زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
المفاضلة بين البغل والحمار
أبدى الصديق الحبيب الراحل الدكتور غازي القصيبي الذي انتقل إلى رحمة مولاه في أغسطس من عام 2010، إعجابه الشديد ببيت شعر، فيه مدح «مستحق» للبغل، والبغل هو ذلك الكائن السفاحي الناجم عن علاقة غير سوية بين حصان وحمار:
فيا بغلة شماء لو كنت مادحا ** مدحتك إني للكرام صديق
دعك من أن الشاعر عدّ البغلة من الكرام!! ومن أن القصيبي عدّ نفسه صديقا لها. وتذكر أن كنت قد قرأت له أن أحاديثه وشعره ونثره حافل بالمفاجآت، ولكن ما أدهشني هو أنه يعيب وينعى على شعرائنا عدم مدحهم للحمير، ويصف البيت العجيب أعلاه بالثورية (وربما لهذا السبب لم يجد الرواج، لأن الثورية في العالم العربي تعد في نظر الكثيرين مؤنث «ثور»)، ثم يطالب القصيبي بتدريس البيت البغلي هذا في المدارس، عسى أن يكف عيالنا عن تعذيب الحيوانات الأليفة!! وددت لو سألت القصيبي سؤالا بريئا: فيم وفيمن يفش عيالنا غلهم إذا منعناهم من تعذيب الحيوانات؟ وربما فات على القصيبي أن الشاعر متعاطف مع البغلة من منطلقات عرقية بحتة، فاسم قائل البيت أعلاه يزيد بن مفرغ «الحميري»، ليس بكسر الحاء يا أستاذ بل بفتحها!! يعني الشاعر عنده سبب وجيه للتعاطف مع البغل، فلماذا أراد غازي لناشئتنا أن يحذوا حذوه؟ وعلى كل حال ليس ثمة أمل في أن يكِنّ عربي مودة لبغل، لأن البغال ذوات الاثنين التي نتعامل معها في الحياة، كائنات ميئوس من حالتها فهي لا ترحم ولا تستحق الرحمة.
كان غازي القصيبي قد كتب مقالا عن بيت الشعر ذاك، وما تبعه من استنكار عدم تغزل الشعراء العرب بمفاتن الحمير في صحيفة يومية، ومن المفارقات أن نفس عدد الصحيفة الذي نشر فيه خاطرته تلك عن البغلة «الكريمة»، حوى خبرا عن تكوين جمعية لحقوق الحمير في الأردن، ومؤسس الجمعية ثوري، فقد كان مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في عمان من قبل، ويقيني أنه فعل ذلك لأنه يدرك أن الدفاع عن حقوق الحمير في العالم العربي، أأمن وأسهل من الدفاع عن حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت فإنه يعطي الانطباع لسادة النظام العالمي الجديد وسدنته بأن العرب باتوا متحضرين بدرجة أنهم شبعوا ممارسة لحرياتهم ولحقوقهم المدنية وتفرغوا للحمير، ولا يجب التهوين من أهمية كل ذلك ونحن سنظل نحتفل بعيد الأضحى إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وستهب الممثلة الفرنسية المتقاعدة حتف انفها بريجيت باردو، كعادتها في كل عام للتشهير بالمسلمين لأنهم يذبحون الخراف دون تقديم الحبوب المهدئة من فصيلة الفاليوم لها قبل الذبح!..(سؤال بريء: هل كانت باردو تتعاطى الفاليوم قبل ذبح شرفها أمام الكاميرات؟)..على كل حال أحيي المناضل الأردني على مبادرته الثورية وأهيب بالمواطنين العرب تشكيل جمعيات للدفاع عن مختلف أنواع الحيوانات باستثناء الببغاوات التي تعشش في أنظمتنا التعليمية، والتي تعتبر مناهجنا المدرسية في الجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية وغيرها تنزيلا لا يقبل الحذف أو الإضافة، ومقابل جمعيات حقوق الحمير وأبناء عمومتها، لابد من جمعية لمصادرة حقوق القرود العرب التي توجد بكثرة في وسائل الإعلام!!!
وبيني وبينكم لماذا لا يتم تكريم الحمير كما يحدث مع الإبل والتيوس والحمام؟ ففي دول الخليج تقام مسابقات لاختيار ملكة جمال البعير، وهناك أسواق سنوية لعرض التيوس ذات الكفاءة العالية، وتباع أنواع من الحمام بنحو 40 ألف دولار لـ«الحبة الواحدة»؟ وقد أفهم تجاهل الخليجيين للحمير لأنها لم تكن ذات وزن وشأن في حياتهم الموزعة بين الصحراء والبحر، ولكن لماذا تتجاهل الدول العربية التي ما زال الحمار فيها هو الجرار والحفار والبي إم دبليو، أمر هذا الكائن الصبور الخدوم؟ هل لأن الحمير التي تمشي على اثنتين تغار من ذوات الأربع؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك