عالم يتغير

فوزية رشيد
عيدنا وعيدهم!
{ في كل عيد والفرحة تعانق القلوب لتجلو عنها غياب الذين فارقونا في الأعوام القليلة الماضية، لأنها تدعونا إلى حفظ الذاكرة حتى لا ننسى، ويقول لنا العيد إن الحياة مستمرة، وهناك من يرحل وهناك من يبقى بانتظار الرحيل، ولكأن لعبة الحياة والموت متجذرة في كل تفاصيل حياتنا، فيأتي العيد لندرك أن الفرحة هي أيضا جزء أصيل فينا بغض النظر عن أي ألم أو حزن أو مكابدة! ولذلك نتواصل مع أهلنا وعائلتنا وأصدقائنا، ونبذر في دواخلنا بذور بهجة هي عنوان لأعيادنا، فتلتف القلوب حول بعضها وكأنها تشد أزر المحبة التي هي عنوان آخر لقيمة استمرار الحياة، التي تعيد ترتيب أوراقها في موعدها مع أصوات الأطفال الفرحة وهم لا يدركون الأغاني التي تقطن قلوب الكبار المليئة بمواويل ما تراكم فيها من أبجديات الحزن أو الأسى على فراق أمهات أو آباء أو أصدقاء، فبراءة الطفولة هي التي تملأ الحياة بأغانيها الجديدة وببهجتها، خاصة في المناسبات الأجمل كالعيد.
{ نحن الكبار صادف أن تكون أحد أكثر المواويل حزنا في قلوبنا هو مرور عيدين، وهناك في غزة من يتجاسر على الحياة تحت القصف والموت والحصار والتجويع، وحتى لو أردنا أن نغفل قليلا عما يحدث إلا أن الزمن الذي وضع فاصلا بين عيدنا وعيدهم يعيدنا إلى جنون ما يحدث وانفلاته عن أي منطق، ويحفر شروخا في إنسانيتنا ونحن نرى يوم العيد جثث أطفال كانوا قبل قليل يلعبون فرحين بملابس العيد، فإذا بها تتحول تحت القصف إلى ملابس دامية وأشلاء داهمها الغياب والموت الوحشي، وهم ببراءتهم أرادوا مجرد الفرح بالعيد بين الأنقاض! إن كنا نملك قلوبا فحتما تلك الطرقات التي يتغدى ركامها بلحم ودم الأطفال الأبرياء والمدنيين تجعل فرحنا بعيدنا مأسورا بحكايات الألم والأوجاع التي يعايشها هؤلاء طوال أكثر من عام ونصف، بينها عيدان ولا تستثني تلك الحكايات صراخ من عاش من أهاليهم ليحملوا تلك الأشلاء والأجساد الممزقة يوم العيد إلى المكان الذي يبقى فيه الموت مستيقظا طوال الوقت وهو يحصد الأرواح بوحشية عدو يتقصد القتل في كل حين، سواء في رمضان والناس تصوم وتصلي رغم جوعها أو في العيد والأطفال ينتزعون ببراءتهم فرحة صغيرة كمن ينتزع من فم الدمار قليلا من الحياة!
{ هكذا هو عيدنا وهكذا هو عيدهم! ويشاركهم في أنقاض الأماكن التي فارقتها الحياة مشاهد من السودان أو اليمن أو سوريا أو لبنان أو الضفة الغربية أو.. فهناك من يمد يده باحثا عن عناق أخير لأحبة فارقوا الحياة تحت جنون الحروب، ولكأن الأرض ترتوي بحكايات الوحشية التي تشاغب أهداب الأحياء وهم لا يعرفون حتى في العيد إن كانوا من الباقين أو الراحلين! خرائط الدمار تتسع وتوخز القلوب في الضفة الأخرى التي لا تملك إلا الدعاء لأولئك الذين عيدهم بطعم آخر ومذاق آخر عنوانه عذابات الحروب!
{ وفيما نحن نمارس طقوس عيدنا تتجه عيوننا في الوقت ذاته رغما عنا إلى خرائط الأماكن القريبة منّا حيث في العيون توق لمجرد أن يكون عيدهم يحمل شيئا من السكينة والهدوء بعيدا عن عواصف الدمار التي تلاحق حتى أفراحهم الصغيرة في يوم هو العيد للجميع!
لكأننا نسمع التنهيدات الحزينة وهي تداعب ابتسامة الأطفال، حيث مطلبهم الوحيد في مثل هذه المناسبة أن يكون وقتا بدون موت أو قصف أو وحشية تعجز عن حكاياتها أساطير الخيال القديمة! ومن استطاع أن ينجو يتجاسر مرة بعد أخرى محاولا لململة الضوء في فتيل الأمل فلعل وعسى أن يضيء لهم ما تبقى من حياة!
هكذا عيدنا بحضوره وبهجته يختلط بعيدهم بغيابه وعبء الحرب التي لا تبقي على شيء! وكنا نتمنى كالعام الماضي أن تسدل الحرب ستائرها إلى غير رجعة، ولكن الشرَّ المتربص بأمن وأمان شعوبنا يعدنا بالمزيد من المخاوف لاتساع رقعة الحروب لا توقفها في المنطقة! وهو ما يجعلنا نشعر أن العيد رغم ضرورة البهجة فيه، فإنه مجرد لحظة عابرة في ساعة الزمن الذي امتلأ حتى آخره برماد الذاكرة والأحداث المتلاحقة ومخاوف الناس من القادم! ومع ذلك فهو يحمل في داخله أملا بأن دورات الحياة لا تتوقف مهما طال أمدها في محطة واحدة، مما يجعلنا نحلم بعيد واحد يجمع كل شعوبنا بالفرحة التي تمتلئ بابتسامات الصغار والكبار معا من دون أن تفرّقها فواصل أي حزن بين عيدنا وعيدهم!
إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك