العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

عيدنا وعيدهم!

{‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عيد‭ ‬والفرحة‭ ‬تعانق‭ ‬القلوب‭ ‬لتجلو‭ ‬عنها‭ ‬غياب‭ ‬الذين‭ ‬فارقونا‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬لأنها‭ ‬تدعونا‭ ‬إلى‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ننسى،‭ ‬ويقول‭ ‬لنا‭ ‬العيد‭ ‬إن‭ ‬الحياة‭ ‬مستمرة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يرحل‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يبقى‭ ‬بانتظار‭ ‬الرحيل،‭ ‬ولكأن‭ ‬لعبة‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا،‭ ‬فيأتي‭ ‬العيد‭ ‬لندرك‭ ‬أن‭ ‬الفرحة‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬فينا‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬ألم‭ ‬أو‭ ‬حزن‭ ‬أو‭ ‬مكابدة‭! ‬ولذلك‭ ‬نتواصل‭ ‬مع‭ ‬أهلنا‭ ‬وعائلتنا‭ ‬وأصدقائنا،‭ ‬ونبذر‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬بذور‭ ‬بهجة‭ ‬هي‭ ‬عنوان‭ ‬لأعيادنا،‭ ‬فتلتف‭ ‬القلوب‭ ‬حول‭ ‬بعضها‭ ‬وكأنها‭ ‬تشد‭ ‬أزر‭ ‬المحبة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عنوان‭ ‬آخر‭ ‬لقيمة‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة،‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬أوراقها‭ ‬في‭ ‬موعدها‭ ‬مع‭ ‬أصوات‭ ‬الأطفال‭ ‬الفرحة‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬تقطن‭ ‬قلوب‭ ‬الكبار‭ ‬المليئة‭ ‬بمواويل‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أبجديات‭ ‬الحزن‭ ‬أو‭ ‬الأسى‭ ‬على‭ ‬فراق‭ ‬أمهات‭ ‬أو‭ ‬آباء‭ ‬أو‭ ‬أصدقاء،‭ ‬فبراءة‭ ‬الطفولة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬الحياة‭ ‬بأغانيها‭ ‬الجديدة‭ ‬وببهجتها،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الأجمل‭ ‬كالعيد‭.‬

{‭ ‬نحن‭ ‬الكبار‭ ‬صادف‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المواويل‭ ‬حزنا‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭ ‬هو‭ ‬مرور‭ ‬عيدين،‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬يتجاسر‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬تحت‭ ‬القصف‭ ‬والموت‭ ‬والحصار‭ ‬والتجويع،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬قليلا‭ ‬عما‭ ‬يحدث‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬فاصلا‭ ‬بين‭ ‬عيدنا‭ ‬وعيدهم‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬جنون‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬وانفلاته‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬منطق،‭ ‬ويحفر‭ ‬شروخا‭ ‬في‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬ونحن‭ ‬نرى‭ ‬يوم‭ ‬العيد‭ ‬جثث‭ ‬أطفال‭ ‬كانوا‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬يلعبون‭ ‬فرحين‭ ‬بملابس‭ ‬العيد،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تتحول‭ ‬تحت‭ ‬القصف‭ ‬إلى‭ ‬ملابس‭ ‬دامية‭ ‬وأشلاء‭ ‬داهمها‭ ‬الغياب‭ ‬والموت‭ ‬الوحشي،‭ ‬وهم‭ ‬ببراءتهم‭ ‬أرادوا‭ ‬مجرد‭ ‬الفرح‭ ‬بالعيد‭ ‬بين‭ ‬الأنقاض‭! ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬نملك‭ ‬قلوبا‭ ‬فحتما‭ ‬تلك‭ ‬الطرقات‭ ‬التي‭ ‬يتغدى‭ ‬ركامها‭ ‬بلحم‭ ‬ودم‭ ‬الأطفال‭ ‬الأبرياء‭ ‬والمدنيين‭ ‬تجعل‭ ‬فرحنا‭ ‬بعيدنا‭ ‬مأسورا‭ ‬بحكايات‭ ‬الألم‭ ‬والأوجاع‭ ‬التي‭ ‬يعايشها‭ ‬هؤلاء‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬ونصف،‭ ‬بينها‭ ‬عيدان‭ ‬ولا‭ ‬تستثني‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬صراخ‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬من‭ ‬أهاليهم‭ ‬ليحملوا‭ ‬تلك‭ ‬الأشلاء‭ ‬والأجساد‭ ‬الممزقة‭ ‬يوم‭ ‬العيد‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬فيه‭ ‬الموت‭ ‬مستيقظا‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬وهو‭ ‬يحصد‭ ‬الأرواح‭ ‬بوحشية‭ ‬عدو‭ ‬يتقصد‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حين،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬والناس‭ ‬تصوم‭ ‬وتصلي‭ ‬رغم‭ ‬جوعها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العيد‭ ‬والأطفال‭ ‬ينتزعون‭ ‬ببراءتهم‭ ‬فرحة‭ ‬صغيرة‭ ‬كمن‭ ‬ينتزع‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬الدمار‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭!‬

{‭ ‬هكذا‭ ‬هو‭ ‬عيدنا‭ ‬وهكذا‭ ‬هو‭ ‬عيدهم‭! ‬ويشاركهم‭ ‬في‭ ‬أنقاض‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬فارقتها‭ ‬الحياة‭ ‬مشاهد‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬اليمن‭ ‬أو‭ ‬سوريا‭ ‬أو‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭.. ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يمد‭ ‬يده‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬عناق‭ ‬أخير‭ ‬لأحبة‭ ‬فارقوا‭ ‬الحياة‭ ‬تحت‭ ‬جنون‭ ‬الحروب،‭ ‬ولكأن‭ ‬الأرض‭ ‬ترتوي‭ ‬بحكايات‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬تشاغب‭ ‬أهداب‭ ‬الأحياء‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬العيد‭ ‬إن‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الباقين‭ ‬أو‭ ‬الراحلين‭! ‬خرائط‭ ‬الدمار‭ ‬تتسع‭ ‬وتوخز‭ ‬القلوب‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬إلا‭ ‬الدعاء‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬عيدهم‭ ‬بطعم‭ ‬آخر‭ ‬ومذاق‭ ‬آخر‭ ‬عنوانه‭ ‬عذابات‭ ‬الحروب‭!‬

{‭ ‬وفيما‭ ‬نحن‭ ‬نمارس‭ ‬طقوس‭ ‬عيدنا‭ ‬تتجه‭ ‬عيوننا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬رغما‭ ‬عنا‭ ‬إلى‭ ‬خرائط‭ ‬الأماكن‭ ‬القريبة‭ ‬منّا‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬العيون‭ ‬توق‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عيدهم‭ ‬يحمل‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬السكينة‭ ‬والهدوء‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬عواصف‭ ‬الدمار‭ ‬التي‭ ‬تلاحق‭ ‬حتى‭ ‬أفراحهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬هو‭ ‬العيد‭ ‬للجميع‭!‬

لكأننا‭ ‬نسمع‭ ‬التنهيدات‭ ‬الحزينة‭ ‬وهي‭ ‬تداعب‭ ‬ابتسامة‭ ‬الأطفال،‭ ‬حيث‭ ‬مطلبهم‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وقتا‭ ‬بدون‭ ‬موت‭ ‬أو‭ ‬قصف‭ ‬أو‭ ‬وحشية‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬حكاياتها‭ ‬أساطير‭ ‬الخيال‭ ‬القديمة‭! ‬ومن‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬ينجو‭ ‬يتجاسر‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭ ‬محاولا‭ ‬لململة‭ ‬الضوء‭ ‬في‭ ‬فتيل‭ ‬الأمل‭ ‬فلعل‭ ‬وعسى‭ ‬أن‭ ‬يضيء‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬حياة‭!‬

هكذا‭ ‬عيدنا‭ ‬بحضوره‭ ‬وبهجته‭ ‬يختلط‭ ‬بعيدهم‭ ‬بغيابه‭ ‬وعبء‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبقي‭ ‬على‭ ‬شيء‭! ‬وكنا‭ ‬نتمنى‭ ‬كالعام‭ ‬الماضي‭ ‬أن‭ ‬تسدل‭ ‬الحرب‭ ‬ستائرها‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة،‭ ‬ولكن‭ ‬الشرَّ‭ ‬المتربص‭ ‬بأمن‭ ‬وأمان‭ ‬شعوبنا‭ ‬يعدنا‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬لاتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬توقفها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭! ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نشعر‭ ‬أن‭ ‬العيد‭ ‬رغم‭ ‬ضرورة‭ ‬البهجة‭ ‬فيه،‭ ‬فإنه‭ ‬مجرد‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬امتلأ‭ ‬حتى‭ ‬آخره‭ ‬برماد‭ ‬الذاكرة‭ ‬والأحداث‭ ‬المتلاحقة‭ ‬ومخاوف‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬القادم‭! ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬أملا‭ ‬بأن‭ ‬دورات‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬أمدها‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬واحدة،‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نحلم‭ ‬بعيد‭ ‬واحد‭ ‬يجمع‭ ‬كل‭ ‬شعوبنا‭ ‬بالفرحة‭ ‬التي‭ ‬تمتلئ‭ ‬بابتسامات‭ ‬الصغار‭ ‬والكبار‭ ‬معا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفرّقها‭ ‬فواصل‭ ‬أي‭ ‬حزن‭ ‬بين‭ ‬عيدنا‭ ‬وعيدهم‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا