العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

قضية اللاجئين ليست للمساومة

كل المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة الأمريكية لتبرير قرارها وقف الدعم الأمريكي البالغ 350 مليون دولار سنويًا إلى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ليست مقنعة ولا يمكن تجريدها من أهدافها السياسية، وخاصة بعد إصابة العلاقات الفلسطينية الأمريكية بشرخ جراء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلان مدينة القدس المحتلة عاصمة لــ«إسرائيل»، والذي أعقبه قرار السلطة الوطنية الفلسطينية تعليق اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، واعتبار أمريكا طرفا غير مؤهل لقيادة عملية السلام في المنطقة، فالإدارة الأمريكية قد أرادت من قرار وقف تقديم المساعدات لوكالة «الأونروا» ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، وربما أهم وأكبر هذه العصافير هي قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تعتبر واحدة من القضايا التي تؤرق ساسة «إسرائيل» وتزعج الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد وضع حد لهذه القضية من خلال تحويلها إلى قضية إنسانية ليست لها أي صفة سياسية.

فأمريكا بقرارها وقف مساعداتها للوكالة الدولية، تعرض أكثر من خمسة ملايين فلسطيني يعيشون على المساعدات والخدمات التعليمية والصحية والإسكانية التي تقدمها الوكالة، لخطر فقدان أو انخفاض مستوى هذه الخدمات، إذ سيكون من المستحيل على الوكالة الدولية الاستمرار في تقديم هذه الخدمات من دون الحصول على دعم مالي يسد النقص الذي سوف يحدثه وقف التمويل الأمريكي لمشاريع «الأونروا»، وهو ما دفع الجامعة العربية إلى التنديد بهذا القرار والتحذير من تبعاته الإنسانية على اللاجئين الفلسطينيين، وهو الأمر نفسه الذي عبّر عنه أكثر من مسؤول في الوكالة الدولية.

الوكالة الدولية «الأونروا» تشكلت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لسنة 1949؛ أي بعد عام واحد من نكبة فلسطين وإعلان قيام «إسرائيل»، حيث نص القرار على وجوب «قيام الوكالة بتقديم خدماتها لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في المجالات كافة، وفقًا للتفويض الدولي الممنوح لها، حتى حل قضية اللاجئين من جميع جوانبها»، وهو الشرط الذي لم يتحقق حتى الآن حيث تقف «إسرائيل» ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية بالمرصاد لأي توجه نحو حل هذه القضية عبر الرفض المطلق لمبدأ عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شُردوا منها.

الأزمة المالية التي سوف يخلقها القرار الأمريكي، لن تصيب أنشطة الوكالة الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط،  بل إنها سوف تمتد أيضا إلى مناطق أخرى يوجد فيها ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وتحديدا في كل من لبنان والأردن وسوريا حيث تقدم «الأونروا» خدماتها، ومن هنا فإن المسألة في غاية الخطورة ما لم يكن هناك تحرك جدي من الأطراف العربية بالدرجة الأولى، لسد النقص المالي الذي ستواجهه المنظمة من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون توقف أنشطتها وخدماتها، الأمر الذي سيؤدي إلى تغييب قضية اللاجئين الفلسطينيين عن الساحة الدولية وطمس القضية برمتها، وهو ما تهدف وتطالب به «إسرائيل» مدعومة بموقف أمريكي مشابه. 

المتحدث الرسمي باسم وكالة «الأونروا»، سامي مشعشع لم يقلل من الآثار السلبية للقرار الأمريكي على عمل المنظمة وما قد تواجهه أنشطتها وخدماتها من صعوبات إلا أنه في نفس الوقت قد فطن إلى البعد السياسي من وراء القرار سالف الذكر حين أكد «أن عمل الوكالة لن ينتهي بقرار من الرئيس دونالد ترامب، وستبقى هذه المنظمة الأممية شاهدًا حيًا على جريمة تهجير الفلسطينيين من أرضهم بالقوة»، وفي هذه العبارة الأخيرة يكمن مربط الفرس والهدف الأمريكي غير المعلن، فالمبلغ الذي تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية لا يشكل أي ضغوط مالية على الخزينة الأمريكية، بل لا يكاد يذكر بالمقارنة بالمساعدات والهبات المالية الضخمة التي تقدمها أمريكا إلى العديد من الدول والمنظمات، ناهيك عن مليارات الدولارات التي صرفتها على «نشر الديمقراطية» في العالم.

فقضية اللاجئين الفلسطينيين أكبر بكثير من مجرد تقديم مساعدات وخدمات إنسانية إلى ملايين من البشر المشردين من ديارهم منذ ما يزيد على سبعة عقود، فهؤلاء هم شعب اقتلع من أرضه ودياره ضمن مخطط استعماري خبيث وإحلال بشر من مختلف بقاع الأرض مكانهم، فهذه في حقيقتها قضية ذات أبعاد تتعدى الأبعاد الإنسانية، فالطابع السياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين هو الدافع الأهم والأساسي وراء محاربة وعرقلة أنشطة الوكالة الدولية «الأونروا»، لأن وجود هذه الوكالة واستمرار عملها، يعني بشكل مباشر استمرار قضية اللاجئين الأمر الذي يضع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية إيجاد حل لها.

فالعديد من الأطراف ذات النفوذ السياسي والمالي الكبير قد عملت على مدى عقود طويلة من أجل طي صفحة اللاجئين من خلال البحث عن طريقة ما لتوطينهم في بلاد الشتات، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل نتيجة تمسك اللاجئين الفلسطينيين بحقهم في العودة إلى وطنهم من جهة، ومن جهة أخرى رفض الدول العربية التي تستضيف ملايين اللاجئين المشاركة في طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، وما زيادة الضغوط المالية على وكالة «الأونروا» إلا واحدة من هذه المحاولات.

الدول العربية تتحمل الجزء الأهم والأكبر من مسؤولية تمكين الوكالة الدولية من مواصلة عملها وتقديم خدماتها للأشقاء الفلسطينيين، فالقضية الفلسطينية هي قضية قومية عربية بالدرجة الأولى، ودعم الشعب الفلسطيني في مواجهة مختلف أشكال الضغوط والمحاولات لتغييب وشطب قضيته وحقوقه التاريخية، واجب قومي يجب على الدول العربية تحمله وهي قادرة على ذلك. 

 

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news