زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الفريزر ليس مكانا آمنا
أقمت قبل أعوام في فندق في منطقة لانكستر غيت في لندن، وفوجئت بأن في محيط الفندق العديد من اللافتات باللغة العربية تقول «احذروا النشالين»، ولم تكن هناك لافتة بنفس المعنى بأي لغة أخرى، ما عنى لي ان الخطاب موجه للعرب فقط، ذلك أن أسهل الأهداف بالنسبة للصوص في لندن هم أولئك الذين «يستعرضون» عضلاتهم المالية ويتصرفون كأنهم يملكون ماكينات لطباعة الدولارات والاسترليني، ففي منطقة بايزووتر وكوينزواي وشارع ادجوير، وهي المناطق العربية «المحررة» في العاصمة البريطانية، حيث يقضي السياح العرب معظم أوقاتهم في شرب الشيشة وأكل سندويتشات الشاورما ينشط اللصوص والنشالون، فهناك اعتقاد بأن العرب «يلعبون بالفلوس لعب»، ويحملون في جيوبهم أطنانا من العملات الورقية. وأستعيد هنا حكاية سيدة من مدينة الدمام السعودية، خبأت عقدا ثمينا تقدر قيمته بمائة الف ريال داخل دجاجة مجمدة في فريزر الثلاجة. وسافرت وكلفت أختها بـ«تفقد» البيت خلال سفرها، وبكل وفاء وهمة ظلت الأخت تزور بيت أختها المسافرة للاطمئنان على ان كل شيء فيه تمام التمام، ثم عادت السيدة المسافرة الى بيتها، وكان أول ما فكرت فيه هو الدجاجة الماسية، وفتحت الفريزر ثم صرخت وترنحت: يا لهوي الدياية طارت.. وين الدياية؟ هنا هدأت الأخت التي كانت تشرف على البيت من روع أختها وقالت لها: أفا عليكي، شدعوه تصيحين على دياية؟ فشَّلتينا مسوية مأتم على دياية.. أنا أجيب لك بدل الواحدة عشرة.. ومطبوخة بعد.. أنا مسوية حسابكم في الأكل! ولكن السيدة واصلت الصراخ حزنا على الدجاجة المفقودة، وشيئا فشيئا هدأت وسألت أختها ماذا فعلت بالدجاجة اللي كانت في الفريزر، فقالت لها ان الكهرباء انقطعت قبل أيام، وأنها اكتشفت ان بالفريزر دجاجة نتنة الرائحة فقامت برميها خارج البيت في مقلب القمامة، مع بقية الأطعمة المتعفنة!! قبل عدة أيام؟ يعني مفيش أمل أننا نقلب برميل الزبالة في الشارع فوق تحت منشان نحصل العقد؟ مفيش أمل يا ست، لأن جماعة البلدية ينقلون القمامة أول بأول وبالتأكيد شالوا دجاجتك ام مجوهرات ورموها في المحرقة «لأن اللي ما يعرف الصقر يشويه»! ربنا يعوضك يا ست، فمصابك أليم، والحذر لا يمنع القدر، ولا أمل لك في تعويض الخسارة إلا برفع دعوى على جماعة الكهرباء، فلولا انقطاع التيار لما تعفنت الدجاجة، ولولا تعفن الدجاجة بسبب انقطاع التيار لما ألقت الأخت بالمجوهرات في الزبالة.
حدث أمر مماثل قبل سنوات مع سيدة سعودية تركت نحو 200 الف ريال كاش في الفريزر وسافرت، وأثناء تفقد شقيقها لبيتها اكتشف ان انقطاع الكهرباء أدى الى تلف الطعام المخزون في الثلاجة بل الى إصابة الثلاجة نفسها بعطب تام فرمى الثلاجة بأكملها في الزبالة، وعادت أخته من الإجازة وكادت ترمي به في الزبالة، وأذكر انني وفي ذات منعطف تاريخي في حياتي، تسلمت اكثر من مائتي جنيه كانت «فروقات» علاوات متأخرة، ولم أكن وقتها أثق بالبنوك، وفي البيت تلفتُّ باحثا عن مكان أمين أخبئ فيه نقودي، واكتشفت ان البيت «على بعضه» ليس مكانا آمنا. وأخيرا خبأت النقود داخل حذاء قديم انتهى أمد صلاحيته، الى ان جاء يوم ولم أجد الحذاء.. فأصبحت ادخل واخرج من غرف البيت كالمجنون، ولاحظت شقيقتي حالة الذهول التي كنت فيها وسألتني عما بي، فتوكلت على الله، وأخبرتها بحكاية النقود التي في البرطوش، فقالت: تديني كم لو لقيتها؟ عرضت عليها خمسة جنيهات فرفضت وظلت تساوم حتى حصلت على وعد بـ30 جنيها، واتضح أنها عثرت على الحذاء فأخرجته من الغرفة ووضعته في صندوق كرتون توطئة لرميه في الزبالة من دون ان تعرف بأمر النقود. وزعلت من نفسي لأنني لو اكتفيت بسؤالها عن الجزمة من دون أن أكلمها عن النقود التي بداخلها لما طارت مني 30 جنيها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك