الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
الصين.. تجربة وصناعة المواهب
لطالما رددنا المقولة الشهيرة: «اطلبوا العلم ولو في الصين» في إشارة إلى أهمية العلم والتعلم وإن كان بعيدا.. كبعد المسافة في السفر بين أي دولة عربية والصين.. ولكن مع تطور الأيام وتعاقب الأزمان، يبدو أن تلك المقولة الشهيرة يجب أن يتم تعديل صياغتها ونقول: «اطلبوا العلم من الصين».
لو اشتريت أي بضاعة ستجد أن للصين بضائع مثلها.. لو سافرت إلى أي دولة وإن كانت في غابات الأمازون أو جبال إفريقيا ستجد سائحا صينيا هناك.. لو وجدت أن العالم اكتشف جهازا جديدا ستجد أن الصين صنعت جهازا شبيها له وأرخص منه في اليوم التالي.. لو تجولت في شوارع أي عاصمة ستجد علامة صينية موجودة.. مؤخرا تم تدشين «شركة صينية» لتوصيل الطلبات في المنطقة والبحرين.. الصين موجودة في كل مكان.. وتصنع كل شيء.
الصين موجودة في التاريخ، ومؤثرة في الحاضر، وحجزت مكانا بارزا في المستقبل مبكرا.. لها ثقل سياسي وحجم اقتصادي، وتقدم عسكري وتطور تكنولوجي وحضور دولي، لا أدري لماذا نركز على الدول الأوروبية عند حديثنا عن التقدم وننسى الصين؟؟
بالأمس قرأت للأستاذ «محمد سالم» موضوعا عن التجربة الصينية في استقطاب المواهب، حيث يقول: في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أصبحت المواهب البشرية محور التنافس بين الدول، بعد أن تراجع دور الموارد التقليدية لمصلحة العقل المبدع القادر على إنتاج المعرفة والابتكار، وفي هذا الإطار، تبرز التجربة الصينية كأحد أبرز النماذج العالمية في بناء منظومة متكاملة لاستقطاب الكفاءات المحلية والدولية وتوظيفها في خدمة التنمية طويلة المدى.
لقد بدأت الصين مسيرتها التنموية معتمدة على اليد العاملة منخفضة الكُلفة، ما جعلها مصنع العالم لعقود، لكن مع ارتفاع الأجور وتزايد المنافسة الدولية، أدركت القيادة الصينية ضرورة الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة، ووضع رأس المال البشري في مقدمة الأولويات الوطنية، ومن هنا تبنت الدولة رؤية تعتبر المواهب مورداً استراتيجياً يعادل في أهميته الموارد الطبيعية.
وترجمت هذه الرؤية عبر سياسات وبرامج وطنية واسعة، لم تترك فيها مسألة جذب المواهب لقوى السوق وحدها، بل تدخلت مباشرة من خلال تمويل سخي، وحوافز متنوعة، وبناء أطر مؤسسية تربط بين الحكومة والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص.
ويُعدّ ((برنامج الألف موهبة)) مثالاً بارزاً، إذ استهدف استعادة العقول الصينية المهاجرة، وجذب خبرات عالمية مرموقة، مقدماً لهم رواتب تنافسية، ودعماً بحثياً كبيراً، وتسهيلات إدارية تُعزّز قدرتهم على الابتكار، كما أولت اهتماماً خاصاً بالشباب وروّاد الأعمال في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، إدراكاً منها بأن بناء قاعدة واسعة من الكفاءات الشابة، هو مفتاح المنافسة المستقبلية، وتزامن ذلك مع استثمارات ضخمة في الجامعات ومراكز البحث، ما أسهم في صعودها عالمياً، وزيادة إنتاجها العلمي وبراءات الاختراع.
لقد أثمرت جهود الصين عن نجاحات واضحة، انعكست في التقدم السريع للصين في مجالات علمية وتكنولوجية متعددة، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأكثر فاعلية لبناء اقتصاد قوي ومنافس عالمياً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك