العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لماذا أكره العودة إلى المدارس «1»

لو‭ ‬كان‭ ‬ممكنا‭ ‬ان‭ ‬تعود‭ ‬بي‭ ‬سنوات‭ ‬العمر‭ ‬الى‭ ‬الوراء،‭ ‬وكنت‭ ‬سيد‭ ‬قراري،‭ ‬لما‭ ‬دخلت‭ ‬المدرسة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أعيش‭ ‬مرارات‭ ‬التعرض‭ ‬للعقاب‭ ‬البدني‭ ‬المريع‭ ‬مجددا،‭ ‬وكانت‭ ‬المرحلة‭ ‬التعليمية‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬سعدت‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬الجامعية،‭ ‬لأن‭ ‬الشتم‭ ‬والجلد‭ ‬لم‭ ‬يكونا‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬المعلمين‭ ‬فيها‭.‬

حباني‭ ‬الله‭ ‬بخصلة‭ ‬جميلة‭ ‬أشكره‭ ‬عليها،‭ ‬وهي‭ ‬أنني‭ ‬أفرح‭ ‬إذا‭ ‬نال‭ ‬شخص‭ ‬أعرفه‭ ‬ترقية‭ ‬أو‭ ‬مكافأة‭ ‬مجزية،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬عيالي‭ ‬الأربعة‭ ‬أكملوا‭ ‬تعليمهم‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أفرح‭ ‬بالإجازات‭ ‬المدرسية‭ ‬وخاصة‭ ‬الصيفية‭ ‬لأن‭ ‬صغارا‭ ‬وشبابا‭ ‬كثيرين‭ ‬سيرتاحون‭ ‬من‭ ‬عناء‭ ‬الواجبات‭ ‬المدرسية‭ ‬والاختبارات،‭ ‬والاستيقاظ‭ ‬المبكر‭ ‬بعد‭ ‬النوم‭ ‬المبكر،‭ ‬ولهذا‭ ‬أحس‭ ‬بالضيق‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬دراسي،‭ ‬لأنه‭ ‬يأتي‭ ‬مسببا‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق‭ ‬لملايين‭ ‬العائلات،‭ ‬ورغم‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬ألتفت‭ ‬إلى‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تنشرها‭ ‬الصحف‭ ‬عادة،‭ ‬لأن‭ ‬التجربة‭ ‬علمتني‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬تضليلية،‭ ‬فإن‭ ‬إعلانات‭ ‬‮«‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‮»‬‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬عليَّ‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

حتى‭ ‬المطاعم‭ ‬تخوض‭ ‬معركة‭ ‬بدء‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الجديد‭ ‬بإعلانات‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭: ‬قلم‭ ‬رصاص‭ ‬مجاني‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬سندويتش‭ ‬فلافل‭.. ‬كبون‭ ‬سحب‭ ‬على‭ ‬موبايل‭ ‬كروديا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬طبق‭ ‬حمص،‭ ‬وهذه‭ ‬الإعلانات‭ ‬تسبب‭ ‬لي‭ ‬الاكتئاب‭ ‬وتذكرني‭ ‬ببؤس‭ ‬نظامنا‭ ‬التعليمي،‭ ‬الذي‭ ‬يحتفي‭ ‬بالمظاهر‭ ‬والقشور‭ (‬تجليد‭ ‬الدفاتر‭ ‬بطريقة‭ ‬معينة،‭ ‬وتغليف‭ ‬كتاب‭ ‬كل‭ ‬مادة‭ ‬بورق‭ ‬ذي‭ ‬لون‭ ‬معين‭ ‬حسب‭ ‬مزاج‭ ‬المعلم،‭ ‬وهذا‭ ‬اللون‭ ‬من‭ ‬السخف‭ ‬متفش‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬وبائي‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬البنات‭: ‬مدرسة‭ ‬الرياضيات‭ ‬تفضل‭ ‬الأغلفة‭ ‬الحمراء‭ ‬ومعلمة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬رومانسية‭ ‬وتريد‭ ‬لكتب‭ ‬ودفاتر‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬أزرق‭ ‬سماوي‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬مدرسة‭ ‬العلوم‭ ‬تفضل‭ ‬اللون‭ ‬التركواز‭).‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬التباهي‭ ‬والتفاخر‭ ‬صار‭ ‬سمة‭ ‬لحياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬فإن‭ ‬مستلزمات‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الجديد‭ ‬مجال‭ ‬كبير‭ ‬لاستعراض‭ ‬كل‭ ‬عائلة‭ ‬لإمكاناتها‭ ‬وقدراتها‭ ‬المادية،‭ ‬بدرجة‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬المألوف‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬تلميذة‭ ‬تقول‭: ‬عيب‭ ‬أروح‭ ‬المدرسة‭ ‬بنفس‭ ‬شنطة‭ ‬العام‭ ‬الفائت‭. ‬بس‭ ‬يا‭ ‬بنتي‭ ‬اشترينا‭ ‬تلك‭ ‬الشنطة‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬بإصرار‭ ‬منك‭!.. ‬ولو‭.. ‬أين‭ ‬‮«‬أودّي‮»‬‭ ‬وجهي‭ ‬إذا‭ ‬شافوني‭ ‬بقية‭ ‬البنات‭ ‬بشنطة‭ ‬موديلها‭ ‬قديم؟

حتى‭ ‬عيال‭ ‬الروضة‭ ‬والحضانة‭ ‬لهم‭ ‬مواصفات‭ ‬معينة‭ ‬للحقيبة‭ ‬المدرسية‭: ‬هذه‭ ‬تريد‭ ‬واحدة‭ ‬عليها‭ ‬صورة‭ ‬باربي،‭ ‬وذاك‭ ‬يريدها‭ ‬بصورة‭ ‬سكوبي‭ ‬دوو‭! ‬وهناك‭ ‬المقلمة‭ ‬أي‭ ‬العلبة‭ ‬التي‭ ‬توضع‭ ‬فيها‭ ‬الأقلام‭. ‬والأقلام‭ ‬نفسها‭ ‬أشكال‭ ‬وألوان‭ ‬وبعضها‭ ‬يفتح‭ ‬النفس‭ ‬أو‭ ‬تحسب‭ ‬أنه‭ ‬قطعة‭ ‬حلوى‭.‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬كانت‭ ‬حقيبتي‭ ‬المدرسية‭ ‬‮«‬كيس‭ ‬مخدة‮»‬‭ ‬قديم‭ ‬صنعت‭ ‬له‭ ‬أمي‭ ‬حمالة‭ ‬كي‭ ‬أستطيع‭ ‬تعليقها‭ ‬على‭ ‬كتفي‭. ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مقلمة‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬قلماً‭ ‬واحداً‭ ‬وبالتحديد‭ ‬قلم‭ ‬الرصاص‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬برّايات‭ ‬لسن‭ ‬الأقلام‭ ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬نستخدم‭ ‬أمواس‭ ‬الحلاقة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العملية،‭ ‬وأذكر‭ ‬أن‭ ‬أبي‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬علبة‭ ‬مقاساتها‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬سنتمتر‭ ‬يحتفظ‭ ‬فيها‭ ‬بعدة‭ ‬الحلاقة،‭ ‬ولم‭ ‬أره‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬يرمي‭ ‬بموس،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬يتخلص‭ ‬منها،‭ ‬وهكذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬العلبة‭ ‬تحوي‭ ‬أمواساً‭ ‬عمرها‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬ولا‭ ‬تصلح‭ ‬حتى‭ ‬لقطع‭ ‬رقبة‭ ‬نملة،‭ ‬ولكن‭ ‬جيل‭ ‬آبائنا‭ ‬وأمهاتنا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديهم‭ ‬ما‭ ‬يرمونه‭ ‬في‭ ‬القمامة‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ -‬حتى‭ ‬العلب‭ ‬الفارغة‭- ‬كان‭ ‬يصلح‭ ‬لغرض‭ ‬أو‭ ‬آخر‭.‬

وبداية‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬تصيبني‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬لأن‭ ‬قلبي‭ ‬على‭ ‬الصغار‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬يتعرضون‭ ‬لملاحظات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬اسكت‭ ‬يا‭ ‬حمار‭.. ‬أين‭ ‬كنت‭ ‬يا‭ ‬غبي؟‭.. ‬أجب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬يا‭ ‬ثور‭.. ‬وقد‭ ‬اعترفت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الحساب‭ ‬والرياضيات‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬جدول‭ ‬عشرة‮»‬‭ ‬وكرهت‭ ‬الرياضيات‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬المتوسطة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مدرس‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬مزوداً‭ ‬بلسان‭ ‬يقطر‭ ‬سمّاً‭ ‬ويكتب‭ ‬على‭ ‬دفاترنا‭ ‬ملاحظات‭ ‬مهينة‭ ‬ويتحين‭ ‬الفرص‭ ‬لضربنا‭ ‬بقسوة،‭ ‬ولكن‭ ‬كلامه‭ ‬كان‭ ‬أقسى‭ ‬من‭ ‬ضرباته‭. ‬والله‭ ‬العظيم‭ ‬كتب‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬تلميذ‭ ‬زميلي‭ ‬‮«‬ما‭ ‬هذا‭ ‬يا‭ ‬لطخ‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬بقعة‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬على‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬تضمنت‭ ‬حل‭ ‬بعض‭ ‬‮«‬المسائل‮»‬‭. ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬معنى‭ ‬كلمة‭ ‬لطخ‭ ‬ولكننا‭ ‬جميعاً‭ ‬ندرك‭ ‬أنها‭ ‬جارحة‭ ‬تماماً‭ ‬مثل‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬خرنق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬راجت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬في‭ ‬‮«‬شاهد‭ ‬ما‭ ‬شافش‭ ‬حاجة‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا