ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث باستمرار عن طموحه إلى «تغيير وجه الشرق الأوسط»، لكن يبدو أن تأكيداته المتكررة تتعارض مع التطورات الفعلية على أرض الواقع في المنطقة.
لقد أثبتت علاقة نتنياهو الانتهازية باللغة أنها تضرّ ببلاده. لا شك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يدرك مبادئ التسويق الأساسية، ولا سيما قوة العلامة التجارية القوية والرسائل المتسقة.
ومع ذلك، ورغم تأكيداته المتواصلة، ولكي ينجح أي منتج بمرور الوقت، فإن العلامة التجارية الذكية وحدها لا تكفي، إذ يجب أن يرقى المنتج نفسه إلى الحد الأدنى من التوقعات على الأقل.
ولكن «منتج» بنيامين نتنياهو أثبت أنه معيب تماما وتعتريه الكثير من الشوائب، ومع ذلك يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي البالغ من العمر 75 عاما بعناد التخلي عن أساليب التسويق العتيقة.
ولكن ما الذي يسعى بنيامين نتنياهو إلى تسويقه بالضبط؟
قبل توليه قيادة إسرائيل بوقت طويل، أتقن بنيامين نتنياهو فن التكرار، وهو أسلوبٌ يستخدمه السياسيون غالبًا لإغراق الخطاب العام بشعاراتٍ محددة. ومع مرور الوقت، يُقصد بهذه الشعارات أن تصبح «منطقية».
في عام 1992، عندما كان عضوًا في الكنيست، ألقى بنيامين نتنياهو تصريحًا بدا كأنه مفاجأة مدوية: إيران على بُعد «ثلاث إلى خمس سنوات» من امتلاك قنبلة نووية. وفي عام 1996، حثّ الكونغرس الأمريكي على التحرك، مُعلنًا أن «الوقت ينفد».
وبعد سقوط الحكومة العراقية في عام 2003، وجه بنيامين نتنياهو كل طاقته نحو تسويق خطاب جديد يدور حول إيران كتهديد وجودي.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، ظلت إيران تشكل محور اهتمامه الأساسي، حتى مع بدء تشكيل التحالفات الإقليمية حول خطاب الاستقرار وتجديد العلاقات الدبلوماسية.
مع ذلك، بدا واضحًا أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وخاصةً خلال ولايتها الثانية، غير مهتمة بحرب إقليمية أخرى. فبمجرد مغادرة أوباما منصبه، عاد نتنياهو إلى استراتيجيته التسويقية القديمة.
خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، برزت جميع أساليب بنيامين نتنياهو التسويقية. فقد استخدم ما يُعرف بالإعلانات المقارنة، حيث يُشوّه «منتج» أعدائه بمصطلحاتٍ بدائية مثل «الهمجية» و«العصور المظلمة» وما إلى ذلك، بينما يُروّج لمنتجه على أنه يُمثّل «الحضارة» و«التنوير» و«التقدم».
استثمر بنيامين نتنياهو أيضًا بكثافة في أسلوب التسويق القائم على الخوف وعدم اليقين والشك، وقد تضمن ذلك نشر معلومات سلبية أو مضللة عن الآخرين، مع الترويج لمعلوماته الخاصة كبديل أفضل بكثير.
هذا يقودنا إلى «صياغة الحلول». على سبيل المثال، يُفترض أن ما يُسمى «التهديدات الوجودية» التي تواجهها إسرائيل يُمكن حلها من خلال إنشاء «شرق أوسط جديد»، ولكي يتحقق هذا الواقع الجديد، يُجادل بنيامين نتنياهو بأنه يتعين على الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات، ليس فقط لإنقاذ إسرائيل، بل أيضًا لإنقاذ «العالم المتحضر».
تجدر الإشارة إلى أن «الشرق الأوسط الجديد» الذي طرحه بنيامين نتنياهو ليس تصوره الأصلي. ويمكن إرجاع هذه الفكرة إلى ورقة بحثية نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في مارس 2004.
وقد جاءت هذه الحركة في أعقاب الحرب الأمريكية وغزو العراق، وكانت جزءاً من النشوة الفكرية التي أصابت المثقفين الأمريكيين وغيرهم من المثقفين الغربيين الساعين إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تتناسب مع الاحتياجات الجيوسياسية الأمريكية.
لقد سعى ذلك المقال الصادر عن مؤسسة كارنيجي إلى توسيع نطاق تعريف الشرق الأوسط إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التقليديين، ليصل إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
تبنى السياسيون الأمريكيون هذا المفهوم الجديد، وصمموه بما يتناسب مع المصالح الأمريكية آنذاك. وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس هي من أعادت صياغة مفهوم «الشرق الأوسط الأكبر» إلى «الجديد»، مُطلقةً بذلك مفهوم «الشرق الأوسط الجديد»، الذي أعلنته في يونيو 2006.
مع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تبنى هذا المصطلح، إلا أنه ارتجله في السنوات الأخيرة. فبدلاً من الحديث عنه كهدف بعيد المنال، أعلن أنه يعمل بنشاط على تحقيقه على أرض الواقع، حيث قال في أحد تصريحاته بنشوة المنتصر في يونيو 2021: «نحن نغيّر وجه الشرق الأوسط. نحن نغيّر وجه العالم».
وحتى بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إسرائيلية وإبادة جماعية في قطاع غزة، لم يتوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن استخدام هذا المصطلح. لكن هذه المرة، تراوح تركيزه على «التغيير» بين إمكانية مستقبلية وواقع ملموس، حيث قال في أحد تصريحاته في التاسع من أكتوبر من نفس العام: «أطلب منكم أن تظلوا ثابتين لأننا سنغير الشرق الأوسط».
وفي شهر سبتمبر من سنة 2024، أعلن حسن نصر الله أن إسرائيل «تسعى» إلى تنفيذ خطة «اغتيال قادة حزب الله» بهدف «تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط».
ومرة أخرى، في شهري أكتوبر وديسمبر من العام الماضي، وكذلك في شهر يناير من هذا العام، وفي كل مرة، ظل بنيامين نتنياهو يربط بين «تغيير الشرق الأوسط» بالقنابل والصواريخ، لا غير.
وفي شهر مايو الماضي، وبالتزامن مع القصف الإسرائيلي المدمر على اليمن، أعلن نتنياهو أن «مهمة» إسرائيل تتجاوز «هزيمة حماس»، وتمتد إلى «تغيير وجه الشرق الأوسط».
وأخيرا، في 16 يونيو الماضي، استخدم بنيامين نتنياهو نفس اللغة للحديث عن الحرب مع إيران، وهذه المرة ظل ملتزما بالتعديل الجديد المتمثل في إضافة كلمة «وجه» إلى الشرق الأوسط الذي يتصوره بنفسه.
وبطبيعة الحال، وبغض النظر عن تكتيكات العلامات التجارية القديمة، فإن الشرق الأوسط الذي يطمح إليه نتنياهو، يشبه إلى حد كبير «الشرق الأوسط الكبير» القديم الذي تبنته الولايات المتحدة، يظل مجرد حلم بعيد المنال يهدف إلى الهيمنة على المنطقة الغنية بالموارد، مع اضطلاع إسرائيل بدور القوة المهيمنة الإقليمية.
مع ذلك، أثبتت أحداث العامين الماضيين أنه على الرغم من تغير منطقة الشرق الأوسط بالفعل، فإن هذا التحول ليس بسبب إسرائيل. وبالتالي، فمن المرجح ألا تكون النتيجة على هوى بنيامين نتنياهو وكما يشتهيها.
ولذلك، قد يستمر بنيامين نتنياهو في تكرار الشعارات الاستعمارية القديمة، مثل الأسطوانة المشروخة، ولكن التغيير الحقيقي لن يحدث إلا بفضل شعوب المنطقة ولاعبيها السياسيين الأكفاء.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك