احتل نهوض المرأة البحرينية مكانة مركزية في رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الإصلاحية، التي مثلت دليل تقدم مملكة البحرين منذ توليه المسؤولية في مارس 1999م، ففي هذه الرؤية إيمان بالقدرة الكبيرة للمرأة البحرينية على العطاء، وأن تمكينها من كل حقوقها المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دونما تمييز بينها وبين الرجل، من شأنه تعزيز التنمية الوطنية في كل مجالاتها اعتمادًا على السواعد البحرينية.
وتجسيدًا لهذه الرؤية كان إنشاء جلالته المجلس الأعلى للمرأة في أغسطس 2001م، في خطوة نقلت تطلعات المرأة البحرينية من المجال المطلبي إلى التمكين، وانضمام المملكة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «السيداو»، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتأكيد إعمال المبدأ الدستوري «تكافؤ الفرص»، وإدماج المرأة البحرينية في مسارات التنمية، وإلغاء كل صور التمييز، وتعزز صعود المرأة البحرينية في تنفيذ استراتيجية وخطة النهوض بالمرأة البحرينية 2005- 2012 التي تمحورت حول التمكين سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتنفيذ الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية 2013-2022، التي تمحورت حول تقدم المرأة بنفسها؛ حيث صارت تتمتع بكل حقوقها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأثبت أداؤها في هذه الميادين تفوقًا، وكان ذلك التفوق جواز مرورها للقبول المجتمعي لصعودها إلى مراكز صنع القرار، وتعظيم مشاركتها الاقتصادية والسياسية، ما يعني أن مسار التنمية الشاملة المستدامة كان يفتقر إلى جهودها، وصارت لاعبًا أساسيًا في هذا المسار، وبعد الانتهاء من تنفيذ خطة نهوض المرأة البحرينية 2013-2022 وضع المجلس الأعلى للمرأة خطة 2025-2026 «المرأة البحرينية من التمكين والتقدم والسعي نحو الريادة»، التي تتجاوز مراحل التمكين والتقدم إلى مرحلة الريادة، مع التركيز على تعزيز مشاركتها الاقتصادية والتقنية وفي التحول الرقمي، واستهدفت رفع مساهمتها في العملية التنموية، وفي المجال الاقتصادي تعزيز حضورها في ريادة الأعمال، ورفع المستوى المعيشي للأسرة عبر زيادة مشاركة المرأة الاقتصادية وتطوير برامج تدعم انتقال المرأة من العمل في القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص أو ريادة الأعمال، مع توجه الرؤية الاقتصادية 2030 لأن يقوم القطاع الخاص بالنشاط الاقتصادي، واقتصار دور الحكومة في هذا النشاط على التنظيم، وفي مجال الشمول المالي والتقني تعزيز الوصول إلى الخدمات المالية والتمويل المناسب لإطلاق مشاريع، وتوفير التدريب على المهارات الرقمية والتقنية، وتعزيز الشمول الرقمي للمرأة وتنمية مهاراتها في أسواق المال العالمية، وفي ريادة مجالات الحياة العلمية، وانتقال المرأة إلى آفاق جديدة من الريادة في مختلف المجالات، وتعزيز حضورها في الشأن العام، ومواصلة التعاون مع الشركاء لضمان التنفيذ الأمثل، وتوفير الخدمات المساندة، وتعزيز جودة حياة المرأة وأسرتها، من خلال مبادرات وبرامج صحية ونفسية، واتجه المجلس الأعلى للمرأة إلى رسم خريطة تقدم المرأة البحرينية في الخطة الوطنية 2025-2026؛ بهدف تعزيز الملكية الوطنية لخطة تقدم المرأة البحرينية، وبالتركيز على المبادرات التي لم يتم تنفيذها من الخطط السابقة، والمبادرات المدرجة في برنامج عمل الحكومة، القابلة للتنفيذ، وذات العلاقة بالمرأة، والتوجه نحو العلوم الحديثة في المجالات الريادية والواعدة.
وتحقيقًا لذلك شرع المجلس في عقد لقاءات مع عدد من الجهات في قطاعات مختلفة، لمناقشة تقييم الخطة السابقة والاستفادة من مخرجات هذا التقييم، وتوصيات المنتدى الوطني لمناقشة تقرير مملكة البحرين حول التوازن بين الجنسين، كما عمل المجلس مع الشركاء على تحويل هذه التوصيات إلى سياسات وخطط وبرامج تعمل على تقليص الفجوات، وتطوير مؤشرات الأداء على صعيد التوازن بين الجنسين، وشملت اللقاءات التي عقدها مع الشركاء ما تحقق في مجالات استقرار الأسرة، والتعلم مدى الحياة، وجودة الحياة، ووضع المجلس برنامجًا تنفيذيًا استعدادًا للخطة الجديدة لتقدم المرأة البحرينية، مستهدفًا تحقيق الانسجام بين أولويات هذه الخطة والتوجه التنموي الوطني، والاستفادة من أفضل الممارسات والتوجهات والتجارب الإقليمية والدولية، وبما يتسق مع التوجهات الدولية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، ويضمن رفع وتحسين مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
واتجهت الخطة الجديدة إلى تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة، في استهداف رفع المستوى المعيشي للأسرة البحرينية، كما جاء في رؤية البحرين الاقتصادية 2030، بعد أن حققت في ذلك إنجازًا قويًا، حيث ارتفع وجودها في قوة العمل الوطنية إلى 43% بعد أن كانت 32% قبل تنفيذ الخطة، وبلغت نسبة حضورها في القطاع العام 53% مرتفعة بنسبة 36% عن عام 2012، وفي القطاع الخاص 35% مرتفعة بنسبة 5%، فيما بلغ متوسط أجور العاملة البحرينية في القطاع العام شهريًا 827 دينارا وفي القطاع الخاص 603 دنانير، وارتفعت نسبة المالكات لسجلات تجارية من 39% في 2012 إلى 41%، مع وجود حوالي 52 رائدة أعمال بحرينية تملك علامة تجارية خاصة بها، وقد عزز ذلك الحاضنة الاقتصادية «ريادات» التي هي من أبرز مبادرات المجلس الأعلى للمرأة نحو مساعدة المرأة البحرينية في تأسيس مشروع خاص بها أو تطوير عملها.
وتأتي الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية 2025-2026 كخارطة طريق لاستدامة نمو وعطاء المرأة البحرينية وتحقيقها الريادة في القطاعات المختلفة، وجاءت تحت عنوان المرأة البحرينية من التمكين والتقدم والسعي نحو الريادة، متضمنة أربعة مجالات رئيسية تمثل أولوية العمل لعامي 2025-2026 وهي استقرار الأسرة، صنع واتخاذ القرار، والمشاركة الاقتصادية، وجودة الحياة، وتتوزع مبادراتها على محاور هي: السياسات، والموازنات المستجيبة لاحتياجات المرأة، والتوعية والتدريب، والتدقيق والرقابة، والمتابعة والتقييم، فيما تستلهم هذه الخطة الرؤية الاقتصادية 2030، ومنطلقات رؤية 2050، وبرنامج عمل الحكومة، والنموذج الوطني للتوازن بين الجنسين، وتتعامل مع الملاحظات الختامية على تقارير مملكة البحرين الدولية الإلزامية والطوعية، منها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إلى جانب أجندة وأهداف التنمية المستدامة الـ17، مع التركيز بشكل خاص على الأهداف ذات الارتباط المباشر للمرأة، وهي الهدف الخامس: المساواة بين الجنسين، والعاشر: الحد من عدم المساواة.
وتبنى الخطة على ما تحقق من مراحل في مسار تنفيذ التمكين ونهوض المرأة البحرينية بنفسها، لتوفر بذلك خارطة طريق استراتيجية مستهدفة مواصلة صعود المرأة البحرينية على سلم الريادة، وتحقيقها مزيدًا من التميز واستدامة عطائها من خلال تعزيز مشاركتها في مسار التنمية الوطنية في المجالات المختلفة للتنمية البشرية، يساعدها في ذلك السياسات الداعمة للعنصر النسائي والجهود المستمرة التي تركز على الاستثمار في بناء قدرات المرأة، وضمان تحقيق التوازن بين الجنسين، وتكافؤ الفرص في جميع المجالات.
واتبعت الخطة منهجية علمية وفنية في تحليل واقع المرأة البحرينية، منذ استكمالها تجاوز مرحلة التمكين من المشاركة السياسية والحياة العامة، والريادة في الوصول إلى مواقع صنع واتخاذ القرار، وتولت حقائب وزارية في مجالات الصحة، والإسكان، والسياحة، والشباب والرياضة، والتنمية المستدامة، والوظائف الفنية في القطاعين العام والخاص، وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية مشاركة المرأة في الشأن العام، وحققت المرأة البحرينية حضورًا في المجالس المنتخبة، والمناصب النوعية في السلطة التشريعية والمجالس البلدية والسلطة القضائية والنيابة العامة، ووصل عدد البحرينيات في القطاع الحكومي إلى أكثر من 21 ألفا بنسبة بلغت 60% في 2024، والوظائف التنفيذية في هذا القطاع 1901 بنسبة بلغت 50% والوظائف التخصصية 4177 بنسبة 64%، وفي القطاع الخاص بلغ عدد البحرينيات نحو 38 ألفا بنسبة بلغت 36% في 2024، وفي الوظائف التنفيذية في القطاع الخاص 36%، ونسبة السجلات الافتراضية المملوكة لبحرينيات 54%، فيما بلغ عدد عضوات مجلس النواب 8 بنسبة 20%، والشورى 10 بنسبة 25%، والمجالس البلدية 3 بنسبة 10% وأمانة العاصمة 4 بنسبة 40%، فيما بلغ عدد الطبيبات 2798 بنسبة 66% والممرضات 3627 بنسبة 83%، والأكاديميات في مؤسسات التعليم العالي 55%، والمهندسات البحرينيات 436 في القطاع الحكومي بنسبة 37%.
وفي 2025-2026 يستمر العمل على تقليص الفجوات، وتنفيذ ما لم يتم تنفيذه في الخطط السابقة لدعم مشاركة المرأة وتحقيق التوازن بين الجنسين في القطاعات التي مازالت فيها المرأة في مرحلة التمكين، كما يستمر العمل على تعزيز وجود المرأة البحرينية في مؤسسات القطاع الخاص، ومشاركتها في مجالس الإدارات ومؤسسات المجتمع المدني، وتعزيز المركز الاقتصادي للمرأة، لضمان استدامة مشاركتها الاقتصادية في سوق العمل، مع التركيز على المجالات الحديثة والواعدة، كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتحول الرقمي، من خلال تحقيق تكافؤ الفرص، وتهيئة الحماية القانونية للتوفيق بين عملها وواجباتها الأسرية.
ووضعت الخطة إطارًا مؤسسيًا داعمًا لتنفيذ المبادرات في مجالاتها الأربعة، وتحدد من خلال هذا الإطار الأدوار والمسؤوليات المنوطة بمختلف الجهات المعنية، مع التركيز على آليات التنسيق بين مؤسسات القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، ويضمن هذا المنهج المؤسسي عدم اقتصار التنفيذ على جهة واحدة، بل يجعل منه مسؤولية وطنية مشتركة، وهو ما يعكس النضج في التعاطي مع قضايا تمكين المرأة والحرص على تعزيز سبل التعاون المؤسسي، ويأتي على رأس الخطة الجديدة مجال الاستقرار الأسري في إطار الترابط العائلي، وصنع واتخاذ القرار، والمشاركة الاقتصادية، وجودة الحياة، والسعي نحو الريادة والتميز.
ويعزز تنفيذ هذه الخطة من التوازن بين الجنسين، فيما تلبي زيادة المشاركة الاقتصادية للمرأة في سوق العمل حاجة وطنية سعى إليها إصلاح هذا السوق منذ العقد الأول للألفية الجديدة بأن تكون العمالة الوطنية خيارًا مفضلاً عند التوظيف في القطاع الخاص، للحد من المخاطر المترتبة على زيادة العمالة الوافدة، سواء كانت مخاطر اقتصادية أو أمنية أو ثقافية، ويساعد في ذلك التقدم الحاصل في تقنية المعلومات والاتصالات، وخبرة العمل أثناء جائحة كورونا، في إمكانية ممارسة كثير من الوظائف والأعمال من دون مغادرة المنزل، وهو ما يلبي كثيرًا حاجة المرأة في التوفيق بين عملها وواجباتها الأسرية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك