يبدو أن المخطط الإسرائيلي الأمريكي لإخضاع المنطقة بدأ مع إضعاف «محور المقاومة» ويستهدف في النهاية تنفيذ ضرب إيران بهدف إنهاء مشروعها النووي وتجريدها من قدراتها الصاروخية وتقليص نفوذها في الإقليم بشكل كبير، ويتبع ذلك تطبيع للعلاقات العربية الإسرائيلية تحت مسمى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبما يفتح الطريق فعلياً للضم والتهجير.
السلوك الإسرائيلي والأمريكي يشير إلى وصولهم إلى قناعة بأن أضلاع محور المقاومة قد تم إضعافها إلى حد بعيد، فالذي يطالب اليوم بالتمسك بوقف إطلاق النار والالتزام به هو «المحور» وليس دولة الاحتلال، بينما الأخيرة تُصعد وتسعى الى تجريد المقاومة من سلاحها في الساحات المتعددة التي تهاجمها بشكل متواصل ودون كلل.
هذا الهجوم الواسع على أضلاع «محور المقاومة» لا يُمكن فصله عما يتم إعداده عسكريا ضد إيران.
لطالما رأت دولة الاحتلال في المشروع النووي الإيراني خطراً وجودياً عليها، وهي تستشعر الخطر من قدرات إيران الصاروخية التي اختبرتها في ضربات في سبتمبر العام الماضي، وهي ترى أيضاً أن نفوذها الإقليمي يشكل خطراً أمنياً عليها اختبرته في لبنان وغزة واليمن والعراق.
لذلك هنالك قرار إسرائيلي منذ زمن بعيد بضرب منشآت إيران النووية وإضعافها كدولة. المشكلة فقط، أنها لم تكن سابقاً، قادرة لوجستياً على تدمير هذه المنشآت وحدها. وعندما امتلكت القدرة اللوجستية، كانت إيران قد تقدمت عليها خطوة وأحاطتها بقوى المقاومة التي شكلت عاملاً مهماً في ردع دولة الاحتلال عن مهاجمة إيران.
يقول إيهود باراك في كتابه «بلدي، حياتي: النضال من أجل إسرائيل، والبحث عن السلام»، الذي صدر عام 2018 أنه سعى بكل قوته عندما كان وزيراً للدفاع في حكومتي إيهود أولمرت ونتنياهو (2007-2013) لتجهيز الجيش لضرب المنشآت النووية الإيرانية وأن هذه القدرات قد توفرت منذ خريف عام 2010 ويقصد طائرات التزود بالوقود في الجو والقنابل الخارقة للتحصينات، لكن الذي منع مهاجمة إيران هو عدم وجود إجماع داخل المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر على ذلك خوفاً من تداعياته الأمنية: أن يقوم «حزب الله» بإمطار دولة الاحتلال بالصواريخ.
هذه المخاوف دفعت إسرائيل الى السعي إلى توريط الولايات المتحدة في الحرب على إيران بالشراكة معها أو نيابة عنها. لكن الرؤساء الأمريكيين منذ جورج بوش الابن إلى جوزيف بايدن رفضوا جميعا ذلك. بوش لم يرغب في التورط بحرب جديدة بعد كارثة العراق، أوباما كان يفضل الدبلوماسية مع إيران، أما ترامب وبايدن فكانا يفضلان سياسة العقوبات القصوى.
لكن أشياء عديدة تغيرت مع نهاية عام 2024 ووصول ترامب إلى البيت الأبيض لولاية جديدة، وهو ما يجعل من مسألة الهجوم على إيران أكثر احتمالاً. ما الذي تغير؟:
أولاً: هنالك قناعة إسرائيلية أمريكية بأن حلفاء إيران في الإقليم قد تم إضعافهم بشكل كبير خلال الحرب المستمرة منذ 18 شهراً، لكن هذا الضعف لا يُمكن الحفاظ والبناء عليه إذا ما استمرت إيران قوية لأن بإمكانها إعادة تقوية حلفائها وإمدادهم بالمال والسلاح، ولمنع ذلك يجب إضعافها بتجريدها من عوامل قوتها العسكرية.
ثانياً: لدى إدارة ترامب خطة واضحة لما يريده في الشرق الأوسط وهي باختصار تهجير فلسطينيي غزة، العودة إلى صفقة القرن وضم أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية لإسرائيل، وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية. كل ذلك غير مقبول من «الفلسطينيين والعرب» وبالتالي يجب إخضاعهم بالقوة لقبوله.
هذا الإخضاع لا يحدث دون إزالة العقبة الرئيسة في وجهه وهي إيران ومحورها.
ثالثاً: هنالك أيضا بعد شخصي يتعلق بترامب. الرجل يريد الظهور بمظهر الزعيم القوي الذي لا يتردد في فعل ما يقول، وعلى عكس ما يقال بأنه شخصية غير متوقعة، هو واضح جداً وهو ينفذ ويفعل ما يقول.. ترامب أوضح في رسالته لإيران أن أمامها خيارين: اتفاق (استسلام) عبر المفاوضات، أو توقع الضربات العسكرية، بمعنى أن القرار بمهاجمة إيران قد تم اتخاذه وأن الذهاب في هذا الاتجاه يعتمد على الموقف الإيراني؛ ومدى القبول بالخضوع للشروط الأمريكية.
رابعاً: لدى دولة الاحتلال وحلفائها في واشنطن تأثير كبير في ترامب وهم جميعاً يضغطون باتجاه مواجهة إيران عسكرياً. جميع المراكز المهمة لصناعة القرار في إدارة ترامب تؤيد سياسة دولة الاحتلال التي تدعو إلى مواجهة إيران عسكرياً: مستشار الأمن القومي، مايك والتز؛ وزير الخارجية، مارك روبيو؛ وزير الدفاع، بيت هيجيسث، ويمكن الإضافة هنا بالقول إن لإسرائيل تأثيرا أكبر في الكونجرس الأمريكي مما للرئيس الأمريكي نفسه.
خامساً: إن المؤشرات التي تدفع باتجاه نية إدارة ترامب الذهاب إلى الحرب كثيرة ومنها تصريحات ترامب نفسه التي أمهل فيها إيران شهرين للوصول إلى اتفاق أو التعرض لعمل عسكري. ثم هنالك الحشد العسكري في المنطقة المطلة على إيران بما فيها إرسال حاملة طائرات جديدة «كارل فينسون» للانضمام الى «هاري ترومان» في البحر الأحمر، وإرسال قاذفات بي 2 الاستراتيجية إلى القاعدة العسكرية البريطانية الأمريكية في دييجو جارسيا في المحيط الهندي. ومنها الهجوم الجوي المستمر على الحوثيين في اليمن.
كل ذلك يشير الى أن هنالك هجوماً أمريكياً- إسرائيلياً قريبا على منشآت إيران النووية والصاروخية. لكن هل يتحول هذا الهجوم الى حرب شاملة؟
سيعتمد ذلك إلى حد بعيد على الرد الإيراني. إن تقبلت إيران خسائرها وامتنعت عن الرد أو قامت برد تحذيري وغير مؤثر مثلما فعلت عندما اغتالت إدارة ترامب الجنرال قاسم سليماني 2020 فلن تكون هنالك حرب، لكن الضغوط عليها بالعقوبات الاقتصادية واستباحة أراضيها سيستمر.
{ كاتب من فلسطين
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك