العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ليس للحب أمد صلاحية

نحن‭ ‬قوم‭ ‬نكتب‭ ‬الشعر‭ ‬والنثر‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬ولكننا‭ ‬نستصعب‭ ‬ان‭ ‬نقول‭ ‬‮«‬أحبك‮»‬‭ ‬لمن‭ ‬نحب،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬عيالنا‭ ‬فوق‭ ‬سن‭ ‬العاشرة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أننا‭ ‬قد‭ ‬نتواضع‭ ‬ونقول‭ ‬لطفل‭ ‬صغير‭ ‬إننا‭ ‬نحبه‭ ‬إذا‭ ‬تشكك‭ ‬في‭ ‬حبنا‭ ‬له‭ (‬كان‭ ‬ولدي‭ ‬لؤي‭ ‬يبتزني‭ ‬في‭ ‬طفولته،‭ ‬فكلما‭ ‬رفضت‭ ‬له‭ ‬طلبا‭ ‬أو‭ ‬زجرته‭ ‬على‭ ‬خطأ‭ ‬تساءل‭ ‬في‭ ‬استكانة‭: ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬تحبني؟‭ ‬فلا‭ ‬أخضع‭ ‬للابتزاز‭ ‬وأقول‭ ‬له‭: ‬لو‭ ‬كررت‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬او‭ ‬القول‭ ‬فلن‭ ‬أحبك‭).‬

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬إيراني‭ ‬تجاوز‭ ‬التسعين،‭ ‬طلق‭ ‬زوجته‭ ‬بعد‭ ‬زواج‭ ‬دام‭ ‬75‭ ‬عاماً‭. ‬وقال‭ ‬الرجل‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬راغباً‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬بأخرى،‭ ‬ولكن‭ ‬ملَّ‭ ‬وسئم‭ ‬العيش‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭. ‬وأثناء‭ ‬كتابة‭ ‬المقال‭ ‬قلت‭ ‬لزوجتي‭: ‬لو‭ ‬مد‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬ودام‭ ‬زواجنا‭ ‬خمسين‭ ‬سنة،‭ ‬‮«‬كل‭ ‬حي‭ ‬يروح‭ ‬لحاله‮»‬،‭ ‬فكان‭ ‬ردها‭: ‬خليها‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭! ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬هذرا‭ (‬هزارا‭) ‬ومناكفة‭ ‬ومداعبة‭ ‬فإنني‭ ‬تضايقت،‭ ‬فقد‭ ‬توقعت‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تعاتبني‭ ‬وتتهمني‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أحترم‭ ‬ولا‭ ‬أرعى‭ ‬‮«‬العشرة‮»‬،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تمانع‭ ‬في‭ ‬تفنيشي‭ ‬إذا‭ ‬دام‭ ‬زواجنا‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭.‬

أذكر‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬ضيفاً‭ ‬في‭ ‬منتدى،‭ ‬وتعرضت‭ ‬لسيل‭ ‬من‭ ‬الأسئلة،‭ ‬ثم‭ ‬فاجأني‭ ‬أحد‭ ‬الحضور‭ ‬بسؤال‭ ‬عجيب‭: ‬هل‭ ‬من‭ ‬الوارد‭ ‬أن‭ ‬تتزوج‭ ‬فوق‭ ‬زوجتك‭ ‬الحالية؟‭ ‬لم‭ ‬أتلجلج‭ ‬في‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال،‭ ‬بل‭ ‬قلت‭ ‬بكل‭ ‬ثبات‭: ‬لن‭ ‬أتزوج‭ ‬عليها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬رحلت‭ ‬عن‭ ‬الدنيا‭ ‬قبلي‭. ‬وكنت‭ ‬صادقاً،‭ ‬لأنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬برغبات‭ ‬الرجل‭ ‬أو‭ ‬المرأة‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬برغبات‭ ‬و«مصلحة‮»‬‭ ‬العيال‭ ‬الذين‭ ‬نجموا‭ ‬عن‭ ‬الزواج،‭ ‬طالما‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬وقلت‭ ‬ما‭ ‬قلت‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬وارداً‭ ‬عندي‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬حياتي‭ ‬امرأة‭ ‬قد‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬ولو‭ ‬بكلمة‭ ‬عابرة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬أترمّل‭ ‬وأتبهدل‭ ‬أهون‭ ‬عندي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتبهدل‭ ‬عيالي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أولئك‭ ‬العيال‭ ‬جميعاً‭ ‬فوق‭ ‬الثلاثين‭.‬

في‭ ‬العاصمة‭ ‬المصرية‭ ‬نظرت‭ ‬محكمة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬دعوى‭ ‬طلاق‭ ‬رفعتها‭ ‬سيدة‭ ‬في‭ ‬الثالثة‭ ‬والسبعين‭ ‬مطالبة‭ ‬بإنهاء‭ ‬زيجة‭ ‬دامت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭. ‬الزوج‭ ‬يبلغ‭ ‬الثامنة‭ ‬والسبعين،‭ ‬يعني‭ ‬كان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬بخمس‭ ‬سنوات،‭ ‬وقالت‭ ‬الزوجة‭ ‬إنه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كبر‭ ‬أولادهما‭ ‬الثلاثة‭ ‬وتزوجوا‭ ‬ونالوا‭ ‬أعلى‭ ‬الوظائف‭ ‬والدرجات‭ ‬العلمية‭ ‬صارت‭ ‬حياتها‭ ‬خواء‭ ‬وسأماً‭ ‬ومللاً‭. ‬واعترفت‭ ‬الزوجة‭ ‬بأن‭ ‬زوجها‭ ‬كان‭ ‬لطيفاً‭ ‬ومحباً‭ ‬ثم‭ ‬فجأة‭ ‬انصرف‭ ‬عنها،‭ ‬وصار‭ ‬يقضي‭ ‬معظم‭ ‬يومه‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬والمطاعم،‭ ‬وقد‭ ‬تمرّ‭ ‬أيام‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتبادل‭ ‬معها‭ ‬كلمة‭. ‬الصحف‭ ‬التي‭ ‬نقلت‭ ‬حكاية‭ ‬دعوى‭ ‬الطلاق‭ ‬هذه‭ ‬تفننت‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬عناوين‭ ‬تستخف‭ ‬بالدعوى‭ ‬‮«‬تريد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التدليل‭/‬عجوز‭ ‬مازالت‭ ‬رومانسية‮»‬،‭ ‬وكأن‭ ‬هناك‭ ‬سناً‭ ‬معينة‭ ‬يستغني‭ ‬عندها‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والحنان‭.‬

حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعابير‭ ‬الحب‭ ‬والاهتمام‭ ‬كلما‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬السن‭ (‬عندما‭ ‬ينام‭ ‬الشخص‭ ‬وأسنانه‭ ‬في‭ ‬مكانين‭ ‬منفصلين‭)‬،‭ ‬ويصاب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬ممن‭ ‬تقدموا‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬ويصبحون‭ ‬عصبيين‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬حولهم‭ ‬ينصرفون‭ ‬عنهم،‭ ‬بسبب‭ ‬مشاغل‭ ‬الحياة،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬انشغالهم‭ ‬بأمورهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يعتبرون‭ ‬الوالدين‭ ‬العجوزين‭ ‬‮«‬عبئاً‮»‬،‭ ‬وكلما‭ ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬الخاص‭ ‬وتصبح‭ ‬صلتي‭ ‬بهم‭ ‬وبأمّهم‭ ‬مكالمات‭ ‬هاتفية‭ ‬أو‭ ‬زيارات‭ ‬عابرة‭ ‬أحسّ‭ ‬بغصّة‭ ‬في‭ ‬حلقي‭ ‬وألم‭ ‬في‭ ‬صدري‭. ‬أحياناً‭ ‬أتمنى‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬أملك‭ ‬المال‭ ‬لبناء‭ ‬مجمع‭ ‬سكني‭ ‬للعائلة‭ ‬الجعفرية‭ ‬يقيم‭ ‬فيها‭ ‬عيالي‭ ‬مع‭ ‬أزواجهم‭ ‬وزوجاتهم‭. ‬فإذا‭ ‬بأكبر‭ ‬أولادي‭ ‬ووالد‭ ‬أحفادي‭ ‬يعيش‭ ‬بهم‭ ‬بعيدا‭ ‬عني‭ ‬ولا‭ ‬يزوروننا‭ ‬إلا‭ ‬مرتين‭ ‬في‭ ‬السنة‭ (‬يا‭ ‬للعقوق‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬هذا‭ ‬يعتزم‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬ان‭ ‬يصاب‭ ‬فيها‭ ‬بالبرود‭ ‬العاطفي‭.‬

وأبتسم‭ ‬وأنا‭ ‬أتذكر‭ ‬قصة‭ ‬الامريكي‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬شيكاغو‭ ‬واتصل‭ ‬بابنه‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وابنته‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬البرازيل‭ ‬ليبلغهما‭ ‬أنه‭ ‬قرر‭ ‬تطليق‭ ‬أمهما،‭ ‬فجاءته‭ ‬الصرخات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬منهما‭: ‬اصبر‭ ‬باكر‭ ‬أكون‭ ‬معكم‭ ‬وأحل‭ ‬‮«‬المشكلة‮»‬،‭ ‬فنظر‭ ‬الرجل‭ ‬لزوجته‭ ‬مبتسما‭ ‬وقال‭: ‬أولاد‭ ‬ال‭... ‬سيأتون‭ ‬ويقضون‭ ‬معنا‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا