فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعادته تصريحاً نووياً ثقيلاً هزَّ العالم برمته، وولَّد كثيرا من الغموض والتكهنات، ونُشر عديد من التحليلات على كل المستويات الدولية لسبر غور هذا التصريح ومحاولة تكهن أبعاده، ودلائله، وتأثيراته المستقبلية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
فقد وجه ترامب في 30 أكتوبر 2025 وزارة الحرب على استئناف التجارب النووية التي كانت تجريها أمريكا منذ الأربعينيات من القرن المنصرم بعد أن توقفت قرابة 33 عاماً، أي في عام 1992 في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي أصدر أمراً تنفيذياً بإيقاف التجارب والتفجيرات النووية. وجاء هذا الأمر الرئاسي قبيل لقائه الرئيس الصيني كرد فعل على البرامج النووية التي تقوم بها روسيا، والصين، وكوريا الشمالية من ناحية إجراء روسيا لتجارب نووية ومن ناحية زيادة أعداد القنابل والرؤوس النووية في هذه الدول، إضافة إلى الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والتي تحمل رؤوساً نووية بأحجام وقدرات تفجيرية مختلفة، حيث كتب ترامب على منصة التواصل الاجتماعي «تروث سوشيال» قائلاً: «بسبب برامج التجارب النووية التي تنفذها دول أخرى، وجهتُ وزارة الحرب للبدء في اختبار أسلحتنا النووية على أساس متكافئ، وهذه العملية ستبدأ فوراً». كما أكد ترامب هذه التصريحات في اللقاء التلفزيوني لمحطة «أخبار سي بي إس» التي أَجرتْ معه لقاءً في 2 نوفمبر في برنامج «60 دقيقة»، حيث قال: «لا أريد أن أكون الدولة الوحيدة التي لا تُجري الاختبارات النووية»، لأن روسيا والصين تقومان بالاختبارات على أسلحتها النووية.
ولكن هذا التصريح ترك أمامنا الكثير من التساؤلات والاستفسارات، فلم يوضح ترامب أموراً عدة، منها هل ستجري أمريكا فعلاً تجارب نووية جديدة، أي تفجيرات نووية، علماً بأنها محظورة دولياً حسب المعاهدات التابعة للأمم المتحدة، مثل «المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية» والتي لم تصادق عليها الدول النووية الكبرى؟
وإذا كانت ستقوم الولايات المتحدة بهذه التجارب والتفجيرات النووية، هل ستكون فوق الأرض، أو تحت الأرض، أو تحت أعماق المحيطات، أو في الفضاء الشاسع فوق الأرض؟
وما الرسائل التي يريد ترامب توصيلها من هذا التصريح إلى الدول المعنية، وبالتحديد روسيا والصين، وباقي حكومات العالم؟
وهل مثل هذا التصريح سيشجع ويحفز البدء في سباق محتدم جديد للتسلح النووي بين دول العالم، ولكن هذه المرة لن يكون السباق بين دول الحرب الباردة كأمريكا وروسيا فحسب، وإنما ستدخل السباق دول أخرى كثيرة، وستشارك في إنتاج الأسلحة النووية ذات القدرات التدميرية الهائلة؟ وهذه الحالة الكارثية من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار ليس على مستوى الدول وإنما على مستوى الكرة الأرضية برمتها.
ولذلك قامت وبسرعة عدة جهات حكومية رسمية أمريكية على مستوى الوزراء بنشر تصريحات تفسيرية وتوضيحية عقب تصريح ترامب من أجل إزالة الغمام والغموض عن تصريحات ترامب، وتقديم الصورة الواقعية الصحيحة للحكومات والناس لإزالة الخوف والرعب عن قلوب شعوب العالم.
ومنها تصريح وزير الطاقة «كريس رايت» في 2 نوفمبر 2025 وهي الوزارة المعنية تاريخياً بتجارب الأسلحة النووية، حيث قال في مقابلة مع «فوكس نيوز»: «أظن أن الاختبارات التي نتحدث عنها حالياً هي اختبارات الأنظمة النووية بمجملها...فهي ليست تفجيرات نووية، فهي التي نُطلق عليها التفجيرات غير الحرجة»، وبعبارة أخرى فإن التجارب والاختبارات ستُجرى على جميع أجزاء نظام الأسلحة النووية للتأكد من أنها صالحة وجاهزة للاستعمال والقيام بتفجير نووي. أما وزير الحرب الأمريكي فقد قال إن «الرئيس قال بوضوح إننا نحتاج إلى أن يكون لدينا رادع نووي موثوق به»، أي تعميق مصداقية وقوة أمريكا النووية، مما يساعد على منع حرب نووية، كما قال وزير الحرب الأمريكي إنني أظن بأن هذا سيقلل من احتمالية وقوع أي نزاع نووي.
فمثل هذه التصريحات التي أدلى بها ترامب تؤكد أننا لا نعيش في عالمٍ متحضر ومتعلم يُفضل السلم والأمن على الحرب والدمار وعدم الاستقرار، حيث إنه من المفروض على ترامب الذي يسعى إلى نيل جائزة نوبل للسلام أن يدعو ويحث دول العالم، وبخاصة الدول النووية الكبرى القديمة والحديثة، ويستخدم أسلوب الضغط والترغيب والترهيب والعصا والجزرة، كما يفعل حالياً في قضية فرض الضرائب والرسوم الجمركية على جميع دول العالم، على الالتزام بالمعاهدات النووية القديمة كالمعاهدات المعنية بحظر الأسلحة النووية ومنع امتلاكها، ومنع التجارب النووية، والتوقف عن إنتاج أسلحة نووية جديدة، فيكون بذلك هو القدوة والنموذج الأعلى لباقي دول العالم على التعهد وتنفيذ كل هذه الاتفاقيات والمعاهدات الأممية، فتكون الولايات المتحدة هي زعيمة وقائدة العالم حقاً في إيقاف أي سباق نووي لإنتاج الأسلحة الذرية، والسعي نحو عالم آمن خالٍ من الأسلحة النووية ومنزوع منه جميع أسلحة الدمار الشامل النووية (denuclearization).
ولكن مع الأسف فبالرغم من امتلاك أمريكا وبعض دول العالم لآلاف الأسلحة النووية من قنابل ذرية ورؤوس نووية إلا أنها مازالت تنفق المليارات على إنتاج أسلحة جديدة أشد فتكاً وأكثر تدميراً للبشر والشجر والحجر. فقد أفاد الكتاب السنوي الأخير الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان «المخزونات الدولية من الرؤوس الحربية النووية» والمنشور من «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» بأن الولايات المتحدة تمتلك 1770 رأساً نووياً منتشراً أي محمولاً وجاهزاً للاستعمال، وهو العدد الأكبر بين جميع الدول النووية. كما تحتفظ الولايات المتحدة بـ 1930 رأساً نووياً مخزناً في أكثر من ثلاثين موقعاً في الولايات الأمريكية ليرتفع إجمالي مخزونها العسكري إلى 3700 رأس. أما روسيا، فيُقدر أنها تمتلك عدداً أقل بقليل من الرؤوس المنتشرة والمحملة ويبلغ 1718 رأساً، غير أن مخزونها الذي يصل إلى 2591 رأساً يجعل إجمالي ترسانتها أكبر بكثير، إذ يبلغ 4309 رؤوس.
وفي عام 2025، أخرجت الولايات المتحدة 1477 رأساً نووياً من الخدمة، وروسيا 1150 لأنها أصبحت بالية وغير فاعلة، وكلفة صيانتها مرتفعة جداً. وأما الصين فيقدر أنها تمتلك 24 رأساً نووياً فقط في الخدمة الفعلية وجاهزة للانطلاق، في حين ترسانتها العسكرية النووية الإجمالية تضم 600 رأس نووي، منها 576 مخزناً، ولكن الترسانة النووية الصينية تنمو بوتيرة متسارعة من الناحيتين الكمية والنوعية، أي نحو100 رأس نووي جديد سنوياً منذ عام 2023. وهناك في المقابل الدول النووية التقليدية الأخرى كبريطانيا وفرنسا، والدول الحديثة التي دخلت النادي النووي وهي كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، والكيان الصهيوني.
فماذا ستفعل الدول بهذا الكم الهائل الضخم من أسلحة الدمار الشامل؟ ولماذا هذا السباق الجديد لإنتاج أعدادٍ أكبر من هذه القنابل النووية وبقدرات تدميرية هائلة تكفي كل واحدة منها لتدمير مدن بأكملها وقتل مئات الآلاف من البشر في دقائق معدودة؟
فلماذا لا يتجه العالم نحو الدبلوماسية والحوار الشفاف والصريح واستخدام أدوات المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية لإنقاذ كوكبنا من شر هذه الأسلحة التدميرية الشاملة؟
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك