تشهد الساحة الدولية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولات جذرية تؤثر بشكل كبير في الأمن والاستقرار العالمي. إذ تُنذر السياسات الحالية، التي تشمل تقليص التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه حلفائها والانكفاء على التزاماتها الدولية، بتصعيد خطر في انتشار الأسلحة النووية. ومع تزايد المخاوف من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تسريع سباق التسلح النووي في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فإنها تهدد بتقويض النظام الأمني العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
تناولت ليزلي فينجاموري، مديرة برنامج الولايات المتحدة والأمريكيتين في المعهد الملكي للشؤون الدولية، الاختلافات بين إدارة ترامب الأولى (2017-2021) والأشهر الثلاثة الأولى من ولايته الثانية، مشيرة إلى استعداد الإدارة الحالية لتنفيذ أجندتها التي تهدف إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية داخليًا ودوليًا. وذكرت فينجاموري أن هذه السياسات تُرسل «إشارة للعالم» مفادها أن التزام الولايات المتحدة الأمني الذي دام أكثر من ثمانية عقود قد يشهد تحولًا جذريًا قريبًا، بدءًا من التهديدات الدولية إلى التوسع الإقليمي للولايات المتحدة، مرورًا بالضغط على حلفاء الناتو، وفرض قيود اقتصادية على الواردات الأجنبية، وصولًا إلى سحب الدعم الأمريكي للحكومة الأوكرانية في حربها ضد روسيا.
بينما لم يتردد ترامب وصانعو القرار في إظهار ازدرائهم لدور الولايات المتحدة كضامن للأمن الدولي، أشار جدعون روز من مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الإدارة الحالية لم تأخذ بعين الاعتبار العواقب المحتملة، أبرزها إشعال «جولة جديدة من الانتشار النووي». هذا الانتشار لا ينحصر في دول «مارقة» مثل إيران وكوريا الشمالية، بل يشمل أيضًا حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة الذين بدأوا في استنتاج أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد على واشنطن لضمان أمنهم. من جانبها، حذرت راشيل أ. إبستين وديباك داس من أن «أمريكا غير الموثوقة» قد تدفع المزيد من الدول إلى السعي للحصول على أسلحة نووية، ما يهدد بتحول عالمي نحو عدم الاستقرار النووي.
ردًا على ما اعتبره البعض تقويضًا من إدارة ترامب للهيكل الأمني الأوروبي، وخاصة عبر تقليص دور حلف الناتو، أشار تيموثي جارتون آش، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن المسؤولين في أوروبا بدأوا يشعرون بضرورة الاستعداد للدفاع عن أنفسهم دون الاعتماد على الولايات المتحدة. لتحقيق ذلك، يتطلب الأمر تعزيز القوة العسكرية، بما في ذلك توسيع قدرات الردع النووي الأوروبية. إذا استمرت القوى النووية الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا في توسيع ترساناتها، فقد يهدد ذلك معاهدة منع الانتشار النووي، التي تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية وتعزيز التعاون في استخدام الطاقة النووية السلمية.
كما أوضحت إبستين وداس أن العديد من الدول التي وقعت على معاهدة حظر الانتشار النووي فعلت ذلك بناءً على ضمانات الأمن التي قدمتها الولايات المتحدة والدول النووية الأخرى. مع تقليص إدارة ترامب لالتزاماتها الدولية، بدأت الدول الأوروبية تشعر بأن واشنطن لم تعد موثوقة تمامًا. وطرحت إبستين وداس تساؤلًا حول ما إذا كان حلفاء الولايات المتحدة يجب أن يعيدوا تقييم هذه العلاقة في ظل التهديدات المستمرة من دول نووية مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
أما فيما يتعلق بمستقبل الانتشار النووي في أوروبا، فإن «المظلة النووية» الأمريكية في القارة تشمل حاليًا أكثر من 100 قنبلة متمركزة في أوروبا، بموجب ما يُعرف باتفاقية «التقاسم النووي» في حلف الناتو، التي تسمح باستخدام هذه الأسلحة بواسطة طائرات تابعة للدول الأوروبية الأعضاء في الحلف. ومع التشكيك في إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة في المستقبل للردع، عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «فتح نقاش استراتيجي» مع دول أوروبية أخرى لتحديد «ما إذا كان يمكن أن تظهر أشكال جديدة من التعاون» في مجال الردع النووي في إطار المخاوف الأمنية الإقليمية. وتحدث المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرز عن «استكمال الدرع النووي الأمريكي» فوق بلاده، مع مشاركة متزايدة من بريطانيا وفرنسا.
وأشارت ليلى عبود وبن هول وجون بول راثبون من صحيفة «فاينانشيال تايمز» إلى أن الترسانة النووية الفرنسية، التي تضم حوالي 300 رأس نووي، تعد أصغر بكثير من ترسانات الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تملكان أكثر من 5000 رأس نووي لكل منهما. وبالتالي، فإن الترسانة الفرنسية «أصغر من أن تحمي المنطقة بأكملها»، إضافة إلى أن باريس تفتقر إلى «الأسلحة النووية التكتيكية».
وهكذا، أوضحت هيلويز فاييه، بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس، أنه «لا توجد حتى الآن أي محادثات حول وضع الأسلحة النووية الفرنسية خارج الحدود»، وأن الحوار الحالي يُعنى في المقام الأول بـ«التقدم وتعزيز العلاقات الأوروبية على الصعيد السياسي والمصالح الحيوية المشتركة الأخرى».
رغم أن روز قدّر أن مثل هذا الترتيب سيكون «تطورًا مفيدًا» في «استقرار الأمن الأوروبي في عالم ما بعد أمريكا»، إلا أنه أشار بأن التساؤلات حول مفهوم الردع الموسّع ومعالمه ستظل قائمة بعد «التخاذل والخيانة» الأمريكية. وأشار إلى أنه نتيجة لذلك، «قد تُقرر بعض الدول السعي وراء زيادة إنفاقها العسكري وتطوير قنابلها النووية الخاصة فقط للاطمئنان وضمان حمايتها»، موضحًا أنه على الرغم من أن هذا سيتطلب «عدة سنوات من الجهد المستمر ويكلف عشرات المليارات من الدولارات»، إلا أنه «ممكن بالتأكيد تحقيقه على أرض الواقع مهما كلف الأمر».
وهذا ينطبق على دول مثل بولندا، التي زادت إنفاقها الدفاعي بشكل كبير منذ بداية حرب أوكرانيا عام 2022، حتى أصبح يُمثل الآن حوالي 5% من ناتجها المحلي الإجمالي. لم تكتفِ وارسو بإلزام كل مواطن بالخضوع للتدريب العسكري لبناء جيش نظامي قوامه 500 ألف جندي، بل أكد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده «ستكون أكثر أمانًا إذا امتلكت ترسانتها النووية الخاصة»، ردا على «التغيير الجذري الراهن في طبيعة الجغرافيا السياسية الأمريكية».
قدم يوهان وينستروم، بجامعة الدفاع السويدية، آلية دفاعية لاقت استحسان كاميل جراندي، المساعد السابق للأمين العام لحلف الناتو. وقد أوضح جراندي أن الدول الأوروبية لا تستطيع بمفردها إنتاج مظلة نووية تضاهي تلك التي توفرها الولايات المتحدة حاليًا في القارة الأوروبية، لأن ما ستنتجه سيكون في أفضل الأحوال «نسخة فقيرة» من المظلة الأمريكية. وبالتالي، يُتفق على أن صانعي السياسات في أوروبا بحاجة إلى «اختراع شيء مختلف بشكل جماعي» للتخفيف من الاعتماد الكبير وغير المستدام على الولايات المتحدة.
فيما يتعلق بمنطقة آسيا، بعيدا عن الدول الأوروبية، أكّدت إبستين وداس أن هناك «مخاطر أعلى» للانتشار النووي غير المنضبط هناك، معتبراً أن تايوان من أبرز المرشحين لتطوير رادع نووي خاص بها إذا تراجعت الضمانات الأمنية الأمريكية الحالية تجاه الصين. وهو أمر يمكن أن يُطبق أيضًا على كوريا الجنوبية.
وفيما يتعلق باليابان، ففي حين التزمت طوكيو منذ ستينيات القرن الماضي بـ«المبادئ الثلاثة غير النووية» المتمثلة في عدم امتلاك الأسلحة النووية وعدم إنتاجها وعدم إدخالها إلى أراضيها، نظرًا لامتلاكها بالفعل برنامجًا متقدمًا للطاقة النووية المدنية، أشار روز أن الحكومة اليابانية قد «تتخذ الخطوات النهائية نحو التسلح النووي في غضون أشهر» إذا لاحظت أن جيرانها يفعلون ذلك أو إذا قلصت إدارة ترامب التزاماتها تجاه الأمن الياباني، حتى لو أثار ذلك معارضة كبيرة محليًا ودوليًا.
فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن معضلات الأمن النووي التي تواجهها الدول الشريكة للولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج العربي، تشبه تلك التي تواجهها دول أوروبا وشرق آسيا. فإسرائيل تمتلك بالفعل القدرة النووية في ظل سياسات حكومتها المتطرفة التي تسعى إلى تدمير غزة وتسريع ضم الأراضي الفلسطينية. في المقابل، يُظهر أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن النظام الإيراني في طهران قد قام بتخصيب 275 كيلوغرامًا من اليورانيوم إلى 60%. وكما أشار دبليو. جيه. هينيجان من صحيفة نيويورك تايمز، فإن إيران «على بُعد خطوة تقنية واحدة فقط» من التخصيب بنسبة 90%، وهي النسبة اللازمة لصنع رأس حربي نووي.
ومن جانبه، أكد برايان كاتوليس، بمعهد الشرق الأوسط، أن «إعادة صياغة ترامب للقوة الأمريكية» قد تُقوض أمن المنطقة أكثر من سياسات الحكومات الأمريكية السابقة. وإذا قلص البيت الأبيض بإداراته الجمهورية التزاماته الأمنية تجاه شركائه، فهذا سيدفعهم إلى التشكيك في تعاونهم الحالي والمستقبلي مع تلك الإدارة، تمامًا كما تفعل دول أوروبا وشرق آسيا الآن.
أكدت إبستين وداس على أن «تقييد» الإمكانات المدمرة للأسلحة النووية «كان نعمة عظيمة للأمن العالمي وسمحت بازدهار عالمي أكبر بكثير»، ولكن أوضحا أن غياب الثقة في قيادة الأمن العالمي للولايات المتحدة قد يؤدي إلى عصر من الانتشار النووي في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، مما سيؤدي إلى نظام دولي حيث «تكثر فيه المعضلات والمخاوف الأمنية وتدمر فيه التحالفات أيضا».
وأشارا إلى أن «ليس لدى كل دولة الموارد اللازمة للحفاظ على ترسانات نووية آمنة ومأمونة»، محذرين من «خطر الانتشار النووي المتفشي» الذي قد يؤدي إلى «مخاوف هائلة» حول القيادة والسيطرة والتعرض للتخريب.
فيما خلص روز إلى تحذير مفاده أن «أخطر مرحلة في عملية الانتشار هي دائمًا الفترة التي توشك فيها الدول على تجاوز العتبة النووية»، وهو ما يتجلى في تهديدات الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي تشجعها بعض السياسيين الأمريكيين، بتوجيه ضربات أكثر عنفًا ضد البرنامج النووي الإيراني لمنعه من اكتساب القدرة على صنع أسلحة. وهذا المسار قد يدفع المنطقة بأكملها إلى شفا صراع إقليمي مدمر.
ومع الاعتراف بالمخاطر الأمنية الدولية الناتجة عن الانتشار النووي غير المنضبط في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، رأى روز أن «السنوات المقبلة ستطغى عليها الأزمات النووية» ما لم تُغيّر إدارة ترامب بسرعة «مسارها» تجاه حلفائها. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي قد عزز مواقفه حتى الآن، فإنه من غير المتوقع أن تُجري واشنطن تحولًا ملحوظًا في سياستها في الفترة القادمة.
وعلى العموم، فبينما يترقب العالم تداعيات السياسات الأمريكية تحت إدارة ترامب، تظل الشكوك تحيط بقدرة واشنطن على الحفاظ على دورها كضامن للأمن العالمي. ومع تزايد التحديات النووية في مناطق حساسة، يبدو أن المستقبل القريب سيشهد مزيدًا من التقلبات في التحالفات الدولية والسباقات العسكرية النووية، ما يهدد بإشعال الأزمات النووية على الصعيد العالمي إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لتغيير المسار الحالي.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك