العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

كما أرى

عبدالله المناعي

الأجيال التائهة

ننزف بدلا من دموع الفرح دموع الحزن، وان لم تدمع أعيننا فقلوبنا دائمة الدمع. نستبدل السعادة والرضا بسويعات من الفرح الزائف الذي لا يلبث ان ينتهي حتى نعود مجددا الى اعماق الاكتئاب المسطر بالخوف والقلق. نتعايش ولا نعيش، نتأقلم من دون راحة في ظل صراعات نفسية ومجتمعية ترمينا بين ضفتي نهر متسارع. صراع بين ضغوطات التحرر العقلي واكتساب أفكار أعمق لنواكب بتلك الأفكار المتغيرات في العالم بهدف النجاح العملي، ومن بين المؤثرين من حولنا في المجتمع المتشبثون علانية بالحياة التقليدية بمختلف نواحيها. صراع بين العولمة والانفتاح على الثقافات الاخرى وبين عدم قدرتنا على الارتباط بتلك الثقافات بسبب ردة فعل المجتمع الذي يسارع في إطلاق الأحكام. وفي هذه الحالة، أغلبنا يختار الانحياز للمجتمع لكي لا يخرج عن السرب ولاقتناعه -التي سرعان ما تتغير- بأن المجتمع أنضج من الفرد التائه. فننحاز للمجتمع ونختلق أشباها للسعادة في محاولة بائسة للتأقلم والاندماج. ولكن، لأن الصراع باقٍ، نجد أنفسنا تعساء. فتأتي مرحلة الإيمان بأننا لا نستحق السعادة وننفي عن أنفسنا ما يسعدنا لصالح إسعاد غيرنا، ومن ثم نحاول جاهدين أن نقنع أنفسنا بأن ذلك قد يكون خيرا لنا لانه -باختصار- لا يمكن ان تكون الكثرة مخطئة ونحن على صواب، ولا يمكن ان تكون سعادتنا مقرونة بتعاسة الآخرين.. وبذلك تبدأ الدوامة من جديد بالرغم من معرفتنا أن الكثير من حولنا ينصحنا بلسان المجتمع ويطبق ما هو خلاف ذلك سرّا.

قرأت ما تم كتابته في كتاب بعنوان: «كيان»، كتاب مازالت كلماته تُسَطَّر تساؤلات كبيرة حول ماهية الحياة والصراع بين الفكر التقليدي «العربي» وإمكانية عزل أنفسنا عن الناس من دون تكوين علاقات حميمة مع الجنس الآخر حتى نحمي أنفسنا من تلك الصراعات. وبعيدا عن مسألة العلاقات الإنسانية التي يتناولها الكتاب، فهذا ليس الطرح الوحيد، كل يوم يخرج طرح مشابه من آخرين من الجيل ذاته والذي سبقه والذي تلاه. وفي الواقع إن هذه التساؤلات تنم في الأساس عن الخوف من الفشل. ففي عقلنا، اننا إذا اخترنا الطريق الذي رسمه لنا المجتمع، فإننا نعلم أننا سنكون تعساء بقبول ما يمليه علينا ذاك المجتمع، الا أننا نعتقد أنه في هذه الحالة لن يقسوا المجتمع علينا كثيرا في حال نجحنا او فشلنا. ولكن اذا اخترنا الطريق الآخر -المخالفة لمشيئة المجتمع- وفشلنا فإننا سنكون تعساء بسبب فشلنا ولكن سيضاف الى تعاستنا في هذه الحالة شماتة المجتمع وقسوته علينا وعلى من حولنا. أما إذا عارضنا المجتمع ونجحنا في تحقيق ما نصبو إليه فإننا لا نزال نخشى ردة فعل المجتمع، وفي هذه الحالة نخشى أن صوت الأغلبية المنتقدة سيغرق نجاحاتنا الفردية. وبذلك فإن الفشل يكون دائما حليفنا، فإن لم يكن الفشل الشخصي فهو الفشل في عين المجتمع. 

ولكي نحمي أنفسنا من الفشل المحتوم، فإننا نفعل المستحيل لكي نقوم بنبش جميع سلبيات وعيوب أيّ قرار يعارض مشيئة المجتمع وننظر الى أدق التفاصيل حتى نحاول ثني أنفسنا عن ذلك القرار وكرهه بالرغم من معرفتنا ان الكمال لله وحده. ولهذا فإننا نبعد ما نحب ومن نحب دائما ونعود مجددا الى براثن ما يقبله المجتمع حتى وان كان ما كنا نريد فعله ليس خاطئا دينا أو عرفا. بل يصل بنا الوضع لأن نفضل ان نحمي من نحب من تلك الدوامة ونضع الآخرين ونضع أنفسنا أمام الأمر الواقع الذي يتماشى مع ما يمليه علينا المجتمع بالرغم من كرهنا لاختياراتنا. ولذلك فإننا بين نقمتنا على المجتمع ورفضنا لقراراتنا، ما يوصلنا في الكثير من الأحيان الى كره أنفسنا التي اتخذت تلك القرارات، فنقسو على أنفسنا وعلى الآخرين ونبكي بصمت حتى لا نضعف أمامهم، ونقع بشكل أعمق في مستنقع الكآبة والاكتئاب حتى يصبح من الصعب ان نتعرف على أنفسنا، ونصبح بذلك مخلوقات قاسية تحت مسمى أننا نواجه الحياة، ولكن الواقع هو أننا نهرب منها.

مشاعر صعبة الفهم للذي لم يعشها أو يراقبها من كثب ولكنها حقيقية بكل تناقضاتها وسلبياتها. وقد تنكرها أو تستصغرها أغلب الأجيال التي ستحمل هذه الصحيفة لتقرأ هذا المقال، ولكنه واقع مر ومرير. ما كتبته الآن ليس كلامي ولكنه مشاعر أعداد متزايدة من جيلي والأجيال التي تلتني. أتوقع أنكم ستعتقدون أنني أبالغ أو أنني انظر إلى الحياة بسوداوية. ولكن في الواقع ما كتبته حقيقة تعيشها أجيال تائهة من حولنا بصمت. بل الوضع قد يرتقي الى مستوى الظاهرة التي بدأت في جيلي وَتفاقمت في الأجيال القادمة. انها ليست ظاهرة محلية فحسب وإنما هي ظاهرة عالمية بدليل الإحصائيات التي تخرج يوما بعد يوم حول معدلات الاكتئاب في العالم وارتفاعها المطرد عند فئة الشباب وزيادة حالات الانتحار وتعاطي المخدرات. لن أطيل عليكم، انظروا الى من حولكم وستتمكنون من أن تعرفوا من تنطبق عليه هذه الكلمات اذا راقبتم قراراتهم وتصرفاتهم بمعزل عن مشاعركم تجاههم. وسنتابع حديثنا في هذا الموضوع بشكل تحليلي في الاسبوع القادم. وأود ان انوه الى أنني لن أرد على أي تعليقات قبل ذلك الحين.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله المناعي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news