العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الفكر العربي الإسلامي المعاصر: جدلية القبول والرفض

بقلم: د. جاسم بونوفل

الثلاثاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

القارئ‭ ‬والمتابع‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والكتاب‭ ‬العرب‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬بعيون‭ ‬غربية؛‭ ‬أي‭ ‬باستخدام‭ ‬المناهج‭ ‬الغربية،‭ ‬ولهؤلاء‭ ‬المفكرين‭ ‬حضوراً‭ ‬قوياً‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفكرية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬انتاجهم‭ ‬الفكري‭ ‬الغزير،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نشكك‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬بأنهم‭ ‬قامات‭ ‬كبيرة،‭ ‬وذوو‭ ‬أوزان‭ ‬ثقيلة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الساحة،‭ ‬ولا‭ ‬يشق‭ ‬لهم‭ ‬غبار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬ومع‭ ‬تقديرنا‭ ‬لاجتهاداتهم‭ ‬وإسهاماتهم‭ ‬الفكرية،‭ ‬فإننا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬اجتهاداتهم‭ ‬قد‭ ‬ضلت‭ ‬الطريق؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬ينشدونها‭ ‬بسبب‭ ‬أنهم‭ ‬استخدموا‭ ‬أدوات‭ ‬ومناهج‭ ‬غربية‭ ‬في‭ ‬مقارباتهم‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬قناعاتهم‭ ‬الراسخة‭ ‬بوجود‭ ‬تشابه‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬والثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬كلتيهما‭ ‬تسيطران‭ ‬عليهما‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬القساوسة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬والعلماء‭ ‬والمشايخ‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يؤكد‭ ‬وجود‭ ‬اختلاف‭ ‬بينهما‭. ‬وهنا‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬استخدام‭ ‬المناهج‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬صحيحة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الاختلاف‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬والثقافة‭ ‬الغربية؟‭ ‬

المنطق‭ ‬يقول‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المقدمات‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إليها‭ ‬الحجة‭ ‬خاطئة،‭ ‬فمن‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬خاطئة‭ ‬أيضاً،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الاستدلال‭ ‬صحيحا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الشكلية‭ ‬وهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬المنطق‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬صحة‭ ‬المقدمات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬استدلال‭ ‬سليم‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المفكرين‭ ‬الكبار‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬تبني‭ ‬المناهج‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬وهو‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬أركون،‭ ‬مفكر‭ ‬جزائري‭ ‬فرنسي‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬السوربون‭ (‬1928-‭ ‬2010‭) ‬إذ‭ ‬يرى‭: ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬القرآن‭ ‬برؤية‭ ‬عصرية‭ ‬وتجريده‭ ‬من‭ ‬القداسة‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬دراسته‭. ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬ننتزع‭ ‬القداسة‭ ‬عن‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬وغاب‭ ‬عن‭ ‬ذهنه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬كلام‭ ‬الله‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نساويه‭ ‬بالكتب‭ ‬التي‭ ‬يؤلفها‭ ‬البشر‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬يتبنى‭ ‬مفاهيم‭ ‬ومصطلحات‭ ‬مثل‭: ‬الظلامية،‭ ‬الظلاميون،‭ ‬التنوير،‭ ‬الأصولية‭ ‬الظلامية،‭ ‬والعلمانية،‭ ‬والحداثة،‭ ‬وغيرها‭ ‬عند‭ ‬تناولهم‭ ‬مسائل‭ ‬مثل‭: ‬دراسة‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ (‬القرآني‭) ‬وعلاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬والدين‭ ‬والدولة،‭ ‬والعلم‭ ‬والدين،‭ ‬العلمانية،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭.‬

ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬هؤلاء‭ ‬المفكر‭ ‬السوري‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‭ ‬الذي‭ ‬انتقد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬هرطرقات‭ ‬‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والعلمانية‭ ‬والحداثة‭ ‬والممانعة‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬كتابات‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭ ‬عندما‭ ‬دعا‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬أطروحاته‭ ‬إلى‭ ‬استبعاد‭ ‬العلمانية‭ ‬من‭ ‬قاموس‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬واستبدالها‭ ‬بالديمقراطية،‭ ‬ورأى‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬العلمانية‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬جذور‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬وبلدان‭ ‬المغرب‭. ‬وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬بسب‭ ‬تبنيها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مسيحيي‭ ‬الشام‭. ‬وأضاف‭ ‬أنه‭ ‬يرفضها‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬الإسلام‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬كنيسة‭ ‬حتى‭ ‬ندعو‭ ‬الى‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة‮»‬‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭ ‬والحيوي‭ ‬الذي‭ ‬يُطرح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬يهرول‭ ‬المفكرون‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المناهج‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي؟‭ ‬

قبل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أصناف‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭: ‬الصنف‭ ‬الأول‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬وينشدها‭ ‬تطبيقاً‭ ‬لمقولة‭ ‬‮«‬الحكمة‭ ‬ضالة‭ ‬المؤمن‭ ‬فحيث‭ ‬وجدها‭ ‬فهو‭ ‬أحق‭ ‬بها‮»‬‭ ‬وهذه‭ ‬المقولة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤمن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دائم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحكمة‭ ‬والمعرفة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مصدر‭ ‬كان،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العلماء‭ ‬أو‭ ‬تجارب‭ ‬الحياة‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يرفض‭ ‬الحكمة‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬أتت‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يفضله‭ ‬أومن‭ ‬ثقافة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬وداً‭ ‬إليها‭.‬

أما‭ ‬الصنف‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬الغربية‭ ‬خروجا‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬وينبذها‭ ‬ويدعو‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬الأخذ‭ ‬بها،‭ ‬بينما‭ ‬يؤمن‭ ‬الصنف‭ ‬الثالث‭ ‬بتلك‭ ‬المناهج‭ ‬إيماناً‭ ‬راسخاً؛‭ ‬ويعتبرها‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي،‭ ‬ومن‭ ‬دونها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النتائج‭ ‬الصحيحة‭. ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحناه‭ ‬قبل‭ ‬قليل،‭ ‬فإننا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الصنف‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يتسيدون‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي،‭ ‬ويرون‭ ‬أن‭ ‬اتباع‭ ‬المناهج‭ ‬الغربية‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يسلكه‭ ‬المفكرون‭ ‬في‭ ‬مقاربتهم‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بقصد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الحقيقة؛‭ ‬لأنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬العقل‭ ‬ولا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالميتافيزيقيا‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الطبيعة‭ (‬الغيبيات‭) ‬ولذلك‭ ‬فهم‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬مع‭ ‬علمهم‭ ‬المسبق‭ ‬أنها‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬نتيجة‭ ‬للصدام‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬بين‭ ‬رجال‭ ‬الكنيسة‭ ‬البابوبة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والمفكرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭. ‬وكان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬ديكارت‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الذين‭ ‬وقفوا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الكنيسة‭ ‬وعارض‭ ‬مواقفها،‭ ‬وقد‭ ‬غادر‭ ‬فرنسا‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭ ‬إلى‭ ‬هولندا‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬البطش‭ ‬به‭ ‬واستباحة‭ ‬دمه‭.‬

وقد‭ ‬نقل‭ ‬المفكرون‭ ‬العرب‭ ‬وخاصة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬درَسوا‭ ‬ودرْسوا‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الغربية‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬تلك‭ ‬المناهج‭ ‬والمفاهيم‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وقد‭ ‬تأثروا‭ ‬بالمفكرين‭ ‬الغربيين‭ ‬في‭ ‬تناولهم‭ ‬لمسائل‭: ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والعلم‭ ‬والدين،‭ ‬والمجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تثير‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الدينية‭ ‬والعلمية‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭. ‬إذ‭ ‬تحمس‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬لهذه‭ ‬المناهج‭ ‬والمفاهيم‭ ‬وتبنوها‭ ‬في‭ ‬دراساتهم‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬‭ ‬بالمناسبة‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬عليهم‭ ‬هذا‭ ‬التأثر‭ ‬‭ ‬ولكننا‭ ‬نختلف‭ ‬معهم‭ ‬اختلافاً‭ ‬كبيراً‭ ‬حين‭ ‬يلبسون‭ ‬المخالفين‭ ‬لهم‭ ‬ثياب‭ ‬‮«‬الظلاميين‮»‬‭ ‬أو‭ ‬حين‭ ‬يصفون‭ ‬الأصولية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬بـ«الأصولية‭ ‬الظلامية‮»‬‭ ‬اقتداءً‭ ‬بنظرائهم‭ ‬الغربيين‭. ‬وبعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬يتعمد‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬بقصد‭ ‬ازدراء‭ ‬المخالفين‭ ‬لفكرهم،‭ ‬والحط‭ ‬من‭ ‬شأنهم‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬التي‭ ‬يؤمنون‭ ‬بها،‭ ‬ومخالف‭ ‬لحرية‭ ‬الفكر‭ ‬التي‭ ‬يتشدقون‭ ‬بها‭.‬

في‭ ‬تقديري،‭ ‬ان‭ ‬تبني‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬وتطبيقها‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬حال‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬فهي‭ ‬مختلفة‭ ‬تمام‭ ‬الاختلاف‭ ‬عن‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الكنيسة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬البابوية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬كانت‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬أفكار‭ ‬الناس‭ ‬وتتحكم‭ ‬في‭ ‬اتجاهاتهم،‭ ‬وتفرض‭ ‬عليهم‭ ‬تعاليمها،‭ ‬وتلاحق‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬يحاول‭ ‬الخروج‭ ‬على‭ ‬تعاليمها‭ ‬وتصفه‭ ‬بالمارق‭ ‬والزنديق‭ ‬وتقضي‭ ‬بمعاقبته‭ ‬لدرجة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬القتل،‭ ‬فإن‭ ‬حال‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حالها‭ ‬كحال‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬دياجير‭ ‬الظلام‭ ‬بسبب‭ ‬سيطرة‭ ‬الكنيسة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وكانت‭ ‬تعارض‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬والمذاهب‭ ‬الفكرية‭ ‬المخالفة‭ ‬لها‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المذهب‭ ‬البروتستانتي‭. ‬بل‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭ ‬حين‭ ‬اتهمت‭ ‬كل‭ ‬مخالف‭ ‬لها‭ ‬بالكفر‭ ‬ووصفتهم‭ ‬بأعداء‭ ‬الله‭ ‬والمنحرفين‭ ‬عن‭ ‬الصراط‭ ‬المستقيم‭. ‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر؛‭ ‬فإن‭ ‬واقعها‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬العلوم‭ ‬العقلية‭ ‬الفكرية‭ ‬كانت‭ ‬تتسم‭ ‬بالثراء‭ ‬والحيوية‭ ‬والتواصل‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬الحواضر‭ ‬العثمانية‭ ‬والمغربية‭. ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬والكتاب‭ ‬بوصف‭ ‬ذلك‭ ‬القرن‭ ‬بالتدهور‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬سليمان‭ ‬القانوني‭ ‬أو‭ ‬بوصفه‭ ‬‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العربي‭ ‬‭ ‬قرن‭ ‬الجمود‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬الصدمة‭ ‬الحضارية‭ ‬عند‭ ‬دخول‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1798م‭. ‬

الخلاصة،‭ ‬إن‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬ضرورية،‭ ‬ومطلوبة‭ ‬ولكن‭ ‬بعيون‭ ‬تدرك‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬ونظيرتها‭ ‬الغربية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا