تماشيا مع سيل التهديدات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2024، أصدر «دونالد ترامب»، في اليوم الأول من عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025، أمرًا تنفيذيًا يقضي بإعادة فرض العقوبات التي سبق أن فرضتها إدارته الأولى على «المحكمة الجنائية الدولية»، في ديسمبر 2020، قبل أن يلغيها سلفه «جو بايدن».
وفي السادس من فبراير، صعّد من موقفه عبر إصدار أمر رئاسي تنفيذي جديد، فرض بموجبه عقوبات على «المحكمة»، متهمًا إياها بالتورط في «أعمال غير مشروعة، لا أساس لها من الصحة تستهدف أمريكا وحليفتها الوثيقة إسرائيل»، وارتكاب «سابقة خطيرة»، من خلال «تعريض» المواطنين الأمريكيين «للمضايقة والإساءة والاعتقال المحتمل»، بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزعومة على مستوى العالم». وترافقت هذه التصريحات مع فرض عقوبات اقتصادية وقيود على السفر، تستهدف المحكمة ومسؤوليها، إلى جانب الكيانات الداعمة لتحقيقاتها، في محاولة لتقويض دورها وتقليص تأثيرها على الساحة الدولية.
وتعليقا على ذلك، كتبت «ستيفاني موباس»، في صحيفة «لوموند»، عن «انتقام متوقع»، من «واشنطن» -المؤيدة بشدة لإسرائيل - عقب أربعة أشهر من موافقة لجنة من قضاة «المحكمة الجنائية»، على طلب المدعي العام، «كريم خان»، بإصدار مذكرات اعتقال دولية، بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، «بنيامين نتنياهو»، ووزير دفاعه السابق «يوآف جالانت»، تزامنًا مع زيارة «نتنياهو»، لترامب في واشنطن. ووصفت هذا الإجراء ضد المحكمة، وما يمثله بأنه «هدية»، أخرى من البيت الأبيض لإسرائيل، لتتماشى مع تأييدها للتطهير العرقي للفلسطينيين في غزة.
وقوبل قرار «ترامب»، بشأن المحكمة بإدانة شديدة. ووصفته «أنييس كالامار»، من «منظمة العفو الدولية»، بأنه «انتقامي»، ويشكل «تهديدًا خطيرًا لاستقلال القضاء الدولي، والعدالة الدولية». فيما اعتبرته «سارة ياجر»، من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، «يتجاوز حدود المساءلة الدولية»، كما وصفه «كينيث روث»، من «جامعة برينستون»، بأنه «مُخزٍ».
وعلى الرغم من تأكيد «المحكمة»، التزامها «بمواصلة توفير العدالة والأمل لملايين الضحايا الأبرياء في جميع أنحاء العالم»، حيث تشرف حاليًا على التحقيقات في جرائم الحرب عبر 16 منطقة ودولة، من أوكرانيا إلى أفغانستان ودارفور، فقد حذّرت «مولي كويل»، من وكالة «أسوشيتد برس»، من أن الإجراءات العقابية التي تتخذها الولايات المتحدة، «يمكن أن تعرض المحاكمات والتحقيقات التي تجريها المحكمة الدولية الوحيدة المعنية بجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، للخطر».
وبإعلان «حالة الطوارئ الوطنية»، في الولايات المتحدة -كما هو مخول به من خلال قانون الطوارئ الوطنية لعام 1976 - أطلق «ترامب»، صلاحيات فيدرالية خاصة لوزارتي «الخزانة»، و«الخارجية»، لإصدار عقوبات محددة ضد «المحكمة الجنائية الدولية»، ومسؤوليها وموظفيها وعائلاتهم، فضلًا عن الكيانات التي «تستفيد» منها في مقاضاة جرائم الحرب الإسرائيلية والأمريكية.
وردًا على ادعاء الأوامر التنفيذية بأن «المحكمة»، لا تختص بطلب تسليم «نتنياهو»، أو «جالانت»، أو أي أمريكي متهم بارتكاب جرائم حرب؛ لأن «أيًا من البلدين لم يعترف باختصاصها»، فقد استنكر «روث»، هذه الحجة باعتبارها «غير ذات صلة قانونية» في حالة غزة؛ بسبب وضع فلسطين كدولة موقعة على نظام روما الأساسي، مشيرا إلى معايير واشنطن المزدوجة، وكيفية «تخليها»، عن هذا الشرط في حالة مقاضاة المحكمة، لجرائم الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
وتعقيبا على ادعاء «ترامب»، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل، «ديمقراطيتان مزدهرتان بجيوش تلتزم بصرامة بقوانين الحرب»، أوضح «روث»، أن قضاة «المحكمة الجنائية»، لا يستثنون الدول التي تصدر مثل هذه التصريحات، مشددًا على أن «ولايتها القضائية -كما ينبغي لأي مؤسسة عدالة - تنطبق على الحكومات بغض النظر عن طابعها أو سياستها المعلنة».
وبحسب «دارلين سوبرفيل»، و«جوشوا جودمان»، من وكالة «أسوشيتد برس»، من المرجح أن يشمل التهديد المعلن من جانب «إدارة ترامب»، فرض «عقوبات ملموسة ومهمة»، على المحكمة، وقيود اقتصادية، مثل «حظر ممتلكات وأصول»، فضلاً عن قيود السفر من خلال «عدم السماح لمسؤوليها وموظفيها وأقاربهم من دخول الولايات المتحدة». ووفقا لهما، فإن هذه القيود «قد تقيد المحكمة من خلال منع محققيها من السفر»، إمكانية «المساس بالتكنولوجيا المستخدمة التي طورتها أمريكا لحماية الأدلة»، فيما أكدتا أن هجومًا إلكترونيًا استهدف أنظمة الحاسوب التابعة للمحكمة في عام 2024، «ترك الموظفين غير قادرين على الوصول إلى المعلومات»، وبالتالي أعاق تحقيقاتهم في جرائم الحرب.
وعلى الرغم من أن أمر «ترامب»، لم يذكر علنًا أفرادًا بعينهم، مستهدفين بعقوبات محددة، فقد ذكرت وكالة «رويترز»، أن «خان»، سيكون «أول شخص يخضع لعقوبات اقتصادية وحظر سفر». ونظرًا للعقوبات المماثلة التي سبق وفرضتها إدارة «ترامب الأولى»، على «فاتو بنسودا»، المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، والتي حالت دون وصولها إلى الأصول المالية الموجودة في أمريكا، ومنعتها من مخاطبة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل مباشر؛ فقد رأى «هاري ديفيز»، و«مارينا دنبار»، و«أوليفر هولمز»، في صحيفة «الجارديان»، أن العقوبات الأمريكية «ستعيق بشدة» العمل اليومي، لخان، بصفته المدعي العام، ما سيجعله «بمعزل عن بعض القضايا وعدد من موظفيه».
ومع إلزام «وزارة الخزانة» الأمريكية، بتسمية «أشخاص إضافيين»، للعقوبات في غضون 60 يومًا من أمر ترامب، أشار «كويل»، إلى أن موافقة القضاة الثلاثة في «المحكمة الجنائية»، الذين أيدوا طلب خان بإصدار مذكرة اعتقال بحق «نتنياهو»، و«جالانت»، وجميع المسؤولين والمحققين العاملين في القضايا ضدهما؛ باتوا جميعًا أهدافا محتملة لعقوبات فردية. وأثارت «هيومن رايتس ووتش»، كيف يبدو الأمر التنفيذي لترامب «مُصمم ليس فقط لترهيب مسؤولي المحكمة والموظفين المشاركين في التحقيقات»، لكن أيضًا «لتجميد التعاون الأوسع معها»، من البنوك والمؤسسات المالية، التي يمكن أن تُعاقب هي نفسها نظرًا لمعاملاتها المالية مع المحكمة.
من جانبه، أثار «تشارلي هوجل»، من «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية»، مخاوف «جدية»، بشأن «تعريض بعض المسؤولين في الولايات المتحدة لخطر العقوبات، جراء مساعدتهم للمحكمة في تسليط الأضواء على الفظائع المرتكبة في غزة والتحقيق فيها»، وهو ما اعتبره «انتهاكا لحق حرية التعبير المنصوص عليه في التعديل الأول للدستور الأمريكي».
ورغم أن الأوامر التنفيذية التي يصدرها رؤساء الولايات المتحدة، لا تحظى بموافقة «الكونجرس»؛ فإنها قد تخضع للمراجعة القضائية، ويمكن الطعن فيها في المحاكم الأمريكية المحلية، لكن كما أكد «آدم كيث»، من «منظمة حقوق الإنسان أولاً»، فإن «المحاكم الأمريكية تحترم السلطة التنفيذية إلى حد كبير»، فيما يتصل بفرض العقوبات الأجنبية، وبالتالي لا نتوقع أن تتحقق في إجراءات الطعن الوقائية.
وبالمثل، انتقد أعضاء في الكونغرس تحقيقات المحكمة بشأن الانتهاكات الإسرائيلية، رغم أنهم سبق أن أيدوا محاسبتها لجرائم الحرب التي ارتكبتها روسيا. وأوضحت «سوبرفيل»، و«جودمان»، أن المحرك الرئيسي وراء تغيير واشنطن لعلاقاتها مع المحكمة، هو السيناتور الجمهوري المخضرم «ليندسي جراهام»، الذي سبق أن نظم اجتماعات بين «خان»، والمشرعين الأمريكيين. إلا أنه يشعر الآن بالخيانة بعد أن اتخذت المحكمة إجراءات ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، ما دفعه إلى التعهد بالقضاء عليها، ومعاقبة أي دولة تسعى لتنفيذ مذكرة اعتقال بحق نتنياهو.
وفي تجسيد واضح لازدواجية المعايير التي ينتهجها الساسة الأمريكيون في التعامل مع قضايا العدالة الدولية، وصف «جراهام»، المحكمة الجنائية، بأنها «مارقة»؛ بسبب مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو، وجالانت. ومع ذلك، أقر بأنها اتخذت بعض القرارات «المنطقية تمامًا»، في إشارة إلى إجراءاتها ضد روسيا.
وفي انتقاده للمحكمة بسبب سعيها لمحاسبة إسرائيل، اعتبر «جراهام»، أن «النظرية القانونية»، التي تستند إليها لمعاقبة ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف، «بلا حدود»، محذرًا من أن الولايات المتحدة قد تكون «الهدف التالي»، إذا استمر هذا النهج. وأشار «روث»، إلى فكرة أن إدارة ترامب قد تكون التالية التي تواجه طلبات إصدار مذكرات اعتقال دولية من جانب المدعي العام للمحكمة. واستنادًا إلى المادة 70 من نظام روما، التي تخول لها مقاضاة الأفراد والكيانات التي تعرقل عملية المساءلة عن جرائم الحرب، ونظرًا لأنها سيكون لها ولاية قضائية على ترامب لأنه يتدخل في سير محاكمة معلقة»؛ رجح أن ترامب قد يكون المتلقي التالي لأمر اعتقال دولي يسعى إليه «خان».
وفي تأكيد على الانقسام بين الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، بشأن «المحكمة الجنائية الدولية، حذر «بيان مشترك»، لـ79 دولة، بينها «ألمانيا»، و«فرنسا»، من أن قرار «ترامب»، «يقوض سيادة القانون الدولي، ويهدد سرية المعلومات وسلامة المشاركين». كما رفضت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين»، العقوبات، مؤكدة أن أوروبا ستدافع دائمًا عن العدالة وسيادة القانون الدولي، وأن المحكمة يجب أن تواصل محاربة الإفلات من العقاب بحرية.
وفيما يخص سبل دعم الدول الغربية -باستثناء الولايات المتحدة - لحماية «المحكمة»، من العقوبات، أشارت «سندس عاصم»، من «ميدل إيست آي»، إلى إمكانية استخدام الاتحاد الأوروبي لقانونه لحظر أي عقوبات يفرضها طرف ثالث -مثل واشنطن- لضمان حماية المحكمة، والكيانات الأوروبية المتعاملة معها. كما دعا «روث»، الحكومات الأوروبية إلى إنشاء نظام عقوبات مضاد، يوفر الدعم المالي لموظفيها المستهدفين بعقوبات ترامب، في ظل استهداف العقوبات الأمريكية للمعاملات التي تتم بالدولار.
وكما أشارت «كالامار»، فإن العقوبات الاقتصادية، وقيود السفر التي فرضها «ترامب»، على المحكمة، تعد «خطوة وحشية»، تهدف إلى تقويض المساءلة عن جرائم الحرب، مما يناقض شعار واشنطن بشأن القواعد العالمية والعدالة للجميع، مؤكدة أن لغة القرار التنفيذي تعكس تصريحات سابقة لنتنياهو، مما يعزز رسالة بأن إسرائيل فوق القانون الدولي. وحذر المنسق الخاص للعدالة الجنائية العالمية «تود بوتشوالد»، من «تداعيات طويلة الأمد لهذا القرار»، فيما رأى مراقبون غربيون أن «العقوبات ستعرقل قدرة المحكمة على التحقيق في جرائم الحرب في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وباستهداف المحكمة، انتهكت إدارة ترامب المادة 70 من نظام روما الأساسي، بشأن التدخل في الإجراءات القانونية. وإذا أصدرت «المحكمة»، مذكرة اعتقال دولية ضد أمريكيين، بمن فيهم «ترامب» نفسه، فقد يتعرض لضغوط من الحلفاء الأوروبيين، رغم احتمال خضوعهم للضغوط الاقتصادية والسياسية الأمريكية. وفي ظل الأولوية الأمريكية المستمرة لحماية إسرائيل من المساءلة، جاءت هذه العقوبات كخطوة متوقعة ذات تأثير ضار على العدالة الدولية.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك