العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

القــرآن.. والـــرؤى المـسـتـقـبـلـيــة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٩ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

إن‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬مبدئه‭ ‬ومنتهاه،‭ ‬وفِي‭ ‬وسائله‭ ‬وغاياته،‭ ‬وفِي‭ ‬فروعه‭ ‬وأصوله‭ ‬كتاب‭ ‬هداية،‭ ‬وهو‭ ‬فوق‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬المعجزة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الباقية‭ ‬من‭ ‬معجزات‭ ‬الرسل‭ ‬الكرام‭ (‬عليهم‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬شرعة‭ ‬ومنهاج،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬سجلٌ‭ ‬حافلٌ‭ ‬بأنباء‭ ‬من‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬الأنبياء‭ ‬وأقوامهم،‭ ‬وفيه‭ ‬إشارات‭ ‬علمية‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يستخرج‭ ‬منها‭ ‬المسلمون‭ ‬عند‭ ‬التدبر‭ ‬أسبابًا‭ ‬للترقي‭ ‬الحضاري‭.‬

أما‭ ‬كون‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬كتاب‭ ‬هداية،‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الذي‭ ‬أنزل‭ ‬فيه‭ ‬القرآن‭ ‬هدى‭ ‬للناس‭ ‬وبينات‭ ‬من‭ ‬الهدى‭ ‬والفرقان‭..) ‬البقرة‭ / ‬185‭.‬

وأشار‭ ‬أيضًا‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬ألم‭(‬1‭) ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬فيه‭ ‬هدى‭ ‬للمتقين‭(‬2‭)) ‬سورة‭ ‬البقرة‭.‬

إذًا،‭ ‬فما‭ ‬الفرق‭ ‬في‭ ‬الهدايتين،‭ ‬الهداية‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تأتي‭ ‬بمعنى‭ ‬الدلالة،‭ ‬وتأتي‭ ‬أيضًا‭ ‬بمعنى‭ ‬المعونة‭ ‬والتمكين،‭ ‬فحين‭ ‬يتوجه‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬المسلمين‭ ‬منهم‭ ‬وغير‭ ‬المسلمين،‭ ‬فيكون‭ ‬معناها‭ ‬هداية‭ ‬الدلالة،‭ ‬فإذا‭ ‬قبل‭ ‬الإنسان‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬وأخلص‭ ‬لها‭ ‬أعانه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بالهداية‭ ‬الثانية،‭ ‬وهي‭ ‬هداية‭ ‬التمكين‭ ‬والمعونة‭ ‬وهذه‭ ‬للمتقين‭ ‬الذين‭ ‬أشارت‭ ‬إليهم‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬هداية‭ ‬التمكين‭ ‬والمعونة،‭ ‬وهي‭ ‬هداية‭ ‬الترقي‭ ‬في‭ ‬معارج‭ ‬أنوار‭ ‬القرآن‭ ‬العظيم،‭ ‬وبينات‭ ‬الوحي‭ ‬المقدس‭ ‬التي‭ ‬كلما‭ ‬أقبل‭ ‬عليها‭ ‬المسلم‭ ‬بالتدبر‭ ‬والتأمل‭ ‬زاده‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬من‭ ‬أنوار‭ ‬البيان،‭ ‬وأجزل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬العطاء،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬المسلم‭ ‬يتدرج‭ ‬في‭ ‬معارج‭ ‬الكمال‭ ‬أو‭ ‬شيئًا‭ ‬قريبًا‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عنهم‭.‬

ولقد‭ ‬تحدث‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عن‭ ‬الرؤى‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬اختص‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بها‭ ‬المؤمنين‭ ‬لينبه‭ ‬عقولهم،‭ ‬ويستثير‭ ‬هممهم‭ ‬لإعمال‭ ‬العقل‭ ‬للبحث‭ ‬والتقصي‭ ‬في‭ ‬آلاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ولنتأمل‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬إن‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬السموات‭ ‬والأرض‭ ‬واختلاف‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬لآيات‭ ‬لأولي‭ ‬الألباب‭(‬190‭) ‬الذين‭ ‬يذكرون‭ ‬الله‭ ‬قيامًا‭ ‬وقعودًا‭ ‬وعلى‭ ‬جنوبهم‭ ‬ويتفكرون‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬السموات‭ ‬والأرض‭ ‬ربنا‭ ‬ما‭ ‬خلقت‭ ‬هذا‭ ‬باطلًا‭ ‬سبحانك‭ ‬فقنا‭ ‬عذاب‭ ‬النار‭ (‬191‭)) ‬آل‭ ‬عمران‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الرؤى‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬يعدنا‭ ‬بها‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬ويدسها‭ ‬في‭ ‬آياته،‭ ‬ولن‭ ‬نفصل‭ ‬فيها‭ ‬لأن‭ ‬المقام‭ ‬ليس‭ ‬مقام‭ ‬تفصيل،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭: (‬والخيل‭ ‬والبغال‭ ‬والحمير‭ ‬لتركبوها‭ ‬وزينة‭ ‬ويخلق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‭) ‬سورة‭ ‬النحل‭ / ‬8‭. ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ ‬خاص‭ ‬بهذه‭ ‬المخلوقات‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬تنزل‭ ‬القرآن،‭ ‬وبوظيفتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التنقل‭ ‬والسفر،‭ ‬وهذه‭ ‬المخلوقات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬التنزيل‭ ‬المشهورة‭ ‬كوسائل‭ ‬نقل‭ ‬وانتقال‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬فذكرها‭ ‬لهم‭ ‬وأشار‭ ‬إليها‭ ‬لكن‭ ‬القرآن‭ ‬لم‭ ‬يغلق‭ ‬الباب‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل،‭ ‬ولَم‭ ‬يحصر‭ ‬وسائل‭ ‬السفر‭ ‬والانتقال‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬به‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬بحسب‭ ‬تطور‭ ‬العصر،‭ ‬واجتهاد‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬فيما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس،‭ ‬وييسر‭ ‬لهم‭ ‬سبل‭ ‬النقل‭ ‬والانتقال،‭ ‬لقد‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬ابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬تؤدي‭ ‬الأغراض‭ ‬نفسها‭ ‬وبكفاءة‭ ‬عالية‭ ‬بسبب‭ ‬تقدم‭ ‬الزمن،‭ ‬وترقي‭ ‬العقل‭ ‬البشري،‭ ‬واكتشاف‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬تحرك‭ ‬الآلات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وهذه‭ ‬الإشارة‭ ‬ندركها‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬ويخلق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‭) ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬الدلالة‭ ‬على‭ ‬المستور‭ ‬عنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭.‬

إذًا،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬استحدثته‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬حديثة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬مكنونات‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭!‬

آية‭ ‬أخرى‭ ‬فيها‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يكشفه‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬نبوءات‭ ‬علمية‭ ‬نجد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬سبحان‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬الأزواج‭ ‬كلها‭ ‬مما‭ ‬تنبت‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬أنفسهم‭ ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭) ‬يس‭ / ‬36‭.‬

والزوجية‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬بعضها‭ ‬وأخفى‭ ‬بعضها،‭ ‬وما‭ ‬أخفاه‭ ‬أعظم‭ ‬مما‭ ‬صرح‭ ‬به،‭ ‬وكشف‭ ‬ستره‭ ‬للناس‭. ‬ومن‭ ‬الوعود‭ ‬والعهود،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬البشارات‭ ‬التي‭ ‬بشر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عباده‭ ‬بها‭ ‬قوله‭ ‬سبحانه‭: (‬سنريهم‭ ‬آياتنا‭ ‬في‭ ‬الآفاق‭ ‬وفِي‭ ‬أنفسهم‭ ‬حتى‭ ‬يتبين‭ ‬لهم‭ ‬أنه‭ ‬الحق‭ ‬أولم‭ ‬يكف‭ ‬بربك‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬شهيد‭) ‬فصلت‭ / ‬53‭.‬

هذا‭ ‬الوعد‭ ‬الذي‭ ‬قطعه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬لعباده‭ ‬المؤمنين‭ ‬الذين‭ ‬وعدهم‭ ‬بالعطاء،‭ ‬والمنح‭ ‬الربانية‭ ‬إذا‭ ‬هم‭ ‬أقبلوا‭ ‬على‭ ‬كتابه‭ ‬العظيم‭ ‬بالتدبر‭ ‬والتأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬لهم‭ ‬بعض‭ ‬كنوزه‭ ‬المدفونة‭ ‬في‭ ‬آياته،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬ليكون‭ ‬كتاب‭ ‬علم‭ ‬من‭ ‬علوم‭ ‬البشر‭ ‬التي‭ ‬تتطور‭ ‬بتطور‭ ‬الزمن‭ ‬والعقول‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬آلاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬لكن‭ ‬فيه‭ ‬إشارات‭ ‬تتنبه‭ ‬لها‭ ‬العقول‭ ‬الراشدة،‭ ‬والإنسان‭ ‬مهيئ‭ ‬لهذا‭ ‬لأنه‭ ‬ورث‭ ‬أساسيات‭ ‬العلوم‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬آدم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭) ‬الذي‭ ‬علمه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬كل‭ ‬الأسماء،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬وعلم‭ ‬آدم‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬ثم‭ ‬عرضهم‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬فقال‭ ‬أنبئوني‭ ‬بأسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‭) ‬البقرة‭ /‬13‭.‬

وكلمة‭ ‬‮«‬كلها‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬تفيد‭ ‬الشمولية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حاضره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬في‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬تحقق‭ ‬نبوءات‭ ‬القرآن،‭ ‬ولقد‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬إلى‭ ‬منه‭ ‬وفضله‭ ‬على‭ ‬عبده‭ ‬ورسوله‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬وسلم‭ ‬عليه‭) ‬فقال‭: (‬ولولا‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬ورحمته‭ ‬لهمت‭ ‬طائفة‭ ‬أن‭ ‬يضلوك‭ ‬وما‭ ‬يضلون‭ ‬إلا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وما‭ ‬يضرونك‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬وأنزل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬الكتاب‭ ‬والحكمة‭ ‬وعلمك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلم‭ ‬وكان‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬عظيمًا‭) ‬النساء‭ / ‬113‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا