مشروع الوالد كان يقوم على اكتشاف الذات لإحياء النهضة المعرفية العربية
آمن بالدولة القطرية كنواة للوحدة الحضارية العربية
كان يغضب من النقد الهدام وحذر من تديين السياسة
المكتبة الرقمية للدارة تضم حوالي 5300 مجلد كان يقتنيها الوالد
الدارة ومنصة «حكاية» على وشك تعاون ثقافي قريب
أدعو إلى طرح فكر الأنصاري في الصفوف الدراسية
منتدى تحالف مراكز الفكر القادم سوف يسلط الضوء على فكر الأنصاري
أجرى الحوار- أحمد عبدالحميد
تصوير - محمد عبدالله
في عالمٍ يموجُ بالمتغيراتِ والتحولات، بات علينا أن ننظر بتمعن وتأمل ما أفرزه مفكرو منطقتنا العربية من مشروعاتٍ ثقافية وفكرية تستقرئ واقعَنا وحجمَ تفاعله مع محيطه الإقليمي والعالمي.
وبالتزامنِ مع مرورِ الذكرى الأولى لرحيل الدكتور محمد جابر الأنصاري، أحد المثقفين العرب، ومن بين أبرزِ أصحابِ المشاريع الفكرية التي تركت أثرًا باقيًا في ذاكرةِ الفكر العربي، فقد حرصت «أخبارُ الخليج» على زيارةِ دارة الأنصاري والتقت هالة الأنصاري مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية، والعضو المؤسس لها، لاستكشافِ جهودِ الدارة في توثيقِ وتخليدِ مسيرة الراحل الكبير، وكذلك إلقاء الضوء على التحديات التي تواجه المثقفَ في الوقت الراهن، للاهتداء إلى مشاريعَ فكرية بعيدة عن التنظير الذي جعل بعضًا من مثقفينا حبيسي أبراج عاجية أو أفكار معلبة قد يكون قد طافها الواقعُ الزماني والمكاني، وانفصل بها عن احتياجاتِ الأجيالِ الحاضرة والمستقبلية.
وهذا نص الحوار:
ماذا ترك د. محمد جابر الأنصاري لبناته الثلاث؟
-لقد ترك لنا كنزًا فكريًّا نؤمن بأنه أكبرُ من أن يُختزل في إرثٍ عائلي خاص. هو ثروةٌ وطنية نطمحُ إلى أن تحظى بالمكانة التي تليق بها. ومن هنا جاءت فكرةُ تحويل مشروعه من جهد فردي إلى كيان مؤسسي عبر «دارة الأنصاري»، ليكون متاحا للأجيال القادمة.
ونعتبر أن واجبَنا تجاه الوالد يتمثلُ في المحافظة على إنتاجه الفكري وإتاحته للناس، انطلاقا من قناعة دينية وأخلاقية بأهميته كعلم لا بد من أن يُنتفع به. ولذلك نعمل على أن يكون هذا الإرثُ حاضرا في الفضاء العام، لا حبيس الرفوف.
وعلى هذا الأساسِ، انطلقت الدارةُ قبل ست سنوات، وبدأت اليوم في ترسيخ حضورها الثقافي عبر مشروعات تستهدف الوصول إلى المتلقي، خاصة في ظل الاعتقاد السائد بأن الفكرَ بعيدٌ عن الناس. ودورنا هنا أن نكونَ الجسرَ الذي يربطُ فكر الأنصاري بالمجتمع، تأكيدا أن الثقافةَ قادرةٌ على وصل الأفكار العميقة بالواقع الميداني لتطويره.
ما الذي يميِّز فكر الأنصاري كمثقف عربي؟
-كان الوالدُ رحمه الله، منشغلاً بسؤال تعثر النهضة في العالم العربي والإٍسلامي، ولماذا لم نعد قادرين على العودةِ إلى فترات التنوير التي عرفها العربُ والمسلمون في مرحلة من المراحل.
لذلك وجدناه في حالة بحث دائم عن كيفية توجيه البوصلة نحو مشروع معرفي جديد، يدعو إلى اكتشاف الذات، وتجديد الفكر لمكافحة الجهل وتخليصه من الأوهام والخرافات، والتركيز على الارتقاء بالوعي الجمعي ليفهم مشكلاته ويسعى إلى حلها باستخدام أدوات البناء المدني المتدرج الذي لا يحرق المراحل، ويتفادى الانهزامات والنكسات التي تأتي على وقع ذلك.
كما إن الوالدَ كان ينتمي إلى جيلِ الطموحات الكبرى... الجيل الذي ناطح السحاب من أجل عديد من القضايا الجوهرية، كحلم الوحدة العربية، ولكنه اكتشف سريعاً بأن تحقيق هذا الحلم يستوجب كثيرا من المراجعة، فالوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر بناء دول قطرية قوية تستقر بمؤسساتها وتعمل من أجل تنميتها بعيداً عن الشعارات التنظيرية التي لا تحقق وحدة ولا تأتي بحرية.
لذلك اهتم الأنصاري بضرورات بناء القاعدة الوطنية القوية، وناقش ذلك من خلال مشروع فكري ذي شقين، نقد الفكر العربي ونقد الواقع العربي، مع محاولة تقليص الفجوة بينهما. وحرص من خلال هذا الطرح على أن يخاطب الإنسان العادي بلغة قريبة، مركزا على الممكن الواقعي لا على الطروحات النظرية المجردة.
هل تركيزه على استقراء الواقع كان سببا في النزعة الاستشرافية التي ميزت كتاباته؟
-بالتأكيد، وقد ظُلم في ذلك أحيانا، إذ جرى اختزال فكره بوصفه نتاج «الثقافة النفطية»، رغم أنه عاش معاناة المجتمعات الخليجية في فترة اكتشاف النفط، وهي معاناة تشبه ما عرفته مجتمعات المشرق والمغرب العربيين. فمثلاً كان حريصا على التذكير بظروف أهل المنطقة وقت حفر آبار النفط، وكيف كان النفط يشعل أنوار الغرب في الوقت الذي كان الأنصاري يدرس ليلاً على نور «الفنر» أي المصباح.
هل هذا كان التحدي الذي يواجه المثقف البحريني والخليجي لنشر فكره خارج محيطه المحلي؟
-نعم، والوالد، من بينهم، شهد بعض المحاولات التي استهانت بفكره مقارنة بمشاريع فكرية أخرى حظيت بتقدير أوسع. لذلك تجده قد دخل في سجالات فكرية لإثبات أن المفكر الخليجي لا يقل عمقا أو ثراء معرفيا عن نظرائه في العالم العربي.
دعيني أسأل عن الدور الذي يمكن أن تقوم به الدارة لتعريف الأجيال الجديدة بالعطاءات الفكرية للدكتور الأنصاري؟
-نحن نعمل على تنويع الوسائل للوصول إلى مختلف الفئات العمرية، بدءا من منصات التواصل الاجتماعي، وصولا إلى العمل على قناة «يوتيوب» خاصة به. وتشكل المكتبة الرقمية المشروع الأكبر حالياً لجهود الدارة، إذ تضم نحو 5300 مجلد تجمع بين مؤلفات الوالد وما اقتناه من كتب وموسوعات عربية وأجنبية، إضافة إلى مقالاته، وأبحاثه الأكاديمية، وتدويناته الشخصية، ولقاءاته المصورة، بعد ترميز وتصنيف علمي متخصص.
كما نسعى إلى جمع شهادات ممن عاصروه أو تتلمذوا على يديه، ليكون محمد جابر الأنصاري مصدر إلهام للأجيال الجديدة، إلى جانب طرح المسابقات المتعلقة بنقد طروحاته، والندوات ذات العلاقة بفكره، وهذا هو الهدف الجوهري للدارة.
هل كان د. محمد جابر الأنصاري يتقبل النقد، ويقبل السجال حول أفكاره؟
-الأنصاري كان ديمقراطيا في فكره وسلوكه، وطبق النقد على نفسه قبل غيره. وشجع الحوار والسجال، ورفض الجمود في القاعات الدراسية، لكنه كان يرفض النقد الهدّام أو التأويل المتعسف لنصوصه، خاصة في القضايا الحساسة المتعلقة بالعلاقة بين الدين والعقل.
ولمن لا يعرف الأنصاري، فقد كان من أكثر المطالبين باعتماد الديمقراطية كمنهج سياسي في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، ولكنه كان أيضاً يحذر من ضرورة استعداد القوى المدنية لها لتفادي الخلل الذي تأتي به صناديق الاقتراع وإفرازاته على الواقع السياسي، والذي في العادة يتمثل في أحادية التمثيل ووأد التنوع الذي يعكس التركيبة المجتمعية.
إذاً، كان من الصعب تصنيف الأنصاري أنه مفكر ضد التيارات الدينية، أليس كذلك؟
-لم يكن ضدها، بل كان ناقدا لها، وحذّر من تديين السياسة. ودعا إلى التوازن بين الدين كقيمة روحية، والسياسة كإدارة مدنية لشؤون الدولة، مؤكدا أن التشدد والصلابة من قبل أي طرف تضر بالمجتمع والدين معا.
هنا سوف أسأل عن العلاقة بين المثقف والسلطة، كيف تمكن من أن يوازن بين هذه العلاقة؟
-كان يرى أن دور المثقف لا يكمن في تثوير كل شيء، بل في تقديم أفكار عقلانية قابلة للتطبيق تراعي المصلحة العامة. وأعتقد بأنه نجح في الحفاظ على هذا المبدأ في علاقته مع صاحب القرار من منطلق إيمانه بأن أي إصلاح يجب أن ينبع من الداخل لا يفرض من الآخرين فرضاً. وهو ما انعكس على تجارب الإصلاح السياسي التي أسهمت في تحقيق الاستقرار وتطوير التجربة الوطنية.
ألا يعتبر ذلك نوعا من النجاح للمثقف في الخروج من الاتهام الذي يلاحقه بالطرح النخبوي غير القابل للتطبيق؟
-هذا يعتمد على من نقصد بالمثقف، إذ يظل مفهوم «المثقف» واسعا ومتعدد التعريفات، لكنني أرى أن المثقف الناجح هو من يوظف معرفته في خدمة مجتمعه. فالمثقف الحقيقي هو من يطرح الأسئلة، ويسعى إلى إيجاد حلول لها، ويقنع المجتمع بجدواها.
أما الصورة النمطية عن المثقف النخبوي، فهي غالبا ما تُلصق بالفلاسفة والمفكرين المنفصلين عن الواقع. ونحن لا ندعو إلى تبسيط الثقافة أو اختزالها، بل إلى أن تصل النتاجات الفكرية والفنية برسالة تسهم في خدمة المجتمع، أو تغييره، أو إلهامه.
وهناك نقطة أود التنبيه لها، بأنه لا ينبغي حصر الثقافة في التراث وحده، فهي فضاء واسع ومتجدد، ولن تؤدي دورها إلا إذا تمكنت المؤسسات الأهلية والرسمية من احتضان مختلف أشكال النشاط الثقافي ودعمها بصورة فاعلة.
أهذا يعني أن الدارة ليست مجرد مشروع توثيقي فقط بل تحمل في طياتها مشروعا تنويريا، وهل الظروف والإمكانات تسمح بذلك؟
-الدارة مشروع توثيقي وتنويري معا بحكم طبيعة المشروع لصاحبها، ونحن، من خلال مهام المؤسسة، نعمل على تنويع أدواتها ونجتهد في تقديم المضمون الثقافي والفكري الخاص بها بصيغة عصرية ومفهومه للجيل الجديد الذي لا يريد من يضيع وقته في التنظير والكلام المرسل من دون فعل حقيقي.
فمثلاً، نعكف حاليا على التحضير لـ«بودكاست ثقافي» بالتعاون مع منصة «حكاية» سيتم إعلان تفاصيله قريباً، ولكن سبق الإعلان المبدئي عنه هو لأخبار الخليج.
وفكرته ببساطة، وكما يطرح من قبل الشباب القائمين على المنصة، بأنه برنامج يعيد طرح قضايا التراث والفكر العربي، بما يتسق مع رؤية الأنصاري وبهدف جذب الجماهير المثقفة والمهتمة إلى مساحته الفكرية.
هذه الخطوة تشير إلى اهتمامكم ببناء الشراكات؟
-بالفعل، وهي ضمن سلسلة من الجهود الأخرى في التواصل مع المؤسسات الأهلية والمراكز الثقافية الأخرى للبحث عن أفكار متجددة لإثراء المشهد الثقافي من خلال فكر الأنصاري.
ماذا عن الدوائر الإقليمية الأخرى؟
-هناك اهتمام مشكور ومقدر لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، فهو بحكم مسؤولياته الثقافية الكبيرة في المملكة العربية السعودية يرى في مشروع الأنصاري قيمة مضافة كبيرة لفكر الخليج ودوره في التنوير للنهوض الحضاري. وستكون هناك مشاورات قادمة لصيغة مناسبة من التعاون.
كما نعمل على تعاون قادم مع تحالف مراكز الفكر والثقافة العربية، بقيادة المفكر الإماراتي د. جمال السويدي، إذ تم التوقيع مؤخراً على مذكرة تفاهم طموحة بين الجانبين في مقر الدارة، وأول ثمارها، عضوية الدارة ضمن هذا التحالف، وتسليط الضوء على فكر الأنصاري في المنتدى الفكري القادم الذي سينظمه التحالف في أبو ظبي، هذا غير إتاحة المادة البحثية للأنصاري لمؤسسات التحالف خصوصاً المتعلقة بمجالات الاستشراف، والأمن، والتكامل الخليجي.
هذا يقودني إلى الحديث عن المسابقة التي تطلقها الدارة بعنوان «محمد جابر الأنصاري لإثراء الفكر العربي»، ومستوى الإقبال عليها محليا وعربيا؟
نلاحظ أن الإقبال على المسابقة على المستوى العربي يفوق الإقبال المحلي، وهو ما يعكس الحاجة إلى توسيع دوائر التفاعل داخل البحرين. وهو ما يدعونا كذلك إلى حث المؤسسات الأكاديمية البحرينية إلى طرح فكر الأنصاري على الباحثين فيها لزيادة الإقبال عليه من أجل إثرائه وتتبع أثره.
ونأمل أن تمتد هذه الجهود إلى إدراج بعض أفكاره ضمن مقررات العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعات، ومناهج التربية الوطنية في المدارس، وخصوصاً الجانب المتعلق بالتربية المدنية التي هي من أهم مكونات المواطنة، وأحد أهم الوسائل التي يتم التعبير من خلالها عن الولاء الوطني الحقيقي.
ما موارد الدارة؟
-تعتمد الدارة في مواردها على مزيج من الجهد الذاتي والدعم الرسمي الكريم سواء كان مادياً أو معنوياً من قبل عاهل البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي لا يتردد أبداً في تسهيل دور المؤسسة أو في أن يتم تقديم الاعتبار والمكانة المناسبة التي يستحقها مفكر البحرين.
كما تسعى الدارة إلى تطوير نماذج مستدامة لدعم أنشطتها، من خلال المبادرات الثقافية، والمشروعات البحثية، والبرامج المشتركة مع مراكز الفكر، إذ نرى أن استدامة العمل الثقافي لا تقوم فقط على التمويل، بل على بناء شبكة من العلاقات المعرفية والمؤسسية التي تتقاطع مع رسالة الدارة، وتؤمن بأهمية الاستثمار في الفكر بوصفه ركيزة للتنمية الوطنية.
كما إننا، من منطلق إيفاء كل ذي حق حقه، لا ننسى دعم مؤسسات القطاع الخاص، كبنك البحرين والكويت وشركة STC، ونتوجه لهم بشكر خاص على ما قدموه في فترة تأسيس الدارة لإنشاء الموقع الإلكتروني والمكتبة الرقمية وكل تجهيزات البنية التحتية المرتبطة بهذا المشروع.
كيف أسهمت الوالدة في حفظ إرث الوالد الفكري؟
-للوالدة دور كبير جداً في تأسيس الدارة؛ فهذا المكان ما كان ليرى النور لولا جهودها في التمهيد لهذا التأسيس. فقد كانت حريصة، طوال رحلة الوالد الفكرية، على الحفاظ على كل إنتاجه الأدبي والثقافي من كتب ومقالات، وكذلك الكتب التي كان يقتنيها في كل محطة من محطات حياته، من كمبريدج إلى بيروت، فالدوحة، فباريس.
هذا فضلا عن أسفاره التي كان ينعزل خلالها في رحلات فكرية، ولأشهر متواصلة، متنقلاً بين عواصم العالم وخصوصاً الشرق الآسيوي، وكانت هي من تتولى قيادة الشؤون الأسرية. إلى جانب ذلك، كان لها دور أساسي في تهيئة مقر الدارة، فهي المؤسس الحقيقي لهذا المشروع ورئيسته الروحية والفخرية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك