العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الضرورات الاستراتيجية لتحقيق الأمن النووي

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ١٠ ٢٠١٨ - 01:15

في الحادي والثلاثين من أغسطس2018، أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام) خبرًا، مفاده استحداث شرطة العاصمة الإماراتية أبوظبي قسمًا للأمن النووي ضمن هيكلها التنظيمي «لتعزيز جاهزيتها وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة، وتقديم الخدمات الأمنية بكفاءة واحترافية وحفاظًا على سلامة المجتمع ومؤسساته»، وأتصور أن ذلك القرار مهم للغاية مضمونًا وتوقيتًا لتحقيق الأمان النووي الذي يعني في كلمات موجزة «منع حوادث التسرب الإشعاعي والنووي، والحد من آثارها على السكان والبيئة»، فعلى صعيد المضمون، تنبع أهمية تلك الخطوة من ثلاثة اعتبارات أولها: أنه يندرج ضمن ما يمكن أن يطلق عليه الإجراءات الاحترازية وهي جوهر إدارة الأزمات التي تتطلب استنفارًا من جميع أجهزة الدولة للتعامل مع الكوارث والأزمات، ومنها حوادث التسرب الإشعاعي والنووي، والتي شهدها العديد من دول العالم، حيث إن إعداد سجل بشأن المخاطر النووية والإشعاعية ورفعه إلى الجهات المعنية يعد إجراءً بالغ الأهمية، ولعل حادث تسرب الغاز من أحد مصانع المبيدات في الهند عام 1984 يقرع جرس الإنذار في هذا الشأن، حيث راح ضحيته الآلاف من القتلى، فضلاً عن الإصابات التي خلفت آثارًا صحية مزمنة، والأهم في ذلك الحادث هو ارتباك الأطباء خلال التعامل مع الحالات التي استقبلتها المستشفيات آنذاك؛ إذ إن عدم تحديد نوع الإشعاع كان معوقًا لتقديم العلاج المناسب لتلك الحالات، فضلاً عن أن من بين أسباب ذلك الحادث سوء تقدير أحد العمال الفنيين لمؤشرات خلل فنية في عمل أجهزة المصنع، وثانيها: أن دول الخليج قد قطعت شوطًا مهمًا في تنفيذ برامج نووية سلمية، فضلاً عن وقوعها على مقربة من المفاعلات النووية الإيرانية التي أكد العديد من التقارير أن تلك المفاعلات لم تُبن وفقًا لمعايير الأمان النووي المطلوبة، بالإضافة إلى أن وقوع تلك المفاعلات النووية الإيرانية على خط الزلازل أمر يجعل من تفكير دول الخليج في خطط لتحقيق الأمان النووي ضرورة استراتيجية، وثالثها: تدحض تلك الخطوة ما تردد من قبل من أن التحديات التي تواجه دول الخليج نحو تنفيذ برامج نووية سلمية تتمثل في الكادر البشري، وفقا لما أشار إليه هانز بليكس رئيس لجنة أسلحة الدمار الشامل، والرئيس التنفيذي السابق للجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش خلال أحد المؤتمرات بدولة الإمارات في عام 2008. حيث إن استحداث شرطة أبوظبي لهذا القسم يعكس رؤية استراتيجية تتعدد مضامينها وأهدافها ليس أقلها نشر الوعي لدى أفراد الأجهزة الأمنية بمخاطر هذا النوع إذ لم تعد تصبح مهام التعامل مع التسربات الإشعاعية فنية فحسب بل إنها أمنية في الوقت ذاته.

وعلى صعيد التوقيت أعتقد أنه في ظل تطور عمل الجماعات الإرهابية فإن سعي تلك الجماعات لشن هجوم بأحد الغازات السامة يظل احتمالاً قائمًا، وخاصة أن هناك سوابق عديدة في هذا الشأن بما يعنيه ذلك من ضرورة وجود آليات لديها القدرة على التعامل مع خطر من هذا النوع، من ناحية ثانية، فإن تأسيس أقسام للأمان النووي ضمن المؤسسات الأمنية يعكس تلازم العنصرين الأمني والمدني خلال التعامل مع الكوارث والأزمات، وخاصة ذات التأثير المباشر على جميع المرافق الحيوية للدولة، ومن ناحية ثالثة، فإن تأسيس مثل هذه الآليات يتماشى مع التوجهات العالمية في هذا الشأن ومنها على سبيل المثال لا الحصر استحداث الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما يعرف «بالمؤتمر الدولي السنوي لشبكة تعليم الأمن النووي»، والذي يستهدف نشر ثقافة الأمن النووي من خلال مراجعة كل المعايير الدولية الحديثة في التعامل مع المواد المشعة والنووية وكل ما يرتبط بهما، والتي يتم استخدامها في مجالات مختلفة، والهدف الأساسي من ذلك الملتقى هو إعداد الكوادر المتخصصة على مستوى العالم لترسيخ الوعي بمفهوم الأمن النووي وتضم تلك الشبكة 315 عضوًا من 62 دولة، فضلاً عن العديد من المؤتمرات التي نظمتها الوكالة الدولية بالتعاون مع الجامعات والجهات المعنية بقضية الأمن النووي خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع أهمية استحداث آليات تحقيق الأمان النووي ضمن الأجهزة الأمنية، والتي تعد خطوة مهمة للغاية في ظل ما تضطلع به تلك الأجهزة من دور مهم خلال مواجهة حوادث التسرب الإشعاعي أو النووي، فإنه لاتزال هناك حاجة إلى المزيد من الجهود وفق استراتيجية متكاملة بحيث تشمل تلك الإجراءات الاحترازية الأبعاد الإعلامية بل والأكاديمية، إذ يتعين أن تكون هناك خطط إعلامية للتعامل مع حوادث من مثل هذا النوع، وذلك بالاستفادة من تجارب دول سابقة مثل اليابان التي واجهت حوادث مماثلة، ما حدا بالحكومة اليابانية إلى إنشاء هيئة لمراقبة الأمان النووي تحت رعاية وزارة البيئة في 12 أغسطس 2011. من ناحية أخرى، فإن تضمين المناهج الدراسية في المؤسسات الأمنية المتخصصة، مناهج لدراسة الأزمات عمومًا أمر بالغ الأهمية ويتعين أن تحظى السيناريوهات الافتراضية «نماذج المحاكاة» باهتمام ضمن تلك المناهج بحيث تتجاوز المضمون النظري الذي لن يؤتي بثماره من دون جوانب عملية على غرار ما تشهده الكليات الدفاعية العريقة في العالم، بل إن بعض الجامعات قد أولت تلك السيناريوهات أهمية كبيرة ومن ذلك المشروع الذي تقوم جامعة جورج ميسون بولاية فرجينيا الأمريكية حول سيناريو افتراضي مفاده إسقاط قنبلتين نوويتين على الساحل الشرقي للولاية، إذ تقدر كلفة المشروع بحوالي 450 ألف دولار، ويتضمن نماذج تحتوي على كيفية رد المسؤولين في المدينة على مدى ثلاثين يوما في أعقاب الضربة النووية.

ويعني ما سبق أن الاهتمام بتحقيق الأمان النووي قد تجاوز مفهومه الفني والتقني، إذ لم يعد يرتبط بشكل مباشر بالفنيين والمتخصصين - برغم أهمية ذلك- بل إنه يجب ترسيخ ما يسمى بـ«ثقافة الأمان النووي» والتي تتطلب جهودًا تدريبية وتعليمية وإعلامية تستهدف التوعية بمثل هذا النوع من المخاطر وفقًا للمعايير الدولية في هذا الشأن تأسيسًا على حقيقة مؤداها أن تحقيق الأمان النووي قد أضحى ضرورة وخيارًا استراتيجيًا في الوقت ذاته. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news