العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن بشر ليسوا ببشر

شخص‭ ‬أعرفه‭ ‬وتربطني‭ ‬به‭ ‬علاقة‭ ‬رحم،‭ ‬رزقه‭ ‬الله‭ ‬بثلاث‭ ‬بنات‭ ‬‮«‬ورا‭ ‬بعض‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬فأحزنه‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرا،‭ ‬وفي‭ ‬المرة‭ ‬الرابعة‭ ‬أبلغوه‭ ‬بأن‭ ‬زوجته‭ ‬رزقت‭ ‬بنتاً،‭ ‬فقال‭ ‬إن‭ ‬زوجته‭ ‬‮«‬نحس‭ ‬وما‭ ‬فيها‭ ‬خير‮»‬‭ ‬‮«‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الطفل‭ ‬الخامس،‭ ‬وكان‭..... ‬بالضبط،‭ ‬والسادس‭ ‬بنتاً‭ ‬سوداء‭ ‬كالأبنوس،‭ ‬فاعتزل‭ ‬صاحبنا‭ ‬الناس‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬‮«‬يهنئه‮»‬‭ ‬‮«‬أحد‭ ‬بالمولودة،‭ ‬وجلس‭ ‬يردد‭: ‬اللهم‭ ‬لا‭ ‬اعتراض‭ ‬في‭ ‬حكمك،‭ ‬وكان‭ ‬يقولها‭ ‬كمن‭ ‬أصابته‭ ‬مصيبة،‭ ‬ولم‭ ‬أره‭ ‬مبتسماً‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬المولود‭ ‬السابع‭ ‬ولداً‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الثامن‭ ‬ولداً،‭ ‬فانفشخت‭ ‬أساريره‭ ‬وصار‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬مرحا‭ ‬متبخترا،‭ ‬وكيف‭ ‬لا،‭ ‬ولسان‭ ‬حاله‭ ‬يقول‭: ‬صبرت‭ ‬ونلت‭!  ‬صبر‭ ‬على‭ ‬ست‭ ‬بنات‭ (‬وكان‭ ‬يعتبر‭ ‬ذاك‭ ‬محنة‭ ‬وابتلاء‭) ‬ثم‭ ‬أكرمه‭ ‬الله‭ ‬بولدين،‭ ‬وأحس‭ ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬بأنه‭ ‬صار‭ ‬رجلا‭ ‬لأنه‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬أولاد‮»‬‭.‬

ودارت‭ ‬الأيام‭ ‬وكبر‭ ‬العيال‭ ‬وكبر‭ ‬معهم‭ ‬أبو‭ ‬العيال،‭ ‬فإذا‭ ‬بي‭ ‬أسمعه‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬يقول‭: ‬مش‭ ‬عارف‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬إيه‭ ‬بدون‭ ‬بناتي‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وعلمت‭ ‬منه‭ ‬إنهن‭ ‬صرن‭ ‬ناجحات‭ ‬وعلى‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬نجحن‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬وصرن‭ ‬ربات‭ ‬بيوت‭ ‬ماهرات،‭ ‬ثم‭ ‬تزوجن‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬وملأت‭ ‬ضحكات‭ ‬وصرخات‭ ‬الأحفاد‭ ‬البيت‭ ‬بالبهجة‭ ‬والمرح،‭ ‬وصار‭ ‬يحكي‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬بكل‭ ‬فخر‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬آخر‭ ‬بناته،‭ ‬والتي‭ ‬جعله‭ ‬مولدها‭ ‬يحسب‭ ‬أنه‭ ‬تعيس‭ ‬الحظ‭ ‬لأنه‭ ‬أب‭ ‬لست‭ ‬بنات،‭ ‬حتى‭ ‬اعتزل‭ ‬الناس،‭ ‬صارت‭ ‬سائقه‭ ‬الخصوصي،‭ ‬توصله‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬وتساعده‭ ‬في‭ ‬تصريف‭ ‬شؤون‭ ‬عمله‭ ‬وبيته،‭ ‬بل‭ ‬وتتحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬نفقات‭ ‬بيت‭ ‬العائلة‭. ‬تذكرت‭ ‬صديقي‭ ‬وبناته‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬حكاية‭ ‬ذلك‭ ‬الوحش‭ ‬من‭ ‬سوهاج‭ ‬في‭ ‬صعيد‭ ‬مصر،‭ ‬الذي‭ ‬رزق‭ ‬سبع‭ ‬بنات‭ ‬ورأى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مصيبة‭ ‬وفضيحة،‭ ‬فذبح‭ ‬خمسا‭ ‬منهن‭ ‬وهن‭ ‬نائمات،‭ ‬ونجت‭ ‬اثنتان‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬بأعجوبة،‭ ‬وبرر‭ ‬جريمته‭ ‬بأنه‭ ‬أراد‭ ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬زوجته،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تنجب‭ ‬سوى‭ ‬البنات‭.  ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ - ‬والذي‭ ‬إذا‭ ‬وصفته‭ ‬بالحيوان‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الحيوانات‭ ‬أن‭ ‬تحتج‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإساءة‮»‬‭ - ‬دافع‭ ‬عن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬أمام‭ ‬المحمة‭ ‬مدعياً‭ ‬أنه‭ ‬يعاني‭ ‬نوبات‭ ‬جنون،‭ ‬بمنطق‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يرزق‭ ‬بسبع‭ ‬بنات،‭ ‬لابد‭ ‬وأن‭ ‬يفقد‭ ‬قواه‭ ‬العقلية،‭ ‬وأنه‭ ‬بالتالي‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬الحكم‭ ‬بالإعدام،‭ ‬ولكن‭ ‬جيرانه‭ ‬شهدوا‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬قواه‭ ‬العقلية‭ ‬بل‭ ‬أثبت‭ ‬الأطباء‭ ‬النفسانيون‭ ‬أنه‭ ‬مدرك‭ ‬لما‭ ‬فعله‭ ‬عامداً‭ ‬ويعي‭ ‬عاقبة‭ ‬الأمر،‭ ‬‮«‬أجمل‮»‬‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬نال‭ ‬حكما‭ ‬بالإعدام،‭ ‬ولكن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬إنساناً‭ ‬يقتل‭ ‬خمسة‭ ‬أرواح‭ ‬من‭ ‬صلبه‭ ‬أو‭ ‬صلب‭ ‬غيره‭ ‬يعدم‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭.‬

ومررت‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬حياتي‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬يُعتبر‭ ‬وصفهم‭ ‬بالبهائم‭ ‬انتقاصاً‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬البهائم‭: ‬طلقت‭ ‬المَرّة‭ ‬لأنها‭ ‬جابت‭ ‬بنتين‭!  ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬الزوجة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الزوجات‭ ‬لسن‭ ‬مسؤولات‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬جنس‭ ‬الجنين،‭ ‬وأنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬الزوجة‭/ ‬الزوجات‭ ‬الجديدات‭ ‬لن‭ ‬ينجبن‭ ‬طابورا‭ ‬من‭ ‬البنات‭!  ‬طبعاً‭ ‬لا‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تسأله‭ ‬السؤال‭ ‬البديهي‭ ‬البسيط‭: ‬ما‭ ‬لهن‭ ‬البنات؟‭  ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬وجهت‭ ‬السؤال‭ ‬إليَّ‭ ‬فإنني‭ ‬أقول‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬أكرمني‭ ‬ببنتين،‭ ‬وولدين،‭ ‬وجميعهم‭ ‬مصدر‭ ‬سعادتي،‭ ‬وهمي‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أسعدهم،‭ ‬ولكنني‭ ‬أعلنها‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأشهاد‭: ‬أنا‭ ‬منحاز‭ ‬للبنتين‭ ‬وأكرس‭ ‬لهما‭ ‬معظم‭ ‬وقتي،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لجهة‭ ‬الإرشاد‭ ‬أو‭ ‬المساعدة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أو‭ ‬لجهة‭ ‬الأنس‭ ‬والفرفشة‭.  ‬وأعرف‭ ‬أنهما‭ ‬تواجهان‭ ‬مجتمعاً‭ ‬ظالماً‭ ‬فيه‭ ‬الكثيرون‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬المرأة‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬كارثة‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬أسلحهما‭ ‬كي‭ ‬تكونا‭ ‬مشروع‭ ‬آدميتين‭ ‬صالحتين‭ ‬وناجحتين‭ ‬وفالحتين‭ ‬وقويتي‭ ‬الشخصية،‭ ‬ولو‭ ‬تعرضت‭ ‬إحداهما‭ ‬لشكة‭ ‬دبوس‭ ‬يدمي‭ ‬قلبي‭ ‬ألما،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬أعتبر‭ ‬من‭ ‬يؤذي‭ ‬أحد‭ ‬عياله‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان،‭ ‬ولا‭ ‬أجد‭ ‬وصفا‭ ‬مناسبا‭ ‬لأطلقه‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يقتل‭ ‬ابنه‭ ‬او‭ ‬بنته‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬الأسباب،‭ ‬سوى‭ ‬أنه‭ ‬دون‭ ‬الحيوانات‭ ‬مرتبة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا