ‬التعاون‭.‬

مؤشرات‭ ‬التغيير

هل‭ ‬فعلاً‭ ‬هناك‭ ‬مؤشرات‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬التغيير؟‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬ضوابط‭ ‬الصراعات‭ ‬عبر‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وبالاعتماد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لزيادة‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تطور‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬بمخاطر‭ ‬الحرب‭ ‬التدميرية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬نجاح‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‭ ‬بالوسائل‭ ‬السلمية‭ (‬سنغافورة‭ ‬مثالاً‭)!!‬؟

إننا‭ ‬أمام‭ ‬تساؤلات‭ ‬وجودية‭ ‬تستحق‭ ‬التأمل،‭ ‬وبحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تفسيرات‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬تتجاوز‭ ‬السرديات‭ ‬السطحية‭ ‬وتتعمق‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬ارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬الوحشية‭ ‬والكراهية‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬وتغوّل‭ ‬لغة‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬والجماعات،‭ ‬وتفوّقها‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬وعلى‭ ‬مبدأ‭ ‬تبادل‭ ‬المصالح‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬الاستفراد‭ ‬بها‭. ‬

تساؤلات‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إجاباتِ‭ ‬أملٍ‭ ‬أو‭ ‬بديل،‭ ‬مُطَمئِنَة،‭ ‬بأن‭ ‬المستقبل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مختلفًا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬حقائق‭ ‬التاريخ‭ ‬والميول‭ ‬البشرية‭... ‬إجابات‭ ‬لا‭ ‬تغفل‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬دائمًا،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬حتمية؛‭ ‬وأن‭ ‬المصالح‭ ‬المادية‭ ‬باتت‭ ‬المحرك‭ ‬القوي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬ولكن‭ ‬أين‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقيم‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمخاوف‭ ‬المشتركة؟

تساؤلات‭ ‬نطرحها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬معقد،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬التبسيط‭ ‬أو‭ ‬المثالية،‭ ‬ولا‭ ‬تعزز‭ ‬الشعور‭ ‬باليأس‭.‬

هناك‭ ‬حقائق‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬اليوم‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الموارد‭ ‬والثروة‭ ‬والنفوذ،‭ ‬وإن‭ ‬المنافسات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المستمرة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الدائرة؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬وأنواع‭ ‬الصراعات‭ ‬السابقة،‭ ‬مثال‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬قرنين‭ ‬بهدف‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب؛‭ ‬وحرب‭ ‬الأفيون‭ ‬التي‭ ‬حطمت‭ ‬الشعب‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬قرن‭ ‬كامل‭ ‬كمثال‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬تحول‭ ‬التجارة‭ ‬إلى‭ ‬عدوان،‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬المحك‭... ‬ومثال‭ ‬حروب‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬إفريقيا‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الذهب‭ ‬والماس‭ ‬والعبيد؛‭ ‬والصراع‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬النيل‭ ‬وحوض‭ ‬نهري‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭ ‬اليوم‭ ‬كمثال‭ ‬صارخ‭ ‬على‭ ‬حروب‭ ‬السيطرة‭ ‬السياسية‭ ‬والنفوذ‭ ‬الاستراتيجي؛‭ ‬والحرب‭ ‬الباردة‭ ‬كمنافسة‭ ‬استراتيجية‭ ‬بين‭ ‬قطبين‭ ‬عالميين‭. ‬وهناك‭ ‬مئات‭ ‬الأمثلة‭ ‬متعددة‭ ‬الدلالات‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والموارد‭ ‬والمنافسة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬والحاضر‭.‬

حروب‭ ‬تصف‭ ‬نفسها‭ ‬بأنها‭ ‬للهيمنة،‭ ‬وإن‭ ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بهزيمة‭ ‬الضعفاء‭... ‬ألا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتفكيك‭ ‬الوعي‭ ‬الزائف‭ ‬حول‭ ‬الحروب،‭ ‬وإيجاد‭ ‬مفهوم‭ ‬عادل‭ ‬للسلام؟

قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الحروب‭ ‬قَدَرًا‭ ‬محتومًا،‭ ‬ولكن‭ ‬تَجنُّبِها‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أنظمة‭ ‬حوكمة‭ ‬عالمية‭ ‬عادلة،‭ ‬وبناء‭ ‬منظومة‭ ‬مبادئ‭ ‬أخلاقية‭ ‬مُلزمة‭ ‬تعزز‭ ‬التفاهم‭ ‬والحوار‭ ‬بين‭ ‬الثقافات،‭ ‬والاهتمام‭ ‬الجاد‭ ‬بمعالجة‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭ ‬للصراعات‭ ‬كالفقر‭ ‬وعدم‭ ‬المساواة،‭ ‬والاستعمار‭.‬

التاريخ‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬والتطور،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬السلام‭ ‬ممكناً؛‭ ‬وهذا‭ ‬منطق‭ ‬تفاؤلي‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ ‬مُلِح‭: ‬هل‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬ستتجاوز‭ ‬البشرية‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬منطق‭ ‬الحرب؟

تصاعد‭ ‬العنف‭ ‬والصراعات

‭ ‬وسقوط‭ ‬الثنائية‭ ‬القطبية

يشير‭ ‬المفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدكتور‭ ‬حكيم‭ ‬بن‭ ‬حمودة‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬‮«‬الجنوب‭ ‬الكبير‭ ‬ورحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬جديد‮»‬‭ (‬منشورات‭ ‬نيرفانا‭ ‬2025‭) ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬بدأت‭ ‬تشكل‭ ‬ظاهرة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬القطبية‭ ‬الثنائية‭ ‬والحرب‭ ‬الباردة‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ستعرف‭ ‬تصاعداً‭ ‬كبيراً‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬لتصبح‭ ‬إحدى‭ ‬ركائز‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬وهنا‭ ‬يذكر‭ ‬بن‭ ‬حمودة‭ ‬الفرضية‭ ‬التي‭ ‬قدّمها‭ ‬الوزير‭ ‬اللبناني‭ ‬الدكتور‭ ‬غسان‭ ‬سلامة‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬سنة‭ ‬2024‭ ‬حول‭ ‬إشارته‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬سنة‭ ‬2003‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬فيما‭ ‬أسماه‭ (‬la‭ ‬deregulation‭ ‬de‭ ‬la‭ ‬violence‭) ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬استعمال‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‮»‬‭.‬

ويعود‭ ‬بن‭ ‬حمودة‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أسهمت‭ ‬‮«‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الحروب‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وفتحت‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬مباشرة‭ ‬وحروب‭ ‬متعددة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬آلة‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬تنخرط‭ ‬‮«‬في‭ ‬مسار‭ ‬تاريخي‭ ‬انطلق‭ ‬مع‭ ‬سقوط‭ ‬القطبية‭ ‬الثنائية‭ ‬وانهيار‭ ‬الضوابط‭ ‬وإزالة‭ ‬القيود‭ ‬أمام‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الغاشمة‭ ‬والمدمرة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الحروب،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬إلى‭ ‬إبادات‭ ‬جماعية‭ ‬ضد‭ ‬الشعوب‭ ‬والمدنيين‭ ‬العزل‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬جاء‭ ‬استنتاج‭ ‬بن‭ ‬حمودة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬جاءت‭ ‬‮«‬لتذكرنا‭ ‬بهذا‭ ‬الشرخ‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬حُلم‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬والمبادئ‭ ‬الكونية‭ ‬للديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وواقع‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬كما‭ ‬تنبأ‭ ‬بها‭ ‬صامويل‭ ‬هنتنغتون‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬الحضارات‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬والحدة‭ ‬والقوة‭ ‬والهيمنة‮»‬‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

إذن‭ ‬تعاني‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬نظام‭ ‬الثنائية‭ ‬القطبية،‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭ ‬كَرَّسَت‭ ‬منطق‭ ‬الهيمنة‭ ‬والعنف‭ ‬والغزو‭ ‬لصالح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬والنظام‭ ‬الأحادي‭ ‬القطبية؛‭ ‬فهل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬سيحقق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬العالم؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يعمل‭ ‬بإصرار‭ ‬وتعمُّد‭ ‬على‭ ‬إفشال‭ ‬بزوغ‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬عادل‭ ‬لاحقاً؟

النظام‭ ‬الدولي‭ ‬وعقلية‭ ‬

الاستعمار‭ ‬الفاعلة

مع‭ ‬الحذر‭ ‬من‭ ‬وعود‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬التغيير،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬رغم‭ ‬هيمنة‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬صعودا‭ ‬لقوى‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬تُغَيّر‭ ‬المعادلة؛‭ ‬وإن‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي‭ ‬بالمشكلة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بداية‭ ‬الحل،‭ ‬وإن‭ ‬كشف‭ ‬الخلل‭ ‬هو‭ ‬أولى‭ ‬خطواته‭.‬

ولكن،‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬لا‭ ‬تُبدِي‭ ‬مؤشرات‭ ‬امتلاكها‭ ‬لأدوات‭ ‬تغيير‭ ‬المعادلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬فاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭... ‬فلا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الحرب،‭ ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬التغيير؟‭ ‬

إن‭ ‬فاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬يبررها‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬والمعاصرة‭. ‬وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الفاعلية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أنماط‭ ‬الهيمنة‭ ‬القديمة‭ ‬بأشكال‭ ‬حديثة،‭ ‬مثال‭: ‬الاستعمار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الموارد،‭ ‬والحروب‭ ‬بالوكالة،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬قوى‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشعوب‭.‬

أما‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وهيئاتها‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬توازنات‭ ‬ومصالح‭ ‬القوى‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حيث‭ ‬يُستخدم‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬غالباً‭ ‬لحماية‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية،‭ ‬فقد‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصراعات‭ ‬أمراً‭ ‬واقعاً،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬المنظمة،‭ ‬وبدء‭ ‬العد‭ ‬التنازلي‭ ‬على‭ ‬تحييد‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬قادم‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭.‬

لكن‭ ‬نعود‭ ‬للقول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬بأكمله‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتغيير،‭ ‬حيث‭ ‬صعود‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‮ ‬‭(‬الصين،‭ ‬الهند،‭ ‬البرازيل‭...) ‬قد‭ ‬يُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي؛‭ ‬وحيث‭ ‬قوة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‮ ‬وتأثير‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬باتت‭ ‬عوامل‭ ‬ضغط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها؛‭ ‬وحيث‭ ‬إن‭ ‬المقاومة‭ ‬عبر‭ ‬الوسائل‭ ‬السلمية‭ ‬تظهر‭ ‬فعالية‭ ‬متزايدة،‭ ‬وبعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬مثال‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية،‭ ‬رغم‭ ‬محدوديتها،‭ ‬تضع‭ ‬مسائله‭ ‬رمزية‭ ‬لتجاوزات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬هنا‭:‬‮ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬فاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬أم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬موازية‭ ‬جديدة؟

لربما‭ ‬التغيير‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬توحيد‭ ‬جهود‭ ‬‮«‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬قطبية‭ ‬جديدة،‭ ‬واستمرار‭ ‬فضح‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي،‭ ‬وبناء‭ ‬تحالفات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الآيديولوجيات‭... ‬فهل‭ ‬يكفي‭ ‬هذا‭ ‬ليكون‭ ‬رادعاً‭ ‬تاماً،‭ ‬أو‭ ‬كابحاً‭ ‬لأنانية‭ ‬الغرب‭ ‬وفوقية‭ ‬مصالحها؟‭... ‬وما‭ ‬مدى‭ ‬إمكانية‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التغيير؟

فاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭ ‬

وانزياح‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة

هذا‭ ‬موقف‭ ‬واقعي‭ ‬يستحق‭ ‬بحث‭ ‬أعمق‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬رادع‭ ‬حقيقي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬القيادة،‭ ‬لننتقل‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬هل‭ ‬سيحدث‭ ‬تغيير؟‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬التغيير‭ ‬وهل‭ ‬سيكون‭ ‬عادلاً؟

في‭ ‬تحليل‭ ‬موضوعي‭ ‬وشديد‭ ‬الواقعية‭ ‬لفاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتبلور‭ ‬صارخاً‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تتويجها‭ ‬بإنشاء‭ ‬مواثيق‭ ‬بديلة‭ ‬لميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬والصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التغيير‭ ‬قادم،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس؛‭ ‬باتجاه‭ ‬ازاحة‭ ‬المنظمة‭ ‬الأممية،‭ ‬وتحييد‭ ‬دور‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬وأعضائه،‭ ‬وبدء‭ ‬مرحلة‭ ‬متميزة‭ ‬بنوعية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬ونمط‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات،‭ ‬التي‭ ‬ستأخذ‭ ‬مساراً‭ ‬نحو‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬المباشرة،‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬اللاعدالة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

لهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬صعود‭ ‬قوى‭ ‬شرقية‭ ‬جديدة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬قد‭ ‬يخلق تعددية‭ ‬قطبية،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬بالضرورة‭ ‬نظاماً‭ ‬دولياً‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬أو‭ ‬سلاماً‭... ‬هذه‭ ‬احتمالية‭ ‬يجب‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬فاعلية‭ ‬العقلية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬في‭ ‬الهيمنة،‭ ‬والتوسع‭ ‬العسكري،‭ ‬والاستغلال‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وقد‭ ‬نشهد‭ ‬تنافساً‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬أقطاب‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والموارد‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬جديد؛‭ ‬وكما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬قد‭ ‬يتم‭ ‬تقسيم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ،‭ ‬ولكن‭ ‬بتركيبة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬والتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬هنا‮ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على سيادتها‭ ‬الاقتصادية،‮ ‬وقدراتها‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬بنِدّيَة‭.‬

فهل‭ ‬تمتلك‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬القوة‭ ‬اللازمة‭ ‬لبناء‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد؟

إجمالاً،‭ ‬العرب‭ ‬اليوم‭ ‬يرفضون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا بين‭ ‬مطرقة‭ ‬فاعلية‭ ‬عقلية‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬وسندان‭ ‬هيمنة‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬العدالة‭... ‬والمعضلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬قطبين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬لاستعادة‭ ‬الإرادة‭ ‬المستقلة والتفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬النِدّيَة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الأقطاب؛‭ ‬لنكرر‭ ‬سؤالنا‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سبيل‭ ‬العرب‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقلالية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سلام‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬الصاعدة،‭ ‬وليس‭ ‬سلام‭ ‬الأقوياء‭ ‬المفروض‭ ‬بالنار‭ ‬والدمار؟

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا