انقطعت إيران عن العالم الخارجي إلى حد كبير أمس بعد أن أوقفت السلطات خدمة الإنترنت للحد من اتساع نطاق الاحتجاجات، وأظهر مقطع فيديو أبنية ومركبات تشتعل فيها النيران خلال احتجاجات مناهضة للحكومة خرجت إلى الشوارع في عدة مدن.
ووثقت منظمات حقوق الإنسان بالفعل عشرات الوفيات بين المتظاهرين في غضون أسبوعين تقريبا. وبينما أظهر التلفزيون الإيراني الرسمي الاشتباكات والحرائق، ذكرت وكالة أنباء تسنيم شبه الرسمية أن عددا من أفراد الشرطة قتلوا خلال الليل. وتعهد الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في خطاب بثه التلفزيون بعدم التراجع، واتهم المحتجين بأنهم يتصرفون نيابة عن جماعات المعارضة في المهجر والولايات المتحدة. وهدد مدع عام بتنفيذ إعدامات.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الجمعة إن إيران في «ورطة كبيرة» في خضم الاحتجاجات الشعبية الواسعة، وحذّر مجددا من أنه قد يأمر بشن ضربات عسكرية. وصرّح ترامب «إيران في ورطة كبيرة. يبدو لي أن الشعب بصدد السيطرة على مدن معينة، لم يكن أحد يعتقد أن ذلك ممكن قبل أسابيع قليلة فقط». وردا على سؤال حول رسالته إلى قادة إيران، قال: «من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضا». وأضاف ترامب «إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فسنتدخل». وتابع «هذا لا يعني إرسال قوات برية، بل يعني ضربهم بقوة شديدة في موضع الألم».
واندلعت الاحتجاجات لأسباب اقتصادية، لكنها اتسعت لاحقا لتشمل ترديد شعارات مباشرة ضد السلطات.
وقالت منظمة «نتبلوكس» التي ترصد الاتصال بالشبكات الرقمية في العالم: إن السلطات الإيرانية قطعتها بالكامل منذ مساء الخميس، واضعة ذلك في إطار «محاولة لقمع احتجاجات واسعة النطاق». وأدى انقطاع الإنترنت إلى تراجع حجم المعلومات المتداول، وتعذر الاتصال هاتفيا بمن هم في إيران. وأظهر الموقع الإلكتروني لمطارات دبي إلغاء 17 رحلة جوية على الأقل بين دبي وإيران.
وشهدت شوارع مدن إيرانية أبرزها طهران ومشهد تظاهرات حاشدة ليل الخميس، ردد المشاركون فيها شعارات سياسية منها «الموت للديكتاتور». وكانت تحركات أمس الاول الأكبر منذ بدء الاحتجاجات بإضرابات للتجار في 28 ديسمبر. وأظهرت صور نشرتها وسائل إعلام رسمية خلال الليل ما قالت إنها حافلات وسيارات ودراجات نارية تحترق، إضافة إلى حرائق في محطات مترو وبنوك. واتهمت (منظمة مجاهدي خلق) بالوقوف وراء الاضطرابات.
ونقل التلفزيون الرسمي عن رئيس بلدية طهران قوله: إن أكثر من 42 حافلة ومركبة عامة وسيارات إسعاف أُضرمت فيها النيران، إلى جانب عشرة مبان عامة.
وقال صحفي من التلفزيون الرسمي، وهو يقف أمام الحرائق في شارع شريعتي بمدينة رشت المطلة على بحر قزوين: «تبدو هذه كأنها منطقة حرب، دُمرت جميع المتاجر».
وأظهرت مقاطع فيديو، تحققت رويترز من أنها التقطت في العاصمة طهران، مئات الأشخاص وهم يشاركون في مسيرة. وسُمعت امرأة في أحد هذه المقاطع وهي تردد هتاف «الموت لخامنئي!». ورددت هتافات أخرى شعارات تدعم نظام الشاه.
وقالت منظمة هنجاو الكردية لحقوق الإنسان: إن مسيرة احتجاجية خرجت بعد صلاة الجمعة في زاهدان، وأغلب سكانها من أقلية البلوش، قوبلت بإطلاق نار أسفر عن إصابة عدة أشخاص.
وأظهرت مقاطع أخرى احتجاجات كبيرة في مدن منها تبريز في الشمال الغربي، وكذلك في مناطق بغرب البلاد حيث تتركز الأقلية الكردية. وبحسب مقاطع تمّ تداولها على الانترنت، أضرم محتجون النار في بهو مقر التلفزيون الرسمي في مدينة أصفهان (وسط). كما بدت في مقاطع أخرى ألسنة لهب في مبنى المحافظة في شازند، مركز المحافظة المركزية (وسط) مع تجمع محتجين خارج المبنى.
واتهمت منظمات حقوقية السلطات بإطلاق النار على متظاهرين خلال الاحتجاجات الحالية، ما أسفر عن مقتل 45 شخصا على الأقل، وفق منظمة «إيران هيومن رايتس» التي تتخذ من النرويج مقرا.
في المقابل، بثّ التلفزيون الرسمي أمس، مشاهد لآلاف الأشخاص يشاركون في تظاهرات مضادّة ويرفعون شعارات مؤيّدة للسلطات في عدد من المدن الإيرانية.
وحاولت السلطات اتباع نهج مزدوج، إذ وصفت الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية بأنها مشروعة، فيما نددت بمن تصفهم بمثيري الشغب الذين ينتهجون العنف وشددت إجراءاتها عبر قوات الأمن. وحث الرئيس مسعود بزشكيان في الأسبوع الماضي السلطات على اتباع «نهج يتسم بالرحمة والمسؤولية»، وقدمت الحكومة حوافز مالية متواضعة للمساعدة في مواجهة تفاقم الفقر مع ارتفاع التضخم.
ولكن مع انتشار الاحتجاجات وتزايد حدة الاشتباكات، استخدم الزعيم الأعلى، صاحب القول الفصل في إيران، لهجة أشد في خطابه أمس. وقال: «وصلت الجمهورية الإسلامية إلى السلطة بدماء مئات الآلاف من الشرفاء. ولن تتراجع أمام المخربين».
واعتبر خامنئي أن يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «ملطختان بدماء أكثر من ألف إيراني»، في إِشارة ضمنية إلى ضحايا الحرب التي شنّتها إسرائيل على إيران في يونيو، وساندتها فيها الولايات المتحدة. وأكد في الخطاب الذي بثه التلفزيون الرسمي، أن ترامب «المتعجرف» سوف «يسقط»، على غرار السلالات الملكية التي حكمت إيران حتى انتصار ثورة عام 1979. وقال المدعي العام في طهران: إن من يرتكبون أعمال تخريب أو يحرقون الممتلكات العامة أو يشاركون في اشتباكات مع قوات الأمن سيواجهون عقوبة الإعدام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك