العدد : ١٧١٧٩ - السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٩ - السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

الولايات المتحدة والتهديدات النووية.. مستقبل الأمن الدولي في ظل إدارة ترامب

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ - 02:00

تشهد‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬العالمي‭. ‬إذ‭ ‬تُنذر‭ ‬السياسات‭ ‬الحالية،‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬تقليص‭ ‬التزامات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمنية‭ ‬تجاه‭ ‬حلفائها‭ ‬والانكفاء‭ ‬على‭ ‬التزاماتها‭ ‬الدولية،‭ ‬بتصعيد‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فإنها‭ ‬تهدد‭ ‬بتقويض‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

تناولت‭ ‬ليزلي‭ ‬فينجاموري،‭ ‬مديرة‭ ‬برنامج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والأمريكيتين‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للشؤون‭ ‬الدولية،‭ ‬الاختلافات‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬الأولى‭ (‬2017-2021‭) ‬والأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬استعداد‭ ‬الإدارة‭ ‬الحالية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أجندتها‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬داخليًا‭ ‬ودوليًا‭. ‬وذكرت‭ ‬فينجاموري‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تُرسل‭ ‬‮«‬إشارة‭ ‬للعالم‮»‬‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التزام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬دام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثمانية‭ ‬عقود‭ ‬قد‭ ‬يشهد‭ ‬تحولًا‭ ‬جذريًا‭ ‬قريبًا،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬الإقليمي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مرورًا‭ ‬بالضغط‭ ‬على‭ ‬حلفاء‭ ‬الناتو،‭ ‬وفرض‭ ‬قيود‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬للحكومة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭.‬

بينما‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬ترامب‭ ‬وصانعو‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬ازدرائهم‭ ‬لدور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كضامن‭ ‬للأمن‭ ‬الدولي،‭ ‬أشار‭ ‬جدعون‭ ‬روز‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬العواقب‭ ‬المحتملة،‭ ‬أبرزها‭ ‬إشعال‭ ‬‮«‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬‮«‬مارقة‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬حلفاء‭ ‬تاريخيين‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الذين‭ ‬بدأوا‭ ‬في‭ ‬استنتاج‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لضمان‭ ‬أمنهم‭. ‬من‭ ‬جانبها،‭ ‬حذرت‭ ‬راشيل‭ ‬أ‭. ‬إبستين‭ ‬وديباك‭ ‬داس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬غير‭ ‬الموثوقة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أسلحة‭ ‬نووية،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بتحول‭ ‬عالمي‭ ‬نحو‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬النووي‭.‬

ردًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬البعض‭ ‬تقويضًا‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬للهيكل‭ ‬الأمني‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وخاصة‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬دور‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬أشار‭ ‬تيموثي‭ ‬جارتون‭ ‬آش،‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بدأوا‭ ‬يشعرون‭ ‬بضرورة‭ ‬الاستعداد‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬لتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬تعزيز‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬توسيع‭ ‬قدرات‭ ‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬الأوروبية‭. ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬القوى‭ ‬النووية‭ ‬الأوروبية‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬ترساناتها،‭ ‬فقد‭ ‬يهدد‭ ‬ذلك‭ ‬معاهدة‭ ‬منع‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي،‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬السلمية‭.‬

كما‭ ‬أوضحت‭ ‬إبستين‭ ‬وداس‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬على‭ ‬معاهدة‭ ‬حظر‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ضمانات‭ ‬الأمن‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والدول‭ ‬النووية‭ ‬الأخرى‭. ‬مع‭ ‬تقليص‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬لالتزاماتها‭ ‬الدولية،‭ ‬بدأت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬تشعر‭ ‬بأن‭ ‬واشنطن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موثوقة‭ ‬تمامًا‭. ‬وطرحت‭ ‬إبستين‭ ‬وداس‭ ‬تساؤلًا‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعيدوا‭ ‬تقييم‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التهديدات‭ ‬المستمرة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬نووية‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬وإيران‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬المظلة‭ ‬النووية‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬تشمل‭ ‬حاليًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬قنبلة‭ ‬متمركزة‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬بموجب‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬باتفاقية‭ ‬‮«‬التقاسم‭ ‬النووي‮»‬‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستخدام‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬بواسطة‭ ‬طائرات‭ ‬تابعة‭ ‬للدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الحلف‭. ‬ومع‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬للردع،‭ ‬عرض‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬‮«‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬استراتيجي‮»‬‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى‭ ‬لتحديد‭ ‬‮«‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعاون‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية‭. ‬وتحدث‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني‭ ‬الجديد‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرز‭ ‬عن‭ ‬‮«‬استكمال‭ ‬الدرع‭ ‬النووي‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬بلاده،‭ ‬مع‭ ‬مشاركة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭.‬

وأشارت‭ ‬ليلى‭ ‬عبود‭ ‬وبن‭ ‬هول‭ ‬وجون‭ ‬بول‭ ‬راثبون‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فاينانشيال‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الترسانة‭ ‬النووية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬حوالي‭ ‬300‭ ‬رأس‭ ‬نووي،‭ ‬تعد‭ ‬أصغر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ترسانات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا،‭ ‬اللتين‭ ‬تملكان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬رأس‭ ‬نووي‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الترسانة‭ ‬الفرنسية‭ ‬‮«‬أصغر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‮»‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬باريس‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬التكتيكية‮»‬‭. ‬

وهكذا،‭ ‬أوضحت‭ ‬هيلويز‭ ‬فاييه،‭ ‬بالمعهد‭ ‬الفرنسي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بباريس،‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬محادثات‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬الفرنسية‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬الحوار‭ ‬الحالي‭ ‬يُعنى‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬بـ«التقدم‭ ‬وتعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي‭ ‬والمصالح‭ ‬الحيوية‭ ‬المشتركة‭ ‬الأخرى‮»‬‭.‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬روز‭ ‬قدّر‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬سيكون‭ ‬‮«‬تطورًا‭ ‬مفيدًا‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬استقرار‭ ‬الأمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أمريكا‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أشار‭ ‬بأن‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭ ‬ومعالمه‭ ‬ستظل‭ ‬قائمة‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬التخاذل‭ ‬والخيانة‮»‬‭ ‬الأمريكية‭. ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬‮«‬قد‭ ‬تُقرر‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬زيادة‭ ‬إنفاقها‭ ‬العسكري‭ ‬وتطوير‭ ‬قنابلها‭ ‬النووية‭ ‬الخاصة‭ ‬فقط‭ ‬للاطمئنان‭ ‬وضمان‭ ‬حمايتها‮»‬،‭ ‬موضحًا‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬سيتطلب‭ ‬‮«‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬المستمر‭ ‬ويكلف‭ ‬عشرات‭ ‬المليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ممكن‭ ‬بالتأكيد‭ ‬تحقيقه‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬مهما‭ ‬كلف‭ ‬الأمر‮»‬‭. ‬

وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬بولندا،‭ ‬التي‭ ‬زادت‭ ‬إنفاقها‭ ‬الدفاعي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬يُمثل‭ ‬الآن‭ ‬حوالي‭ ‬5%‭ ‬من‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭. ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬وارسو‭ ‬بإلزام‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬بالخضوع‭ ‬للتدريب‭ ‬العسكري‭ ‬لبناء‭ ‬جيش‭ ‬نظامي‭ ‬قوامه‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬جندي،‭ ‬بل‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البولندي‭ ‬دونالد‭ ‬توسك‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬‮«‬ستكون‭ ‬أكثر‭ ‬أمانًا‭ ‬إذا‭ ‬امتلكت‭ ‬ترسانتها‭ ‬النووية‭ ‬الخاصة‮»‬،‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬‮«‬التغيير‭ ‬الجذري‭ ‬الراهن‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‮»‬‭.‬

قدم‭ ‬يوهان‭ ‬وينستروم،‭ ‬بجامعة‭ ‬الدفاع‭ ‬السويدية،‭ ‬آلية‭ ‬دفاعية‭ ‬لاقت‭ ‬استحسان‭ ‬كاميل‭ ‬جراندي،‭ ‬المساعد‭ ‬السابق‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭. ‬وقد‭ ‬أوضح‭ ‬جراندي‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬بمفردها‭ ‬إنتاج‭ ‬مظلة‭ ‬نووية‭ ‬تضاهي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬ستنتجه‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال‭ ‬‮«‬نسخة‭ ‬فقيرة‮»‬‭ ‬من‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وبالتالي،‭ ‬يُتفق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬صانعي‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اختراع‭ ‬شيء‭ ‬مختلف‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‮»‬‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬وغير‭ ‬المستدام‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمنطقة‭ ‬آسيا،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أكّدت‭ ‬إبستين‭ ‬وداس‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬مخاطر‭ ‬أعلى‮»‬‭ ‬للانتشار‭ ‬النووي‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬هناك،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬تايوان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المرشحين‭ ‬لتطوير‭ ‬رادع‭ ‬نووي‭ ‬خاص‭ ‬بها‭ ‬إذا‭ ‬تراجعت‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬تجاه‭ ‬الصين‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُطبق‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باليابان،‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬التزمت‭ ‬طوكيو‭ ‬منذ‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بـ«المبادئ‭ ‬الثلاثة‭ ‬غير‭ ‬النووية‮»‬‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬امتلاك‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬وعدم‭ ‬إنتاجها‭ ‬وعدم‭ ‬إدخالها‭ ‬إلى‭ ‬أراضيها،‭ ‬نظرًا‭ ‬لامتلاكها‭ ‬بالفعل‭ ‬برنامجًا‭ ‬متقدمًا‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬المدنية،‭ ‬أشار‭ ‬روز‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬اليابانية‭ ‬قد‭ ‬‮«‬تتخذ‭ ‬الخطوات‭ ‬النهائية‭ ‬نحو‭ ‬التسلح‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أشهر‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬جيرانها‭ ‬يفعلون‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬قلصت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬التزاماتها‭ ‬تجاه‭ ‬الأمن‭ ‬الياباني،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أثار‭ ‬ذلك‭ ‬معارضة‭ ‬كبيرة‭ ‬محليًا‭ ‬ودوليًا‭. ‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فإن‭ ‬معضلات‭ ‬الأمن‭ ‬النووي‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الدول‭ ‬الشريكة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تشبه‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬وشرق‭ ‬آسيا‭. ‬فإسرائيل‭ ‬تمتلك‭ ‬بالفعل‭ ‬القدرة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياسات‭ ‬حكومتها‭ ‬المتطرفة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬غزة‭ ‬وتسريع‭ ‬ضم‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يُظهر‭ ‬أحدث‭ ‬تقرير‭ ‬للوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬بتخصيب‭ ‬275‭ ‬كيلوغرامًا‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬إلى‭ ‬60%‭. ‬وكما‭ ‬أشار‭ ‬دبليو‭. ‬جيه‭. ‬هينيجان‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬‮«‬على‭ ‬بُعد‭ ‬خطوة‭ ‬تقنية‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‮»‬‭ ‬من‭ ‬التخصيب‭ ‬بنسبة‭ ‬90%،‭ ‬وهي‭ ‬النسبة‭ ‬اللازمة‭ ‬لصنع‭ ‬رأس‭ ‬حربي‭ ‬نووي‭.‬

ومن‭ ‬جانبه،‭ ‬أكد‭ ‬برايان‭ ‬كاتوليس،‭ ‬بمعهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬ترامب‭ ‬للقوة‭ ‬الأمريكية‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تُقوض‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الحكومات‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭. ‬وإذا‭ ‬قلص‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بإداراته‭ ‬الجمهورية‭ ‬التزاماته‭ ‬الأمنية‭ ‬تجاه‭ ‬شركائه،‭ ‬فهذا‭ ‬سيدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬تعاونهم‭ ‬الحالي‭ ‬والمستقبلي‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الإدارة،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬وشرق‭ ‬آسيا‭ ‬الآن‭.‬

أكدت‭ ‬إبستين‭ ‬وداس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تقييد‮»‬‭ ‬الإمكانات‭ ‬المدمرة‭ ‬للأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬‮«‬كان‭ ‬نعمة‭ ‬عظيمة‭ ‬للأمن‭ ‬العالمي‭ ‬وسمحت‭ ‬بازدهار‭ ‬عالمي‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬أوضحا‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬مما‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬حيث‭ ‬‮«‬تكثر‭ ‬فيه‭ ‬المعضلات‭ ‬والمخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬وتدمر‭ ‬فيه‭ ‬التحالفات‭ ‬أيضا‮»‬‭.‬

وأشارا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬الموارد‭ ‬اللازمة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬ترسانات‭ ‬نووية‭ ‬آمنة‭ ‬ومأمونة‮»‬،‭ ‬محذرين‭ ‬من‭ ‬‮«‬خطر‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‭ ‬المتفشي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مخاوف‭ ‬هائلة‮»‬‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والتعرض‭ ‬للتخريب‭.‬

فيما‭ ‬خلص‭ ‬روز‭ ‬إلى‭ ‬تحذير‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أخطر‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الانتشار‭ ‬هي‭ ‬دائمًا‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬توشك‭ ‬فيها‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬العتبة‭ ‬النووية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬تهديدات‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بقيادة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬التي‭ ‬تشجعها‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬بتوجيه‭ ‬ضربات‭ ‬أكثر‭ ‬عنفًا‭ ‬ضد‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬لمنعه‭ ‬من‭ ‬اكتساب‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬أسلحة‭. ‬وهذا‭ ‬المسار‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭ ‬إلى‭ ‬شفا‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭ ‬مدمر‭.‬

ومع‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬الدولية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬رأى‭ ‬روز‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستطغى‭ ‬عليها‭ ‬الأزمات‭ ‬النووية‮»‬‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُغيّر‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بسرعة‭ ‬‮«‬مسارها‮»‬‭ ‬تجاه‭ ‬حلفائها‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬عزز‭ ‬مواقفه‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تُجري‭ ‬واشنطن‭ ‬تحولًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬سياستها‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة‭.‬

وعلى‭ ‬العموم،‭ ‬فبينما‭ ‬يترقب‭ ‬العالم‭ ‬تداعيات‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬تظل‭ ‬الشكوك‭ ‬تحيط‭ ‬بقدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دورها‭ ‬كضامن‭ ‬للأمن‭ ‬العالمي‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬التحديات‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬حساسة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬سيشهد‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬الدولية‭ ‬والسباقات‭ ‬العسكرية‭ ‬النووية،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بإشعال‭ ‬الأزمات‭ ‬النووية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬خطوات‭ ‬عاجلة‭ ‬لتغيير‭ ‬المسار‭ ‬الحالي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا