العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن نقد ونغز الشعوب

في‭ ‬وطني‭ ‬الثاني،‭ ‬مدينة Kosti‭ (‬كتبت‭ ‬الاسم‭ ‬بالحرف‭ ‬الإفرنجي‭ ‬لأنها‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬صاحب‭ ‬اول‭ ‬محل‭ ‬تجاري‭ ‬فيها‭ ‬وهو‭ ‬تاجر‭ ‬يوناني‭)‬،‭ ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬الأوسط،‭ ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬بعد‭ ‬انفصال‭ ‬الجنوب،‭ ‬هي‭ ‬الجنوب‭ ‬الجديد‭ ‬للبلاد‭ (‬ما‭ ‬موطن‭ ‬العلة‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬للجنوب؟‭ ‬لماذا‭ ‬بلدان‭ ‬جنوب‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬أكثر‭ ‬تخلفا‭ ‬ومشاكلا‭ ‬وعللا‭ ‬من‭ ‬النصف‭ ‬الشمالي؟‭ ‬لماذا‭ ‬ظل‭ ‬جنوب‭ ‬السودان‭ ‬شوكة‭ ‬في‭ ‬خاصرة‭ ‬الوطن؟‭ ‬لماذا‭ ‬شمال‭ ‬مصر‭ ‬وشمال‭ ‬الهند‭ ‬أكثر‭ ‬تطورا‭ ‬من‭ ‬جنوبهما؟‭ ‬والله‭ ‬يستر‭ ‬على‭ ‬مدينتي‭ ‬كوستي‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬جنوب‭ ‬السودان‭ ‬الجديد،‭ ‬وهي‭ ‬حاليا‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬للهاربين‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العبثية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬ومحيطها‭ ‬الجغرافي‭).‬

المهم‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬درج‭ ‬شخص‭ ‬مختل‭ ‬عقليا‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬يديه‭ ‬بالدعاء‭: ‬يا‭ ‬رب‭ ‬مليون‭ ‬جنيه،‭ (‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬زمان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيه‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬يملك‭ ‬المليون‭) ‬وعندما‭ ‬يسألونه‭ ‬ماذا‭ ‬سيفعل‭ ‬بذلك‭ ‬المبلغ،‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬سورا‭ ‬عاليا‭ ‬مسقوفا‭ ‬للمدينة،‭ ‬ويحكم‭ ‬إغلاقه‭ ‬بالأقفال،‭ ‬ثم‭ ‬يطير‭ ‬فوق‭ ‬البحر‭ (‬نسمي‭ ‬النهر‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬بحرا‭) ‬ويرمي‭ ‬بالمفاتيح‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يعثر‭ ‬عليها‭ ‬أحد،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬شديدو‭ ‬التعصب‭ ‬لها،‭ ‬فإنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يغضبون‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬ذلك‭ ‬المجنون‭ ‬بل‭ ‬يضحكون‭ ‬له،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يحلم‭ ‬بعزلهم‭ ‬عن‭ ‬الدنيا‭ ‬وحرمانهم‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬والمطر‭.‬

وتذكرت‭ ‬صاحبنا‭ ‬ذاك‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬كلام‭ ‬القس‭ ‬الأمريكي‭ ‬فريد‭ ‬فيليبس‭ ‬الذي‭ ‬وصف‭ ‬السويد‭ ‬بأنها‭ ‬غدة‭ ‬سرطانية‭ ‬ينبغي‭ ‬اجتثاثها‭ ‬وتخليص‭ ‬البشرية‭ ‬منها،‭ ‬‮«‬لأنها‭ ‬بلد‭ ‬فاسق‭ ‬دنس‭ ‬وكافر‮»‬،‭ ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬أكرر‭ ‬ان‭ ‬الرجل‭ ‬قس‭ ‬مسيحي‭ ‬وليس‭ ‬داعشيا،‭ ‬وسر‭ ‬غضب‭ ‬القس‭ ‬الأمريكي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬كاهنا‭ ‬سويديا‭ ‬يمثل‭ ‬حاليا‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬لأنه‭ ‬شتم‭ ‬الشاذين‭ ‬جنسيا‭ (‬مجاراة‭ ‬للعولمة‭ ‬‮«‬المثليين‭ ‬جنسيا‮»‬‭) ‬ودعا‭ ‬عليهم‭ ‬بالفناء،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬للدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬ويقول‭ ‬فيليبس‭ ‬إن‭ ‬ألف‭ ‬سويدي‭ ‬هلكوا‭ ‬في‭ ‬كارثة‭ ‬التسونامي‭ ‬في‭ ‬تايلاند‭ ‬لأنهم‭ ‬فسقة‭ ‬وعاهرون‭ ‬وفاجرون،‭ ‬وتمنى‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬المد‭ ‬البحري‭ ‬أهلك‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السويديين،‭ ‬وأضاف‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬كارثة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬أبادت‭ ‬الشعب‭ ‬السويدي‭ ‬بأكمله‭ ‬‮«‬سترتاح‭ ‬البشرية‮»‬‭ ‬منه،‭ ‬وناشد‭ ‬فيليبس‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬تم‭ ‬تداولها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬حكومة‭ ‬تايلاند‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬السويديين‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬أراضيها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يدنسوها‭ ‬فيحيق‭ ‬بهم‭ ‬غضب‭ ‬السماء‭! (‬وكأنما‭ ‬تايلاند‭ ‬أرض‭ ‬الطهر‭ ‬والنقاء‭ ‬الأخلاقي‭).‬

السويديون‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬كلام‭ ‬القس‭ ‬فيليبس‭ ‬كمزحة‭ ‬وتداولوه‭ ‬بلا‭ ‬غضب‭ ‬أو‭ ‬سخط‭! ‬تخيل‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬شخصا‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬نصف‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬إلا‭ ‬بالله‭: ‬الأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬الثالث‭ ‬يتحرك‭ ‬لإلقاء‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬القائل،‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬حظر‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل‭ ‬على‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬قائل‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام،‭ ‬وتخيل‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬كلاما‭ ‬كذاك‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬ستنفتح‭ ‬صنابير‭ ‬الردح‭ ‬والقدح‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬ناقص‭ ‬العقل،‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الشهرة‭ ‬والأضواء‭.. ‬فكل‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ -‬ولله‭ ‬الحمد‭- ‬مثال‭ ‬للطهر‭ ‬والفضيلة‭ ‬والرجولة‭ ‬والبطولة‭ ‬والفحولة‭ ‬والكرامة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬التعريض‭ ‬بها‭ ‬بالحق‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المداعبة‭ ‬والمناكفة‭. (‬من‭ ‬غرائب‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كتب‭ ‬مصري‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬تصدى‭ ‬له‭ ‬عشرة‭ ‬كتاب‭ ‬سودانيين‭ ‬قائلين‭ ‬له‭: ‬لماذا‭ ‬تحشر‭ ‬بوزك‭ ‬في‭ ‬شؤوننا،‭ ‬يا‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬ولكن‭ ‬لو‭ ‬كتب‭ ‬امريكي‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬تايم‭ ‬او‭ ‬نيوزويك‭ ‬كلاما‭ ‬اقسى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬السودان‭ ‬فما‭ ‬فيها‭ ‬شيء،‭ ‬فحلال‭ ‬على‭ ‬بلابل‭ ‬الغرب‭ ‬الدوح،‭ ‬حرام‭ ‬على‭ ‬العُرب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جنس‭).‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬فالفلسطيني‭ ‬يطلق‭ ‬النكات‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬الخليل،‭ ‬والسوريون‭ ‬جعلوا‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬حلب‭ ‬مادة‭ ‬للتندر،‭ ‬والمصري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلقي‭ ‬عشر‭ ‬نكات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سبع‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬أهل‭ ‬الصعيد،‭ ‬وفي‭ ‬السودان‭ ‬تصدر‭ ‬يوميا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النكات‭ ‬عن‭ ‬أهلي‭ ‬النوبيين‭ ‬الذين‭ ‬يسميهم‭ ‬أهل‭ ‬السودان‭ ‬الأوسط‭ ‬‮«‬البرابرة‮»‬‭! ‬وكلنا‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬وعن‭ ‬بلداننا‭ ‬كلاما‭ ‬جارحا‭ ‬مثبطا‭ ‬ومحبطا‭ ‬ولكن‭ ‬يا‭ ‬ويل‭ ‬غيرنا‭ ‬إذا‭ ‬رددوا‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭. ‬

ادعاء‭ ‬الكمال‭ ‬بالحق‭ ‬والباطل‭ ‬يجعلنا‭ ‬‮«‬على‭ ‬الهبشة‮»‬‭ ‬وسريعي‭ ‬الاشتعال‭ ‬وويلك‭ ‬ياللي‭ ‬تعادينا‭ ‬يا‭ ‬ويلك‭ ‬ويل‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا