العدد : ١٧٥١٢ - الأربعاء ٠٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٢ - الأربعاء ٠٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الصين.. تجربة وصناعة المواهب

لطالما‭ ‬رددنا‭ ‬المقولة‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬اطلبوا‭ ‬العلم‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬الصين‮»‬‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬العلم‭ ‬والتعلم‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بعيدا‭.. ‬كبعد‭ ‬المسافة‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬بين‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬والصين‭.. ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الأيام‭ ‬وتعاقب‭ ‬الأزمان،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المقولة‭ ‬الشهيرة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تعديل‭ ‬صياغتها‭ ‬ونقول‭: ‬‮«‬اطلبوا‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬الصين‮»‬‭.‬

لو‭ ‬اشتريت‭ ‬أي‭ ‬بضاعة‭ ‬ستجد‭ ‬أن‭ ‬للصين‭ ‬بضائع‭ ‬مثلها‭.. ‬لو‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬غابات‭ ‬الأمازون‭ ‬أو‭ ‬جبال‭ ‬إفريقيا‭ ‬ستجد‭ ‬سائحا‭ ‬صينيا‭ ‬هناك‭.. ‬لو‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬اكتشف‭ ‬جهازا‭ ‬جديدا‭ ‬ستجد‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬صنعت‭ ‬جهازا‭ ‬شبيها‭ ‬له‭ ‬وأرخص‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭.. ‬لو‭ ‬تجولت‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬أي‭ ‬عاصمة‭ ‬ستجد‭ ‬علامة‭ ‬صينية‭ ‬موجودة‭.. ‬مؤخرا‭ ‬تم‭ ‬تدشين‭ ‬‮«‬شركة‭ ‬صينية‮»‬‭ ‬لتوصيل‭ ‬الطلبات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والبحرين‭.. ‬الصين‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.. ‬وتصنع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

الصين‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬وحجزت‭ ‬مكانا‭ ‬بارزا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬مبكرا‭.. ‬لها‭ ‬ثقل‭ ‬سياسي‭ ‬وحجم‭ ‬اقتصادي،‭ ‬وتقدم‭ ‬عسكري‭ ‬وتطور‭ ‬تكنولوجي‭ ‬وحضور‭ ‬دولي،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬عند‭ ‬حديثنا‭ ‬عن‭ ‬التقدم‭ ‬وننسى‭ ‬الصين؟؟‭   ‬

بالأمس‭ ‬قرأت‭ ‬للأستاذ‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬سالم‮»‬‭ ‬موضوعا‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬المواهب،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬أصبحت‭ ‬المواهب‭ ‬البشرية‭ ‬محور‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬الموارد‭ ‬التقليدية‭ ‬لمصلحة‭ ‬العقل‭ ‬المبدع‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبرز‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬النماذج‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬التنمية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭.‬

لقد‭ ‬بدأت‭ ‬الصين‭ ‬مسيرتها‭ ‬التنموية‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬منخفضة‭ ‬الكُلفة،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬مصنع‭ ‬العالم‭ ‬لعقود،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور‭ ‬وتزايد‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية،‭ ‬أدركت‭ ‬القيادة‭ ‬الصينية‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬ووضع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الأولويات‭ ‬الوطنية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبنت‭ ‬الدولة‭ ‬رؤية‭ ‬تعتبر‭ ‬المواهب‭ ‬مورداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يعادل‭ ‬في‭ ‬أهميته‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭.‬

وترجمت‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬وبرامج‭ ‬وطنية‭ ‬واسعة،‭ ‬لم‭ ‬تترك‭ ‬فيها‭ ‬مسألة‭ ‬جذب‭ ‬المواهب‭ ‬لقوى‭ ‬السوق‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تدخلت‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمويل‭ ‬سخي،‭ ‬وحوافز‭ ‬متنوعة،‭ ‬وبناء‭ ‬أطر‭ ‬مؤسسية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭.‬

ويُعدّ‭ ((‬برنامج‭ ‬الألف‭ ‬موهبة‭)) ‬مثالاً‭ ‬بارزاً،‭ ‬إذ‭ ‬استهدف‭ ‬استعادة‭ ‬العقول‭ ‬الصينية‭ ‬المهاجرة،‭ ‬وجذب‭ ‬خبرات‭ ‬عالمية‭ ‬مرموقة،‭ ‬مقدماً‭ ‬لهم‭ ‬رواتب‭ ‬تنافسية،‭ ‬ودعماً‭ ‬بحثياً‭ ‬كبيراً،‭ ‬وتسهيلات‭ ‬إدارية‭ ‬تُعزّز‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬كما‭ ‬أولت‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً‭ ‬بالشباب‭ ‬وروّاد‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مثل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬إدراكاً‭ ‬منها‭ ‬بأن‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة،‭ ‬هو‭ ‬مفتاح‭ ‬المنافسة‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وتزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬صعودها‭ ‬عالمياً،‭ ‬وزيادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬العلمي‭ ‬وبراءات‭ ‬الاختراع‭.‬

لقد‭ ‬أثمرت‭ ‬جهود‭ ‬الصين‭ ‬عن‭ ‬نجاحات‭ ‬واضحة،‭ ‬انعكست‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬السريع‭ ‬للصين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬علمية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬متعددة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬لبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قوي‭ ‬ومنافس‭ ‬عالمياً‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا