العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

المصالح الفئوية تطحن العراقيين

لو افترضنا جدلًا تمكن فرقاء العمل السياسي في العراق من الاتفاق على تشكيل ما يسمونه بالكتلة النيابية الأكبر، والتي يحق لها تشكيل الحكومة العراقية القادمة وفقا للدستور العراقي، فإن مثل هذا «النجاح» لن يخرج العراق من المأزق السياسي الذي وجد نفسه فيه منذ ما يزيد على خمسة عشر عاما؛ أي منذ الغزو الأمريكي للعراق في مارس عام 2003. جل الكتل النيابية العراقية لا تملك من الناحية الفعلية قرارها السياسي المستقل ذا البوصلة الوطنية الخالصة، بل إنها مشدودة بحبال خارجية، أمريكية وإيرانية بالدرجة الأولى، فهناك نفوذ قوي لكل من الولايات المتحدة وإيران يوفر للدولتين التأثير المباشر على القرار العراقي الداخلي، وهي حقيقة يتحدث عنها العديد من الساسة العراقيين بشكل صريح ومباشر، وبعضهم يرفض هذا التدخل رفضا قاطعا ويهدد كذلك بتعطيل تشكيل الحكومة العراقية إذا جاءت نتيجة لضغط أو لخدمة مصالح الدولتين.

شئنا أم أبينا، فإن غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في عام 2003، قد فتح الباب أمام النفوذ الإيراني عبر القوى السياسية العراقية التي احتضنتها طهران خلال نظام حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تمتلكه من أوراق قوى وحضور مباشر في الساحة العراقية وفي العديد من المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية وغيرها، فإنها حتى الآن تقف عاجزة عن كبح أو صد النفوذ الإيراني في العراق، أضف إلى ذلك أن إيران تعتبر العراق بمثابة بوابتها الغربية وخط صد مهم ورئيسي للدفاع عن مصالحها في المنطقة، وقد استطاعت بحكم علاقاتها الوثيقة مع قوى سياسية وعسكرية عراقية أن تثبت أقدامها بقوة في المحفل السياسي العراقي.

فالجدل السياسي الدائر في العراق حاليا حول تشكيل الحكومة العراقية التي طال انتظارها، يعكس حقيقة وجود صراع مصالح قوى خارجية لا تريد أن تتعرض مصالحها في العراق لأي تهديد أو خطر في المستقبل، وهي من ثم، لا تريد أن تفرط في أي من خيوط التحكم في حركة اللعبة السياسية في العراق، فهذه القوى وإن أظهرت «اهتماما» و«حرصا» على استقرار العراق وتعافيه من وطأة الغزو والجماعات الإرهابية، إلا أنها في حقيقة الأمر تبحث وتهتم بالدرجة الأول بحماية وتأمين مصالحها الوطنية، فمصالح الشعب العراقي، كغيره من الشعوب ليست سوى جسر تتخذ منه هذه القوى مسارا لتأمين مصالحها ونفوذها.

فالقوى السياسية العراقية، وتحديدا القوى الكبرى منها، سواء الشيعية أو السنية والكردية كذلك، لن تُخرج العراق من عنق الزجاجة التي أدخلته فيه الولايات المتحدة الأمريكية، فعلاوة على أن هذه القوى تتصارع فيما بينها على اقتسام الغنائم السياسية التي جلبها الغزو الأمريكي والنفوذ الإيراني الذي تعزز بعد الغزو، فإنها في نفس الوقت غير قادرة على تحقيق استقلالها السياسي الحقيقي، ومن ثم فهي ليست القوى التي يمكن أن يعول عليها الشارع العراقي لإخراج البلاد من المأزق الذي تمر به.

عودة للسؤال الجدلي نقول: إن أزمة العراق ومشاكله لا تعود في معظمها إلى أسباب داخلية أو حتى صراعات بين القوى السياسية والدينية والمذهبية التي تسيطر على الشارع العراقي في الوقت الحاضر، بل إلى الأسباب سالفة الذكر، والتي تعود إلى الأطراف الخارجية التي وجدت في عراق ما بعد الغزو الأمريكي ساحة مناسبة لتصفية حساباتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لتأمين مصالحها والدفاع عنها، فالخاصرة العراقية أصبحت بعد الغزو خاصرة رخوة جدا لا تتوافر لها أي حماية أو مناعة لصد جميع أشكال التدخلات في الشأن العراقي الداخلي.

هذا الوضع غير السليم وغير الصحي الذي يعيشه العراق والصراعات السياسية وحالة عدم الاستقرار الأمني في البلاد، سيبقى مستمرا فترة طويلة، إذ ليس من السهل على القوى التي تتحكم في المشهد العراقي، بل وتدير اللعبة السياسية بين أطرافه، أن تنسحب أو حتى تنسل بهدوء من هذا المشهد وتترك لأبناء العراق حرية إعادة بناء بلدهم بما يخدم مصالحهم ووطنهم بالدرجة الأولى، ورغم ما حققه العراق من تقدم في حربه ضد الجماعات الإرهابية وتحديدا ضد ما يسمى بــ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، فإن الفاصل بينه وبين الاستقرار الحقيقي لا يزال طويلا جدًا.

كما أن حديث القوى السياسية العراقية عن تشكيل تكتلات برلمانية من مختلف الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية والسياسية أيضا، ليس سوى هروب من مواجهة الواقع الذي تعيشه التجربة السياسية العراقية بعد الغزو، فهذه القوى، مهما حاولت لملمة صفوفها ورصدها تحت سقف واحد، إلا أنها لن تستطيع الخروج عن السقف الذي تستظل أسفله منذ انطلاقتها وتأسيسها، فهذه القوى، ونعني بها ذات الحضور القوي في شوارعها، حدودها هي طائفتها الدينية أو انتماؤها العرقي، أما الانتماء الوطني العراقي فلا يعدو أن يكون عنوانا استهلاكيا فقط.

المأزق العراقي في مجمله لن ينتهي بافتراض توصل الكتل البرلمانية العراقية إلى صيغة تشكيل ما تمسى بـــ«كتلة الأغلبية البرلمانية» أي فتح الطريق أمام تشكيل حكومة عراقية، فالعراق، ومن بعد الغزو الأمريكي، من الناحية السياسية كانت تقوده حكومات تشكلت من قبل كتل الأغلبية النيابية، ومع ذلك بقي حبيس أزماته السياسية الطاحنة الأمر الذي يؤكد أن تحديد مستقبل العراق، حتى الآن، من الناحية الفعلية ليس بأيدي أبناء العراق، بل إن هذا المستقبل حبيس صراع مصالح القوى الخارجية.

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news