العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

كلية العفو!!

العفو من شيمة الأقوياء لا الضعفاء، فإن الذي يعفو ويتجاوز هو القوي الذي يملك نفسه عند الغضب، فيكتم غيظه، ويعفو عمن قدر عليه، أما العاجز الذي يتنازل عن حقه، ولا يسعى إلى الانتصار ممن ظلمه فلا يسمى ذلك عفوًا إنما يسمى خضوعًا واستسلامًا وذلًا، لذلك اشتهرت بين الناس مقولة «العفو عند المقدرة».

حين دخلت جامعة الخير أتجول في طرقاتها، وأقرأ ما كتب على أبواب كلياتها وجدت كلية كُتب عليها: كلية العفو!!، وتساءلت فيما بيني و نفسي: ما المقررات التي تدرسها هذه الكلية؟ وما حظ خريجي هذه الكلية من الوظائف التي تعلنها الدولة؟ وهل العلوم والخبرات التي تقدمها هذه الكلية لطلبتها ترى رواجًا عند أصحاب الوظائف من رؤساء المصانع والشركات؟ وفيما أنا مشغول بمثل هذه الأسئلة التي قد تبدو للنظرة السطحية المتعجلة لم يأت أوانها بعد، وإذ بأحد أساتذة الجامعة يسألني: ما بك، ولم أنت مهموم؟ قلت له: مشغول بهذه الكلية، ومصير طلبتها بعد التخرج؟ وهل المقررات الدراسية التي تقدمها لطلبتها تؤهلهم لأن يسلكوا ميدان التوظيف؟ قال لي: إنها كلية لها قيمتها الأخلاقية والمعنوية وإن بدت للنظرة المتعجلة قليلة النفع والجدوى عند بعض الناس!!.

قلت: كيف؟ قال: إنها كلية تعيد التوازن النفسي لمن ينتمي إليها من الطلبة حين تدرسهم قيمة العفو والانتصار على دواعي الغضب، فإذا استطاع خريجو هذه الكلية أن يحققوا شيئًا من هذا في حياتهم، فقد تسلحوا بسلاح قوي لا يتمتع به كثير من الناس، وخاصة أولئك الذين سرعان ما تطيش عقولهم عند أول ابتلاء، فهم سريعو الغضب، بطيئو الفيء، تنطلق ألسنتهم بالسب والشتم قبل أن تفكر عقولهم. قلت: إن دروس هذه الكلية تبدو لي صعبة على طلبة هم في بداية إقبالهم على الحياة واعتمادهم على أنفسهم.

قال: قد لا تنبئ الكلية بحقيقتها من أول وهلة، لكن حين يعتاد الطلبة دروسها تسهل عليهم هذه الدروس، ويقبلون عليها بكل همة ونشاط، قلت: ما السر وراء ذلك؟ قال: لأنها تُمارس فلسفة التغيير التي مفادها كما قال الحق سبحانه وتعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» الرعد/11، وهذا ما تحققه هذه الكلية لطلبتها من خلال هذه المقررات الدراسية التي تنزع الحقد من القلوب، وتنثر الرضا والتجاوز بين الناس، وتكسب الطلبة، وخاصة النابهين منهم صحة نفسية يتمناها كثير من الطلبة الذين ضلوا الطريق إلى هذه الكلية!.

إن هذه الكلية تهتدي في دروسها بهدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين واجه مقتل عمه حمزة بن عبدالمطلب (رضي الله عنه)، وآلمه ذلك أشد الألم، فأقسم أن يمثل بعدد كبير من الكفار، فنزل قوله تعالى: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) فاصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127)» النمل.

هذا هو أستاذ البشرية العظيم يعلمنا كيف نواجه الأحداث، وكيف نتعامل مع ما ينزل بنا من ابتلاءات؟ وكيف ننتصر على دواعي الانفعالات النفسية، وكيف نروضها حتى نقول لأوامر الله تعالى ونواهيه: سمعنا وأطعنا، ولا نقول مثل ما قالت الأمم قبلنا: سمعنا وعصينا !!، وأخذ صحابته الكرام (رضوان الله تعالى عليهم) يترسمون طريق نبيهم (صلوات ربي وسلامه عليه)، ويتأسون به صلى الله عليه وسلم، وتتجلى من خلال سلوكياتهم هذه عظمة المبادئ الإسلامية الراقية التي صنعت أمة، وأسست دولة، وأنشأت حضارة لا يزال التاريخ يعطر الأسماع بذكرها، والثناء عليها. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news