العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ترامب وسط العاصفة في واشنطن

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١١ ٢٠١٨ - 01:15

خلال الأسبوع الماضي، وفي العاصمة واشنطن، اصطدمت المُثل السياسية التي طالما كنا نتطلع إليها بالواقع الذي أصبح عليه الناس. كانت البداية مع موكب تأبين السيناتور الراحل جون ماكين، الذي اتسمت حياته باحترام الحزبين والالتزام والتفاني في خدمة بلاده، بالإضافة إلى شخصيته الودودة. 

جاء حفل التأبين ليظهر لنا الوضع الذي بات يعيشه البيت الأبيض، في ظل وجود رئيس «انتقامي»، و«فاقد للسيطرة». غلبت على بقية أيام الأسبوع تلك النقاشات العميقة التي اتسمت بها جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ الأمريكي والمتعلقة بمرشح الرئيس دونالد ترامب للمحكمة العليا الأمريكية. 

اعترف بأنني تابعت حفل تأبين السيناتور جون ماكين بمشاعر متباينة. وباعتباري مواطنا أمريكيا، فقد كان من الصعب ألا أعجب بسيرة الرجل وقصة حياته الملهمة التي تنم عن تفانٍ كبيرٍ والتزام كامل بخدمة بلاده. 

كان جون ماكين أيضا، جزءا مما يعرف بـ«أعظم الأجيال»؛ أي أولئك الذين عاشوا الانهيار الاقتصادي الكبير سنة 1929، ثم دخلوا الحرب العالمية الثانية (1939-1945). لقد جسد جون ماكين في حياته المثل التي ميزت ذلك الجيل. 

لقد كنت بالمقابل، على خلاف كبير مع السيناتور جون ماكين فيما يتعلق بالمقاربة التي كان يتبناها في تعامله مع قضايا السياسة الخارجية وقد كانت لي معه نقاشات حامية حول إمعانه في رفض الاعتراف بالانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون جراء سياسات الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. لقد أثرت معه أيضا في نقاشاتنا «نزعته للدعوة إلى القصف بالقنابل كلما تعلق الأمر بنشوب نزاع جديد». لقد اختلفت مع جون ماكين أيضا حول سياساته الداخلية المحافظة.

لكنني مازلت أذكر الجهود الكبيرة التي بذلها للتوفيق بين الحزبين في مطلع التسعينيات من القرن العشرين الماضي من أجل تمرير إصلاحات ذات مغزى فيما يتعلق بتمويل الحملات الانتخابية والهجرة. 

ما زلت أذكر الموقف القوي الذي اتخذه جون ماكين ضد سياسة التعذيب التي كانت تنتهجها إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش. 

أما على الصعيد الشخصي فإنني لا أنسى موقف السيناتور جون ماكين. فعندما علم أن حياتي أصبحت مهددة في خضم حالة الاحتقان المتفاقمة في فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هاتفني جون ماكين وسألني عما يمكن أن يفعله من أجل حمايتي وعائلتي من أي خطر قد يهدد حياتنا. 

وعندما تعرض بعض زملائه من الجمهوريين لمها عابدين، مساعدة هيلاري كلينتون واتهموها بالارتباط بالجماعات الإسلامية المتطرفة كنا نعلم أن السيناتور جون ماكين سيهب للدفاع عنها. فقد أصدر بيانا أدان فيه بشدة تلك الهجمات، كما تحدث عن الحاجة إلى تطهير بلادنا من الجماعات المتعصبة. 

خلال حفل التأبين كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما خير من تحدث عن رؤية ومقاربة جون ماكين عن واشنطن، حيث قال: «قد تبدو الكثير من الأعمال السياسية صغيرة وتافهة، ولا تعدو أن تكون متاجرة بالكبرياء والغرور وتوجيه الشتائم خلال جدل عقيم وغضب أو سخط مفتعل. إنها سياسات يوحي أصحابها بأنهم يتحلون بالشجاعة غير أنها سياسات تنم في الحقيقة عن مشاعر الخوف. لقد أراد جون منا جميعا أن نسمو بأنفسنا عن كل هذه التفاهات. لقد أراد أن نكون أفضل من هذا». 

وفيما كان أوباما يؤبن جون ماكين بكلمات بليغة ومؤثرة، كانت الكاميرا تتجول بين الحضور - من جمهوريين وديمقراطيين - وقد كانوا على ما يبدو يهزون رؤوسهم تأكيدا لمناقب الرجل التي كان يعددها أوباما في حفل التأبين.

كان من بين الحضور، شخصيات سياسية عملت في ظل ثماني إدارات رئاسية تعاقبت على الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى المسؤولين الحاليين في البيت الأبيض الأمريكي. فقد ألهمتهم المثل السامية ومعاني النبل والشرف التي كانت تميز شخصية جون ماكين الرجل الذي تجمعوا كلهم من أجل تأبينه. لقد نجح الرئيس السابق باراك أوباما يومها في التعبير بكلماته عن حقيقة المثُل الأمريكية. 

شعرت لوهلة أن هذا الكلام سيكون له أثر إيجابي على طبيعة سياساتنا في واشنطن غير أن تلك الآمال قد تبددت سريعا ذلك أن أفكاري قد عادت بي ثانية إلى الواقع فقد كان حفل التأبين مثل قداس يوم الأحد في الكنيسة. نسمع الكلام والمواعظ ونقول بين أنفسنا: «سأفعل ما هو أفضل» لكننا نستأنف عملنا في اليوم التالي ونسقط في نفس القوالب السلوكية النمطية. 

عندما استأنف الكونجرس الأمريكي عمله يوم الثلاثاء الماضي، عقد جلسات الاستماع من أجل مناقشة التعيينات في أجواء مشحونة بكثير من التوتر. فالجمهوريون الذين يتمتعون بالأغلبية كانوا يريدون أن تتم الأمور برمتها بالطريقة المألوفة. لقد كانوا يملكون الأغلبية التي تمكنهم من تمرير التعيينات التي قررها دونالد ترامب فيما يتعلق بالمحكمة العليا الأمريكية، وقد أوضحوا منذ البداية أنهم سيفعلون ذلك وفق شروطهم الحزبية. 

لم يخف الديمقراطيون تذمرهم وقالوا إنهم لا يتمكنون من الإطلاع على ملفات كل مرشح لمنصب في المحكمة العليا الأمريكية، وخاصة ملفاته المتعلقة بالآراء التي كتبها عندما عمل في البيت الأبيض في فترة إدارة جورج بوش. 

يتعلق الكثير من هذه الملفات بمسائل كان يمكن أن ترفع إلى المحكمة العليا الأمريكية. لقد طلب الديمقراطيون الإطلاع على تلك الملفات غير أن طلبهم قد قوبل بالرفض من الجمهوريين بدعوى أن الأمر يتعلق بمسائل «بالغة السرية» ويمكن أن تتسرب إلى الرأي العام. 

لعل ما زاد الوضع سوءًا أن الشخص الذي كلفه الجمهوريون بمراجعة الملفات، وتحديد تلك التي يجب أن تحفظ تحت بند «سري»، ومن ثم، حجبها عن الرأي العام كان يعمل موظفا لدى المرشح لعضوية المحكمة العليا الأمريكية.

في الوقت الراهن نجد أن تركيبة المحكمة العليا الأمريكية منقسمة بالتساوي مناصفة بين الحزبين. لذلك فإذا ما تم تثبيت المرشح الذي اختاره الرئيس دونالد ترامب، فإن صوته سيكون هو الفاصل. 

قد تُدعى المحكمة العليا للبت في بعض القضايا التي تهم الرئيس نفسه – سواء تلك المتعلقة بسعيه إلى «عرقلة العدالة»، أو بما إذا كان ترامب قد انتهك الدستور، والذي يمنع الرئيس من الاستفادة من منصبه أو بما إذا كان قد عفا عن نفسه، أو أصدر أمرا بالعفو عن مساعديه الذين قد أدينوا . 

لذلك يريد الديمقراطيون أن يتأكدوا أن هذا المرشح يتمتع بالموضوعية وروح الالتزام والحرص على إعلاء العدالة وسيادة القانون. لم يتسن للديمقراطيين النفاذ إلى المعلومات التي طلبوا الإطلاع عليها، وهو ما دفعهم إلى الاحتجاج. 

أما الجمهوريون فإنهم لم يمنحوا الديمقراطيين أي فسحة. فبدلا من أن يعملوا على أن مسار التعيين حر والمناقشات مفتوحة، فإنهم قد غرقوا في ممارساتهم الحزبية الضيقة بفضل الأغلبية التي يتمتعون بها، الأمر الذي جعل نتيجة جلسات الاستماع هو تحصيل حاصل، وحوّل العملية برمتها إلى مسرحية ساخرة. 

في خضم هذه الأجواء المشحونة بالضغائن تعرضنا مع منتصف الأسبوع الماضي إلى ما يشبه القنبلتين. كانت الصدمة تتعلق بنشر مقتطفات من الكتاب الذي سينشر عما قريب بعنوان «خوف»، وهو من تأليف بوب وودوارد الحائز جائزة بوليتزر. 

استمد المؤلف مادته من الحوار الذي أجراه مع العشرات من الموظفين الحاليين والسابقين وقد صور لنا في كتابه الجديد خبايا ما يحدث في البيت الأبيض. ينقل المؤلف أقوال بعض كبار المسؤولين في البيت الأبيض، والذين اعتبروا أن دونالد ترامب رئيس «معتوه» و«غير مطلع» حتى أن نفس هؤلاء المسؤولين الكبار يؤكدون أنهم يضطرون أحيانا للالتفاف على الأوامر التي يصدرها الرئيس ترامب حماية للبلاد من اندفاعاته الخطرة. 

بعد مرور يوم واحد، نشرت صحيفة نيويورك تايمز عمود رأي كتبه مسؤول كبير في إدارة الرئيس دونالد ترامب لم يذكر اسمه وقد جاء مؤكدا ما ورد في كتاب بوب وودوارد «خوف». 

يؤكد كاتب المقال الصحفي أنه يتفق مع القائلين بأن هناك بعض «النجاحات» التي حققها دونالد ترامب غير أنه يستدرك ويقول إن هذه النجاحات لم تكن ثمرة قيادة الرئيس ترامب، المعروف بتهوره ومزاجه الصعب وسرعة غضبه وتفاهته وقلة فاعليته.

قال كاتب المقال إن كبار المسؤولين لا يكادون يصدقون فيما بينهم التعليقات والأفعال التي تصدر عن القائد الأعلى للجيوش الأمريكية. لذلك، فإن هؤلاء يعملون على النأي بعملياتهم عن هوى الرئيس وأفعاله وأفكاره، كما أن طبيعته المندفعة تؤدي إلى قرارات عديمة القيمة ما يتطلب بعد ذلك التراجع عنها فورا . 

يقول كاتب العمود الصحفي: «إنه في خضم حالة الفوضى يوجد أناس راشدون داخل البيت الأبيض وفى إدارات السلطة التنفيذية والحكومة الأمريكية لاحتواء ما يسببه الرئيس. كتب هذا المسؤول الذي لم تعرف هويته» «نحن ندرك ما يحدث ونبذل قصارى جهدنا كي نفعل الصواب حتى وإن لم يفعل دونالد ترامب ذلك». 

أثار الكتاب والمقال المنشور في صحيفة نيويورك تايمز ردود أفعال رائعة. فقد اعتبر دونالد ترامب أن ما جاء في المقال الصحفي يرتقي إلى «الخيانة» وطالب الصحيفة بتسليم «الكاتب إلى الحكومة». عندها سارع أغلب كبار المسؤولين في البيت الأبيض إلى التأكيد أنهم لم يكتبوا المقال كما أكدوا أن التصريحات التي نسبها بوب وودوارد إليهم في كتاب «خوف» غير حقيقية. في هذه الأثناء بدأ يرد إلينا بعض التقارير التي تفيد بأن البيت الأبيض يشهد الآن ما يشبه «البحث عن السحرة» من أجل كشف النقاب عن «الخونة». 

تجاهل عدد من أعضاء الكونجرس من الجمهوريين الكتاب والعمود الصحفي وقالوا بكل بساطة: «هذا ليس بالأمر الجديد. لقد كنا نعرف ذلك منذ البداية». في هذه الأثناء، راح الكثير من الديمقراطيين والمحللين الإعلاميين يعبرون عن اتفاقهم مع البيت الأبيض، ويعتبرون أن كاتب العمود الصحفي جبان، غير أنهم نددوا أيضا بما يعتبرونه «صفقة شيطانية» لبعض الجمهوريين الذين يدّعمون الرئيس الذي يعتبرونه «غير كفء للقيادة» من أجل الحصول على خفض الضرائب وتخفيف القيود وتشكيل المحكمة العليا المحافظة التي يريدونها. 

كانت بداية الأسبوع قوية غير أن الشظايا قد أصابت بعد ذلك الجميع. فمع نهاية الأسبوع وجدنا أنفسنا نواجه الفوضى والاستقطاب الحزبي وجنون العظمة.  تلك هي واشنطن التي نعيش فيها الآن.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news