خبراء: الرسوم تتيح فرصا جديدة لجذب الاستثمارات وتطوير الصناعات المحلية
شهدت السياسة التجارية العالمية في 2 أبريل فصلا جديدا مع إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية جديدة على مجموعة واسعة من السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة. تأتي هذه الخطوة في سياق وعود ترامب الحمائية التي يرى فيها وسيلة لدعم الصناعات الأمريكية وتقليل العجز التجاري.
وبينما تتركز الأنظار على تأثير هذه الرسوم في الاقتصادات الكبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، يثار تساؤل مهم حول مدى تأثر الدول العربية بهذه الإجراءات.
وتتسم العلاقات التجارية بين الدول العربية والولايات المتحدة بالتنوع، حيث تختلف طبيعة وحجم التبادل التجاري من دولة إلى أخرى. تعد الولايات المتحدة شريكا تجاريا مهما لعديد من الدول العربية، سواء كمصدر رئيسي للواردات من السلع والخدمات، أو كسوق لتصدير بعض المنتجات العربية، وعلى رأسها النفط والمنتجات البتروكيماوية. كما تستورد الولايات المتحدة من الدول العربية مجموعة متنوعة من السلع الأخرى مثل الأسمدة والألومنيوم وبعض المنتجات الزراعية والمنسوجات.
وشملت الرسوم الجمركية المضادة التي فرضتها الولايات المتحدة مجموعة من الدول العربية، حيث جاءت سوريا في مقدمة القائمة بنسبة 41 بالمئة، تلتها العراق بنسبة 39 بالمئة، ثم ليبيا بنسبة 31 بالمئة، والجزائر بنسبة 30 بالمئة، وتونس بنسبة 28 بالمئة، والأردن بنسبة 20 بالمئة، أما بقية الدول العربية المفروضة عليها رسوم جمركية بنسبة 10 بالمئة، فقد شملت كلا من قطر، الإمارات، السعودية، مصر، الكويت، السودان، اليمن، لبنان، جيبوتي، عمان، والبحرين والمغرب، موريتانيا وجزر القمر.
وأكد خبراء اقتصاد في تصريحات خاصة لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية» أن رسوم ترامب الجمركية الجديدة تشكل تحدياً كبيراً للمصالح التجارية العربية في أمريكا، وأنها قد تخلق فرصاً جديدة للدول العربية، مثل جذب الاستثمارات الصينية وتطوير الصناعات المحلية.
ويرى الدكتور مازن ديروان أن هذه الرسوم قد تؤدي إلى انقلاب الميزان التجاري لصالح الدول العربية، بينما أشار محمد الشاعر إلى أن دولاً مثل السعودية والأردن ستتأثر سلبا، مما يدفعها إلى تغيير سياساتها التصديرية. في حين أكد الدكتور محمد جميل الشبشيري أن التعرفات ستؤثر في تنافسية الصادرات العربية في السوق الأمريكي.
ويرى الخبراء أن هذه الرسوم ستؤدي إلى تغير في الخريطة التجارية العربية. وبشكل عام، فإن تأثير هذه الرسوم سيكون متعدد الأوجه، حيث يجمع بين التحديات والفرص للدول العربية.
قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد جميل الشبشيري في حديث خاص لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»: «تشكل التعريفات الجمركية أداة محورية في السياسة التجارية العالمية، حيث تؤثر بشكل مباشر في حركة التبادل التجاري والنمو الاقتصادي للدول».
وتحدث الدكتور الشبشيري حول تأثير التعريفات الجمركية في التجارة العربية وفقا لما يلي: التأثير المباشر في الصادرات العربية والخليجية إلى أمريكا: تعتمد العديد من الدول العربية والخليجية على الولايات المتحدة كسوق رئيسي لصادراتها، لا سيما في قطاعات مثل، النفط والغاز الذي يشكل حوالي 80 بالمئة من إجمالي الصادرات الخليجية، والمعادن (الألمنيوم والفولاذ)، والتي تعرضت لتعرفات بلغت بين 10 بالمئة إلى 25 بالمئة، مما أدى إلى تراجع صادرات بعض الدول بنسبة 30 بالمئة، والمنتجات الزراعية (التمور، الحمضيات، الأسماك المجمدة)، والصناعات البتروكيماوية والمنسوجات. وإن فرض تعريفات إضافية سيؤثر في القدرة التنافسية لهذه المنتجات، كما حدث في 2018 عندما انخفضت صادرات الألمنيوم الخليجي إلى أمريكا بنسبة 30 بالمئة بعد فرض رسوم جديدة.
ارتفاع تكاليف الاستثمارات العربية والخليجية في الولايات المتحدة: تعد الولايات المتحدة وجهة رئيسية للاستثمارات العربية والخليجية، لا سيما في العقارات، الطاقة، والخدمات المالية. لكن التعريفات الجمركية وارتفاع تكاليف المواد الخام قد يؤديان إلى تقليص العوائد الاستثمارية، مما يدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل في أوروبا وآسيا.
اضطراب سلاسل التوريد وإعادة توجيه التجارة: تعتمد الشركات العربية والخليجية على استيراد معدات وتقنيات أمريكية لتشغيل مصانعها. وفرض تعريفات جديدة قد يزيد تكاليف الإنتاج، مما يدفع الشركات إلى البحث عن موردين بديلين من أوروبا أو آسيا، كما تشير بيانات غرفة تجارة دبي إلى أن الصادرات الخليجية لآسيا وإفريقيا زادت بنسبة 6 بالمئة سنوياً، ما يعكس بداية تحولات في الخريطة التجارية.
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور الشبشيري إلى تأثير هذه الرسوم في القطاعات الاقتصادية الرئيسية كفرص للنمو وخصوصاً في القطاع الصناعي حيث قال:
«إن فرض تعريفات على الصين قد يدفع الشركات الصينية إلى نقل استثماراتها إلى دول الخليج للاستفادة من الإعفاءات الجمركية والموقع الاستراتيجي».
بدأت بعض رؤوس الأموال تتجه نحو الاستثمار في صناعات السيارات في مصر، مما قد يشجع دول الخليج على تطوير صناعات مماثلة لتقليل الاعتماد على الواردات.
أما بالنسبة إلى الأمن الغذائي فنوه بضرورة الحاجة إلى حلول استراتيجية، مشيراً إلى أن «دول الخليج تعتمد على الواردات لتغطية 90 بالمئة من احتياجاتها الغذائية. ومع زيادة التعريفات الجمركية، قد ترتفع الأسعار بنسبة 8-10 بالمئة، ما يعزز الحاجة إلى الاستثمار في الزراعة والتقنيات الحديثة لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية».
وفيما يتعلق بقطاع التكنولوجيا والرقمنة باعتباره قطاعاً حساساً أمام التعرفات أوضح الشبشيري أن: أي تعريفات على الإلكترونيات قد تزيد أسعار الأجهزة الذكية بنسبة 5-8 بالمئة، مما يؤثر في التحول الرقمي في دول الخليج.
كما أشار إلى أن فرض تعريفات جمركية على الواردات العربية والخليجية قد يدفع هذه الدول إلى تعزيز تحالفاتها التجارية مع قوى أخرى، مثل الصين والهند وروسيا، لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، موضحاً أن دول الخليج خسرت في عام 2019، خسرت 3.8 مليارات دولار بسبب التوترات التجارية، مما دفعها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الاقتصادية.
ورداً على سؤال فيما إذا كانت رسوم ترامب الجمركية ستعيد رسم خريطة التجارة العربية قال الدكتور الشبشيري: نعم، من المرجح أن تعيد رسوم ترامب إعادة رسم خريطة التجارة العربية من خلال:
توسع الشراكات التجارية مع الأسواق الناشئة: تشير البيانات إلى أن الصادرات الخليجية إلى آسيا وإفريقيا تنمو بنسبة 6 بالمئة سنويًا، وهو ما قد يتسارع مع زيادة التعرفات الأمريكية.
تعزيز التصنيع المحلي: قد تدفع التعريفات الجمركية بعض الدول إلى الاستثمار في الصناعات التحويلية لتقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية، خاصة في قطاع التكنولوجيا والبتروكيماويات.
الاستثمار في الزراعة والتكنولوجيا: دول الخليج مطالبة بتوسيع استثماراتها في الزراعة الحديثة لسد الفجوة الغذائية وتقليل تأثير التعرفات في الأمن الغذائي.
إعادة توجيه الاستثمارات العربية من أمريكا إلى أسواق أخرى: الاستثمارات العربية في العقارات والطاقة داخل الولايات المتحدة قد تتراجع، مع تحول الأموال نحو أوروبا، آسيا، وأمريكا اللاتينية، حيث توجد فرص نمو أكبر وأمان استثماري أفضل.
وختم الخبير الاقتصادي بقوله: «تمثل التعريفات الجمركية تحدياً كبيراً للمصالح التجارية العربية والخليجية، لكنها في الوقت ذاته قد تكون فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز القطاعات المحلية. المرونة الاقتصادية، التوجه نحو الأسواق البديلة، ودعم الابتكار، ستكون العوامل الحاسمة التي تحدد قدرة الدول العربية والخليجية على تجاوز هذه التحديات واستغلالها لصالحها».
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي محمد الشاعر في حديثه لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية» أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول العربية سيؤثر سلباً في الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة، خاصة في ظل وجود اتفاقيات تجارة حرة بين أمريكا وبعض الدول العربية، مثل السعودية والأردن.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي الدكتور مازن ديروان، في حديثه لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»: «إن فرض ترامب لرسوم جمركية إضافية على صادرات الدول العربية يعتبر أمراً مستغرباً جداً وضاراً بالاقتصاد الأميركي بسبب أن الميزان التجاري مع الدول العربية هو بالفعل لصالح الولايات المتحدة وخاصة أن الصادرات العربية في أغلبها إما أن تكون مواد خام أو سلعا ذات تقنية متدنية أو كثيفة العمالة».
هذه الرسوم الإضافية ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنتاج المنتجات الأمريكية التي تدخل فيها مواد مستوردة وبالتالي ترتفع الأسعار على المستهلكين في الولايات المتحدة وعلى المستوردين في الدول الأخرى بمن فيهم الدول العربية مما سيؤدي إلى تقلص في مبيعات البضائع الأمريكية ومن ثم انكماش اقتصادي، بحسب تعبيره.
وأوضح الدكتور ديروان أن هذه الآلية ستتسارع أكثر إذا قامت الدول العربية بفرض رسوم جمركية إضافية إنتقامية على المستوردات من الولايات المتحدة مما سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار البضائع الأمريكية في الأسواق العربية وبالتالي تقلص قدرة البضائع الأمريكية على المنافسة في الأسواق العربية مما يؤدي إلى انخفاض مبيعاتها بشكل أكبر وأسرع.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك