القارئ والمتابع للفكر العربي الإسلامي يكتشف أن كثرة من المفكرين والكتاب العرب يدعون إلى قراءة التراث الإسلامي بعيون غربية؛ أي باستخدام المناهج الغربية، ولهؤلاء المفكرين حضوراً قوياً في الساحة الفكرية العربية الإسلامية يتجسد في انتاجهم الفكري الغزير، ونحن لا نشكك لحظة واحدة بأنهم قامات كبيرة، وذوو أوزان ثقيلة في هذه الساحة، ولا يشق لهم غبار في هذا المجال. ومع تقديرنا لاجتهاداتهم وإسهاماتهم الفكرية، فإننا نرى أن بعض اجتهاداتهم قد ضلت الطريق؛ فهي لا تعكس الحقيقة التي ينشدونها بسبب أنهم استخدموا أدوات ومناهج غربية في مقارباتهم للفكر العربي الإسلامي انطلاقاً من قناعاتهم الراسخة بوجود تشابه بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية من حيث إن كلتيهما تسيطران عليهما المؤسسة الدينية متمثلة في القساوسة في الثقافة الغربية والعلماء والمشايخ في الثقافة العربية الإسلامية. مع أن الواقع يؤكد وجود اختلاف بينهما. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم هو: هل استخدام المناهج الغربية في دراسة التراث العربي الإسلامي تؤدي إلى الوصول إلى نتائج صحيحة بالرغم من الاختلاف الكبير بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية؟
المنطق يقول: إذا كانت المقدمات التي تستند إليها الحجة خاطئة، فمن المحتمل أن تكون النتيجة خاطئة أيضاً، حتى لو كان الاستدلال صحيحا من الناحية الشكلية وهذا المبدأ أساسي في علم المنطق ويشير إلى أهمية صحة المقدمات في بناء استدلال سليم. في هذا السياق يمكن الإشارة إلى أحد المفكرين الكبار وهو من دعاة تبني المناهج الغربية في دراسة الفكر العربي الإسلامي؛ وهو الدكتور محمد أركون، مفكر جزائري فرنسي وأستاذ في جامعة السوربون (1928- 2010) إذ يرى: أنه يجب إعادة قراءة القرآن برؤية عصرية وتجريده من القداسة التي تعيق دراسته. فهو يريد منا أن ننتزع القداسة عن كتاب الله وغاب عن ذهنه أن هذا كلام الله ولا يمكن أن نساويه بالكتب التي يؤلفها البشر. أما على صعيد المفاهيم والمصطلحات فهناك من المفكرين في بلداننا العربية من يتبنى مفاهيم ومصطلحات مثل: الظلامية، الظلاميون، التنوير، الأصولية الظلامية، والعلمانية، والحداثة، وغيرها عند تناولهم مسائل مثل: دراسة النص الديني (القرآني) وعلاقة الدين بالمجتمع، والدين والدولة، والعلم والدين، العلمانية، الديمقراطية في المجتمعات العربية الإسلامية.
ومن أمثلة هؤلاء المفكر السوري جورج طرابيشي الذي انتقد في كتابه «هرطرقات – عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية» كتابات المفكر المغربي محمد عابد الجابري عندما دعا الأخير في إحدى أطروحاته إلى استبعاد العلمانية من قاموس الفكر القومي العربي واستبدالها بالديمقراطية، ورأى أن مفهوم العلمانية ليست لها جذور في بلدان الجزيرة العربية وبلدان المغرب. وقد انتشرت في بلاد الشام بسب تبنيها من قبل مسيحيي الشام. وأضاف أنه يرفضها لأن «الإسلام ليس فيه كنيسة حتى ندعو الى فصل الدين عن الدولة».
في ضوء ما تقدم، فإن السؤال المهم والحيوي الذي يُطرح في هذا السياق هو: لماذا يهرول المفكرون إلى استخدام المناهج والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة في دراسة الفكر الغربي؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال يمكن القول: بأن هناك ثلاثة أصناف من المفكرين: الصنف الأول يبحث عن الحقيقة وينشدها تطبيقاً لمقولة «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» وهذه المقولة تشير إلى أن المؤمن يجب أن يكون دائم البحث عن الحكمة والمعرفة من أي مصدر كان، سواء كان ذلك من خلال العلماء أو تجارب الحياة المختلفة، ولا ينبغي له أن يرفض الحكمة لمجرد أنها أتت من شخص لا يفضله أومن ثقافة أخرى لا يحمل وداً إليها.
أما الصنف الثاني فهو الذي يرى في المناهج الغربية خروجا عن الدين وينبذها ويدعو إلى عدم الأخذ بها، بينما يؤمن الصنف الثالث بتلك المناهج إيماناً راسخاً؛ ويعتبرها الأساس في المنهج العلمي، ومن دونها لا يمكن الوصول إلى النتائج الصحيحة. وفيما يتعلق بالسؤال الذي طرحناه قبل قليل، فإننا نرى أن الصنف الثالث من المفكرين هم الذين يتسيدون المشهد الثقافي، ويرون أن اتباع المناهج الغربية هو الطريق الوحيد الذي ينبغي أن يسلكه المفكرون في مقاربتهم للفكر العربي الإسلامي بقصد اكتشاف الحقيقة؛ لأنه هو الذي يحكم العقل ولا يؤمن بالميتافيزيقيا أي ما وراء الطبيعة (الغيبيات) ولذلك فهم يدعون إلى استخدام هذه المناهج مع علمهم المسبق أنها نشأت في الثقافة الغربية نتيجة للصدام الذي وقع بين رجال الكنيسة البابوبة في فرنسا في القرن السابع عشر من جهة، والمفكرين والفلاسفة من جهة ثانية. وكان الفيلسوف الفرنسي ديكارت من أبرز الفلاسفة الذين وقفوا في وجه الكنيسة وعارض مواقفها، وقد غادر فرنسا تحت جنح الظلام إلى هولندا خوفاً من البطش به واستباحة دمه.
وقد نقل المفكرون العرب وخاصة أولئك الذين درَسوا ودرْسوا في الجامعات الغربية وبالتحديد في فرنسا تلك المناهج والمفاهيم إلى الثقافة العربية الإسلامية وقد تأثروا بالمفكرين الغربيين في تناولهم لمسائل: العلاقة بين الدين والمجتمع، والعلم والدين، والمجتمع والدولة وغيرها من المفاهيم التي لا تزال تثير الجدل في الأوساط الدينية والعلمية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. إذ تحمس بعض المفكرين لهذه المناهج والمفاهيم وتبنوها في دراساتهم للفكر العربي الإسلامي – بالمناسبة نحن لا ننكر عليهم هذا التأثر – ولكننا نختلف معهم اختلافاً كبيراً حين يلبسون المخالفين لهم ثياب «الظلاميين» أو حين يصفون الأصولية الإسلامية في مجملها بـ«الأصولية الظلامية» اقتداءً بنظرائهم الغربيين. وبعض هؤلاء يتعمد استخدام هذا التوصيف بقصد ازدراء المخالفين لفكرهم، والحط من شأنهم وهذا في تقديري لا ينسجم مع حرية الرأي التي يؤمنون بها، ومخالف لحرية الفكر التي يتشدقون بها.
في تقديري، ان تبني بعض المفكرين هذه المناهج والمفاهيم والمصطلحات وتطبيقها على التراث الإسلامي لا ينسجم مع واقع حال المجتمعات العربية الإسلامية؛ فهي مختلفة تمام الاختلاف عن المجتمعات الغربية. فإذا كانت الكنيسة الكاثوليكية البابوية في فرنسا كانت تسيطر على أفكار الناس وتتحكم في اتجاهاتهم، وتفرض عليهم تعاليمها، وتلاحق أي فرد يحاول الخروج على تعاليمها وتصفه بالمارق والزنديق وتقضي بمعاقبته لدرجة تصل إلى حد القتل، فإن حال المجتمعات العربية والإسلامية في تلك الفترة لم يكن حالها كحال فرنسا التي كانت تعيش في دياجير الظلام بسبب سيطرة الكنيسة على المجتمع الفرنسي، وكانت تعارض كل الاتجاهات والمذاهب الفكرية المخالفة لها بما في ذلك المذهب البروتستانتي. بل أن الأمر لم يقف بالنسبة لها عند هذا الحد، بل ذهبت في هذا الاتجاه إلى أبعد الحدود حين اتهمت كل مخالف لها بالكفر ووصفتهم بأعداء الله والمنحرفين عن الصراط المستقيم.
أما بالنسبة للمجتمعات العربية الإسلامية في القرن السابع عشر؛ فإن واقعها يقول إن العلوم العقلية الفكرية كانت تتسم بالثراء والحيوية والتواصل الفكري في الحواضر العثمانية والمغربية. وهو عكس ما ذهب إليه بعض المفكرين والكتاب بوصف ذلك القرن بالتدهور الذي بدأ بعد وفاة السلطان العثماني سليمان القانوني أو بوصفه – في السياق العربي – قرن الجمود الذي استمر إلى لحظة الصدمة الحضارية عند دخول الجيش الفرنسي إلى مصر عام 1798م.
الخلاصة، إن إعادة قراءة التراث الإسلامي ضرورية، ومطلوبة ولكن بعيون تدرك الفرق بين الثقافة العربية الإسلامية ونظيرتها الغربية.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك