لم تكن عودة «دونالد ترامب» إلى السلطة في يناير 2025 مجرد استئناف لسياساته الحمائية، بفرض رسوم جمركية، وضوابط تجارية مشددة على الواردات، بل رافقها تحذيرات من خبراء اقتصاديين، بينهم مديرة «صندوق النقد الدولي»، «كريستالينا جورجيفا»، من «حالة عدم اليقين التي تهدد الاقتصاد العالمي»، ما قد يؤثر سلبًا في سلاسل التوريد العالمية.
وفي 12 مارس، دخلت رسوم جمركية شاملة بنسبة 25% على واردات الصلب والألومنيوم حيز التنفيذ، بغض النظر عن مصدرها، سواء من حلفاء واشنطن أو خصومها، وهو ما وصفته «إليزابيث بوخوالد»، من شبكة «سي إن إن»، بأنه «جزء من خطة ترامب لفرض رسوم جمركية تهدف إلى تصحيح الاختلالات التجارية، وإنعاش الصناعة المحلية». وأشار «تشاد باون»، و«دوغلاس إروين»، في مجلة «فورين بوليسي»، إلى أن هذه الاستراتيجية تُعد جزءًا أساسيًا من «هوسه بسياسة الضغط الاقتصادي»، الذي يسعى من خلالها إلى تحقيق أهدافه المالية والسياسية، واعتبرا أن هذه الاستراتيجية «ستقوض أهدافه الاقتصادية».
وتم تقييم الردود السريعة من الدول المتأثرة بالزيادة في الرسوم الجمركية، مثل «الاتحاد الأوروبي»، إضافة إلى تراجع الأسهم في «وول ستريت»، كعوامل تشير إلى توقعات دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة من الركود، وهو ما من شأنه أن يكون له تأثيرات عميقة على الاقتصاد العالمي ككل.
من جانبه، وثّق «مجلس العلاقات الخارجية»، كيف أن ترامب، في ولايته الثانية، «يتجه مجددًا نحو فرض تعريفات جمركية عدوانية»؛ لتحقيق أهداف اقتصادية وجيوسياسية أوسع، من الضغط على قطاع التكنولوجيا الصيني، إلى تعزيز الهيمنة التجارية مع كندا والمكسيك، وحتى محاولته الاستحواذ على جزيرة جرينلاند من الدنمارك، الدولة العضو في الناتو.
ووفقًا لـ«نيكولاس مولدر»، من «جامعة كورنيل»، تمثل سياسات ترامب الجمركية على واردات الدول الصديقة اقتصاديًا وسياسيًا محاولة لاستغلال «القوة غير المستغلة» للضغط الاقتصادي الذي تمارسه واشنطن على حلفائها وجيرانها، حيث تعد هذه السياسات جزءا من «مسعى الجمهوريين لتفكيك التحالفات متعددة الأطراف، وإعادة تشكيل نفوذ أمريكي أحادي، يمنحها سيطرة مطلقة في تعاملاتها مع الدول بشكل فردي». وبالتالي، تُعد الدول التي تعتمد بشكل كبير على تصدير السلع إلى الولايات المتحدة، مثل كندا، والمكسيك، والدنمارك، «أهدافًا مغرية» لما يصفه البعض بـ«الابتزاز الاقتصادي» من قبل البيت الأبيض.
ومنذ يومه الأول في المكتب البيضاوي، أطلق ترامب تهديدات واسعة بفرض عقوبات على المنافسين الاقتصاديين للمنتجين الأمريكيين. وفي الأول من فبراير، وقع أمرًا تنفيذيًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع الواردات من المكسيك وكندا، و10% على الصين. ورغم موافقته على تعليق مؤقت مدة 30 يومًا مقابل التزامات من جيرانه بشأن أمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات، وتمديده شهرًا آخر عند دخولها حيز التنفيذ في الرابع من فبراير، إلا أن إدارته رفعت الرسوم على الواردات الصينية إلى 20%.
واستمرارًا لتهديداته، أعلن في الحادي عشر من مارس 2025، عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الصلب والألومنيوم من كندا، إلا أنه تراجع عن تصريحاته في وقت لاحق من اليوم نفسه، لكنه تعهد بـ«الإغلاق الدائم» لصناعة السيارات الأمريكية في الجارة الشمالية للولايات المتحدة إذا لم تخفض الحكومة الكندية رسومها الجمركية على الصادرات الأمريكية.
وأشار «باون»، و«إروين»، إلى أن سياسات الرئيس الأمريكي أدت إلى «عدم اليقين والفوضى» لدى بعض أكبر شركاء واشنطن التجاريين. ووفقًا لتقديرات «سيمون إيفينيت»، و«يوهانس فريتز»، من «مؤسسة سانت جالن»، فإن فرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 25% على جميع واردات الصلب والألومنيوم، وإلغاء الإعفاءات التي كانت قد قدمتها إدارته في 2018، سيؤثر في الواردات إلى الولايات المتحدة بمقدار يزيد على 150 مليار دولار سنويًا.
من جانب آخر، أوضح «باون»، و«إروين»، أن ترامب يرى في «تهديد الرسوم الجمركية المرتفعة وسيلة للمساومة لإجبار الدول الأخرى على خفض رسومها على الواردات الأمريكية»، إلا أن الدول المتضررة استجابت سريعًا بفرض حواجز تجارية صارمة، حيث أعلنت «الصين»، عزمها فرض رسوم جديدة على واردات أمريكية بقيمة 22 مليار دولار، تشمل بالأساس المنتجات الزراعية والمواد الغذائية. ورغم تأكيد «مولدر»، أن الدول ذات «الروابط الاقتصادية والأمنية الوثيقة مع واشنطن»، تكون «أكثر عرضة للاستجابة للتهديدات والضغوط»؛ بسبب تقديرها لأهمية علاقاتها العميقة معها، إلا أن الواقع حتى الآن أثبت عكس ذلك، حيث لم تستجب هذه الدول للضغوط كما كان متوقعًا.
وردًا على ما وصفه بالرسوم الجمركية «غير المبررة» على صادرات المعادن إلى الولايات المتحدة؛ أشار «الاتحاد الأوروبي»، إلى نيته فرض رسوم جمركية على الواردات الأمريكية إلى القارة اعتبارًا من 1 أبريل بنسبة تصل إلى 50% على السلع الاستهلاكية المصنعة في أمريكا؛ بدءًا من الكحول، والملابس والدرجات النارية، بتكلفة تقديرية تبلغ 4.5 مليارات يورو، بالإضافة إلى مستحضرات التجميل والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية بقيمة إضافية تبلغ 18 مليار يورو. كما فرضت «كندا»، رسومًا جمركية متبادلة بنسبة 25% على السلع الأمريكية، بينما أكد رئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر»، أن جميع الخيارات مطروحة للرد على القيود التجارية الأمريكية، رغم تفضيله «نهجًا عمليًا» لتأمين إعفاءات من واشنطن.
وبالنسبة إلى تأثير هذه التطورات على الاقتصاد العالمي، أشار «جيمس كامبل»، من شركة «سي آر يو جروب» أن «المستفيدين على المدى القصير»، من الرسوم الجمركية المتزايدة التي فرضها ترامب على الصلب والألومنيوم، هم المنتجون الأمريكيون لهذه المعادن. ومع ذلك، أشار «باون»، و«إروين»، إلى أن «السياسة المتقطعة»، لفرض الرسوم الجمركية «غير فعالة»، في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها، مشيرين إلى أن أسواق الأسهم العالمية تفاعلت بشكل سلبي مع تهديداته بفرض رسوم جديدة، وأوضحت صحيفة «نيويورك تايمز»، أن الأسواق «تذبذبت» في 11 مارس، ما أدى إلى انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 10%، مقارنة بمستواه في منتصف فبراير 2025.
علاوة على ذلك، صرح بنك «يو بي إس»، أنه «خلال الأسابيع المقبلة، نتوقع المزيد من التقلبات والضعف المحتمل في أسواق الأسهم». وسُجل هذا أيضًا في الولايات المتحدة، حيث ظل التضخم مرتفعًا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير. وتوقع بنك «جي بي مورغان»، احتمالية حدوث ركود في الاقتصاد الأمريكي من 30% إلى 40%، كما حذر «مارك زاندي»، من «وكالة موديز أناليتيكس»، من وقوع هذا الركود بشكل ملحوظ من 15% إلى 35%..
ووفقًا لتقييم «تارا سنكلير»، من جامعة «جورج واشنطن»، فإن نهج إدارة ترامب الحالي، بما في ذلك فرض التعريفات الجمركية، يهدف إلى «خلق معاناة، ثم رؤية ما سيحدث، وبعدها معالجة النتائج». وانتقد «جاريد بيرنشتاين»، رئيس «مجلس المستشارين الاقتصاديين الأمريكيين»، أن الرئيس الأمريكي ومستشاريه «ورثوا اقتصادًا كان ولا يزال الأقوى بين الاقتصادات المتقدمة، لكنهم أضاعوا هذا الإرث في ستة أسابيع فقط؛ بسبب الفوضى السياسية»، مشيرًا إلى أن هذا أدى إلى «تدمير ثقة رجال الأعمال والمستهلكين في ثبات قوة السوق الأمريكي».
وبالنسبة إلى التأثيرات الاقتصادية على المدى الطويل، أشار «مولدر»، إلى أن «ترامب»، يعمد إلى فرض سياسات ضغط اقتصادية قسرية على حلفائه لزيادة الاعتماد على الاقتصاد الأمريكي وسوقه وعملته؛ لكنه، أوضح أن هذه الاستراتيجية ستنجح فقط في الحالات التي تهيمن فيها «واشنطن»، اقتصاديًا على العلاقة الثنائية. ومع تزايد الاتجاه العالمي نحو سياسات تجارية أكثر حمائية وتعددية الأقطاب، أصبح من غير الواضح عدد الدول التي ستقبل بهذا النموذج الاقتصادي الذي تروج له الولايات المتحدة.
ورغم أن «مولدر»، أكد أن «الحرب التجارية»، التي شنتها «واشنطن»، ضد المنافسين والحلفاء قد تكون أقل تكلفة على الاقتصاد الأمريكي، مقارنة بالدول الأخرى، نظرًا لأن التجارة تشكل فقط 24% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا (فيما تبلغ النسب في كندا 73%، والمكسيك 67%، والصين 37%)، إلا أنه أقر بأنها فقدت تأثيرها التجاري بشكل عام في العالم، مقارنة بالعقود الماضية، مضيفا أن الدول التي تواجه رسومًا جمركية جديدة على صادراتها إليها لديها خيارات بديلة لتجنب هذا الضغط، مثل الاتحاد الأوروبي، ومجموعة البريكس.
وبينما تخضع «إدارة ترامب»، لما أطلق عليه «بريان جاردنر»، من بنك «ستيفل للاستثمار»، بأنها «إعادة هيكلة للاقتصاد الأمريكي»، فإن فرض الرسوم المرتفعة على الواردات -مثل التعريفة الجمركية بنسبة 25%على واردات الصلب والألومنيوم- يُنظر إليها من قبل الاقتصاديين والمراقبين الغربيين ليس فقط على أنه محاولة لتعزيز قطاع التصنيع المحلي الأمريكي، لكن أيضًا وسيلة للضغط على الدول الأخرى للرضوخ للعديد من الطموحات الجيوسياسية للبيت الأبيض.
وخلص «باون»، و«إيروين»، إلى أن «مشاكل الاقتصاد الأمريكي الأساسية»، ناتجة عن قضايا داخلية، وليس من الخارج. وبالتالي، فإن الضغط على الشركاء التجاريين لا يحل هذه المشاكل، بل يضر بالاقتصاد الأمريكي، ويزيد من الاستياء وردود الفعل الانتقامية دوليا. كما أن التهديدات المستمرة بفرض الرسوم الجمركية، لم تغير وتيرة التراجع في أسواق الأسهم العالمية؛ بل أدت إلى مزيد من التقلبات. وحذر «جو بروسويلاس»، من شركة «آر إس إم إنترناشونال»، من أن الإدارة الأمريكية ستدرك حتما أنها قد لا تكون ملتزمة بقيود السوق التي فرضتها حتى على نفسها.
وعلى المدى الطويل، يرى «مولدر»، أن تصاعد ضغوط ترامب الجمركية على الحلفاء والمنافسين قد يدفع العديد من الدول، سواء في الغرب أو خارجه، إلى إعادة تقييم أهمية الوصول إلى السوق الأمريكية، فقد لا يكون تجنّب العقوبات التجارية مبررًا كافيًا لتحمّل هذه القيود، خاصة إذا لم تعد الفوائد الاقتصادية للتجارة مع واشنطن تغطي تكاليف التضييقات المتزايدة. وفي هذه الحالة، قد يكون ترامب قد بالغ في تقدير نفوذه، مما قد يفضي إلى تآكل الهيمنة الأمريكية عالميًا، وتعزيز نظام اقتصادي وسياسي متعدد الأقطاب، حيث سيتراجع نفوذ الولايات المتحدة تدريجيًّا.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك