العدد : ١٧٤٦٥ - الجمعة ١٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٥ - الجمعة ١٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اللهم أبعد عنا نظراء كارلوس

أخوض‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬تنشئة‭ ‬الصغار،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أزعم‭ ‬أنني‭ ‬بلغت‭ ‬درجة‭ ‬الكمال‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬عيالي،‭ ‬ولكنني‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬متكئا‭ ‬على‭ ‬تجاربي‭ ‬الخاصة‭ ‬وتجارب‭ ‬الآخرين‭ ‬وقراءاتي،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬أضيء‭ ‬شمعة‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭. ‬وكلما‭ ‬قرأ‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬حكايات‭ ‬الأولاد‭ ‬الجانحين،‭ ‬ومنهم‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬حكمت‭ ‬عليه‭ ‬محكمة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬بتسعمائة‭ ‬جلدة‭ (‬نعم‭ ‬9‭ ‬وأمامها‭ ‬صفران‭=‬900‭) ‬وثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬سجنا‭ ‬لأنه‭ ‬أساء‭ ‬معاملة‭ ‬والده،‭ ‬حمد‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عياله‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الشاكلة،‭ ‬وتمنى‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الأولاد‭ ‬يدركون‭ ‬مدى‭ ‬قوة‭ ‬عاطفتي‭ ‬الأمومة‭ ‬والأبوة،‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬والد‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬العاق‭ ‬يجاهد‭ ‬لإقناع‭ ‬المحكمة‭ ‬بإسقاط‭ ‬العقوبة‭ ‬عن‭ ‬ابنه‭!! ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭ ‬بأنه‭ ‬ربى‭ ‬أو‭ ‬أنشأ‭ ‬عياله‭ ‬بالطريقة‭ ‬الصحيحة؟‭ ‬قد‭ ‬تقول‭: ‬أنا‭ ‬ربيت‭ ‬عيالي‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الصحيحة‭ ‬وغرست‭ ‬فيهم‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق‭ ‬وجعلتهم‭ ‬يدركون‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مباح‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬محرم،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬معهم‭ ‬لينا‭ ‬فأُعصر‭ ‬ولا‭ ‬يابسا‭ ‬فأُكسر‭! ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬وبذلت‭ ‬كل‭ ‬جهد‭ ‬ممكن‭ ‬لينشأ‭ ‬عيالك‭ ‬متمتعين‭ ‬بالعافية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والجسدية،‭ ‬ولكن‭ ‬مصيبتنا‭ ‬جميعا‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬صارت‭ ‬هناك‭ ‬أطراف‭ ‬كثيرة‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬العيال‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬سلوكهم‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬الأمهات‭ ‬والآباء‭ ‬غافلون‭ (‬بحسن‭ ‬نية‭)‬،‭ ‬فكم‭ ‬منا‭ ‬علم‭ ‬عياله‭ ‬حسن‭ ‬الأدب‭ ‬وآداب‭ ‬التخاطب،‭ ‬ثم‭ ‬صعق‭ ‬عندما‭ ‬عاد‭ ‬صغيره‭ ‬من‭ ‬المدرسة،‭ ‬ولما‭ ‬ناكفه‭ ‬أحد‭ ‬إخوته‭ ‬تلفظ‭ ‬بكلمة‭ ‬نابية‭ ‬وقذرة‭ ‬غير‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬القاموس‭ ‬العائلي‭! ‬وكم‭ ‬منا‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭: ‬ماما‭/‬بابا،‭ ‬كيف‭ ‬أتيت‭ ‬إلى‭ ‬الدنيا؟‭ ‬قد‭ ‬نقدم‭ ‬إجابة‭ ‬صادقة‭ ‬ولكن‭ ‬ليست‭ ‬شافية‭: ‬ربنا‭ ‬أعطانا‭ ‬إياك‭. ‬ثم‭ ‬يجد‭ ‬عند‭ ‬زملاء‭ ‬الدراسة‭ ‬إجابة‭ ‬مختلفة‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬وتكون‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأمر‭ ‬مشوهة‭ ‬تثير‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬ألف‭ ‬سؤال‭ ‬وسؤال‭!! ‬وكم‭ ‬منا‭ ‬زجر‭ ‬صغيره‭ ‬لأنه‭ ‬أراد‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬السرير‭ ‬مع‭ ‬الأم‭ ‬والأب‭: ‬عيب‭ ‬أنت‭ ‬كبير‭ ‬ولازم‭ ‬تنام‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬لحالك‭!! ‬فيتساءل‭ ‬الصغير‭ ‬بكل‭ ‬براءة‭: ‬طيب‭ ‬وليش‭ ‬وأنتم‭ ‬كبار‭ ‬تنامون‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬السرير؟‭ ‬فنتلجلج‭ ‬ونلف‭ ‬وندور‭ ‬ولا‭ ‬نقدم‭ ‬له‭ ‬تفسيرا‭ ‬أو‭ ‬تبريرا‭ ‬شافيا،‭ ‬‮«‬لأنه‭ ‬صغير‭ ‬ولن‭ ‬يفهم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‮»‬،‭ ‬وبعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭ ‬نكتشف‭ ‬أنه‭ ‬جمع‭ ‬معلومات‭ ‬حول‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬الأشياء‮»‬‭ ‬من‭ ‬رصفائه،‭ ‬وأن‭ ‬معلوماته‭ ‬تلك‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬خطأ،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تسبب‭ ‬له‭ ‬عقدة‭ ‬نفسية‭ ‬لأننا‭ ‬غرسنا‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬الأشياء‮»‬‭ ‬عيب،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشرح‭ ‬له‭ ‬متى‭ ‬وكيف‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬عيبا‭!! ‬وما‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬ينسف‭ ‬جهودنا‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬العيال‭ ‬كالتلفزيون‭ ‬ومنصة‭ ‬يوتيوب‭ ‬وتيك‭ ‬توك،‭ ‬فعلى‭ ‬الشاشات‭ ‬يرى‭ ‬الصغير‭ ‬أو‭ ‬الصغيرة‭ ‬كل‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬وصمناها‭ ‬بالقبح‭ ‬والحرام‭ ‬وهي‭ ‬تمارس‭ ‬وكأنها‭ ‬نشاط‭ ‬يومي‭ ‬عادي‭!! ‬دعك‭ ‬من‭ ‬الكبائر‭ ‬والرذائل،‭ ‬وانظر‭ ‬كيف‭ ‬صار‭ ‬بعض‭ ‬شباب‭ ‬العرب‭ ‬يرفضون‭ ‬ليس‭ ‬الغترة‭ ‬أو‭ ‬العمامة‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬باستعراض‭ ‬الشعر‭ ‬المدهون‭ ‬‮«‬المكوي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬رسم‭ ‬كل‭ ‬خصلة‭ ‬شعر‭ ‬وتشكيلها‭ ‬بطريقة‭ ‬معينة‭!! ‬والبنات‭ ‬اللواتي‭ ‬صرن‭ ‬هياكل‭ ‬عظمية،‭ ‬مثلهن‭ ‬الأعلى‭ ‬مغنية‭ ‬أو‭ ‬راقصة‭ ‬أو‭ ‬مذيعة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التغذية‭ ‬وسوء‭ ‬التربية‭!! ‬وقد‭ ‬تحرم‭ ‬عيالك‭ ‬من‭ ‬مشاهدة‭ ‬قنوات‭ ‬الرذيلة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تلقي‭ ‬بجهاز‭ ‬التلفزيون‭ ‬في‭ ‬مقلب‭ ‬القمامة،‭ ‬ولكن‭ ‬الصغار‭ ‬سيشاهدون‭ ‬كل‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬حرموا‭ ‬منها‭ ‬أثناء‭ ‬زيارتهم‭ ‬لأصدقائهم‭ ‬وخالاتهم‭ ‬وعماتهم‭ ‬وفي‭ ‬المقاهي‭ ‬والمطاعم‭ ‬والإنترنت‭!! ‬وفي‭ ‬ولاية‭ ‬فلوريدا‭ ‬الأمريكية‭ ‬تلقت‭ ‬الشرطة‭ ‬معلومات‭ ‬بأن‭ ‬شخصا‭ ‬ما‭ ‬اتفق‭ ‬مع‭ ‬قاتل‭ ‬مأجور‭ ‬لقتل‭ ‬امرأة،‭ ‬وتحركت‭ ‬الشرطة‭ ‬بنشاط‭ ‬وعرفت‭ ‬أن‭ ‬كارلوس‭ ‬تشيريزا‭ ‬دفع‭ ‬ألفي‭ ‬دولار‭ ‬للقاتل‭ ‬المأجور‭ ‬لقتل‭ ‬أمه،‭ ‬وقال‭ ‬للقاتل‭ ‬افعل‭ ‬ما‭ ‬تراه‭ ‬مناسبا‭ ‬لقتل‭ ‬أُمي‭.. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أحرقت‭ ‬البيت‭.. ‬بس‭ ‬إياك‭ ‬أن‭ ‬تمس‭ ‬جهاز‭ ‬التلفزيون‭ ‬بأذى‭.. ‬كارلوس‭ ‬في‭ ‬العاشرة،‭ ‬وقرر‭ ‬قتل‭ ‬أمه‭ ‬لأنها‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭ ‬مشاهدة‭ ‬التلفزيون‭ ‬بعد‭ ‬العاشرة‭ ‬مساء‭.. ‬وطالما‭ ‬أننا‭ ‬نتعولم‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭ ‬فسيظهر‭ ‬كارلوسات‭ ‬عرب‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الأيام‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا