العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

سينما

«مشروع فلوريدا».. فيلم يعاين مناخات الفقر في أميركا

الأحد ٠٩ ٢٠١٨ - 11:38

تقع أحداث فيلم «مشروع فلوريدا» في قلعة وردية، بحديقة كبيرة وألعاب، قريبًا من نبع ماء صغير، وعلى بعد كيلومترات قليلة من ديزني لاند شخصيًا، أليس هذا حلم كل صغير، ولكن مخرج العمل سين بيكر أدار ظهره لكل هذا الجمال، وقرر أن يطلعنا على تفاصيل هذا العالم الذي نخره السوس حتى النخاع.

تدور الأحداث في أحد الموتيلات بمدينة فلوريدا، حيث السكان محدودي الدخل، يجاهدون الأسبوع بعد الآخر ليجدوا طعامهم ودفع الإيجار، وأبطال الفيلم هم أطفال ثلاثة موني ذات الستة أعوام، ابنة لأم عزباء، وسكوتي وله ذات الظروف، وجانسي التي تعيش مع جدتها بعدما أنجبتها الأم في الخامسة عشر وألقتها على الجدة وذهبت.

قصة الفيلم هي البساطة ذاتها، لا توجد أزمة عظيمة يواجهها الأبطال، ولا محاولة لهزم الأشرار، فالشرير من البداية لا يمكن هزيمته، فمن يستطيع هزيمة الفقر والجوع في هذا العالم! ولكن بدلًا عن الحبكة القوية قدم شين بيكر الذي شارك في الكتابة مع كريس بيرجو رسم ناعم للشخصيات، واعتمدا على التمثيل العفوي الرائع للأطفال الصغار الذين حملوا عبء الفيلم على كاهلهم من البداية للنهاية. موني أو بروكلين برنس هي الطفلة الأكثر نضجًا التي رأيتها على الشاشة الكبيرة، تربيها الأم هالي التي تتنقل بين الأعمال الوضيعة، حينًا راقصة، وأحيانًا بائعة عطور متجولة، تسرق عندما تتاح لها الفرصة، ومع ذلك هي أم حانية على صغيرتها، تعلمها دروس العالم القاسي بصورة عملية، تستخدمها في عمليات البيع لتستدرج شفقة المشترين، وكان تأثير ذلك على الصغيرة مرعبًا، فقد أكسبها سنوات عديدة فوق عمرها الصغير، لتبدو أحيانًا أكثر نضجًا من والدتها، ولكن ذلك في ظل عيون بريئة رائعة تجعل قلوب المشاهدين ترتجف عليها مع كل مشهد خطر، وعند النهاية سينقلب هذا الوجه الثابت القادر على مواجهة الجميع في وقاحة بصورة غير متوقعة. أمّا الشخصية الثانية في الأهمية فهي بوبي مدير الموتيل، الذي يمثل له الصغار بأمهاتهن خاصةً هالي صداعًا مستمرًا في رأسه، بكل التخريب والمشاكل التي يحدثوها كل يوم، ولكن هذا لا يمنع الطابع الأبوي والمسؤولية التي يتعامل بها مع مشاكلهم ولو بصورة مخفية، فهو يمثل الملاك الحارس لهم حتى دون أن يعلموا بذلك، وترشح ويليام دافو للجولدن جلوب والأوسكار والبافتا عن هذه الشخصية. صورة الفيلم جاءت معبرةً عن فكرته، التناقض الظاهر بين الشكل الخارجي المتألّق، ما نراه في المشاهد الخارجية بوضوح سواءً شكل المبنى، أو الحدائق المحيطة به، أو المكان الذي يحفل بالمتاجر الذي يتجول فيه الأطفال، والفقر وبؤس الحال في المشاهد الداخلية جميعًا، سواءً في غرف السكان، أو في مكتب بوبي الصغير الكئيب، ربما في ذلك إشارة للصورة الخارجية البراقة للولايات المتحدة، والواقع الحزين لبعض طبقاتها مثل: التي رأيناها في الفيلم. عدد كبير من الأفلام تناولت الفقر والطبقات الدنيا في الولايات المتحدة، ولكن فيلم «مشروع فلوريدا»  كانت له إضافيتان جعلته مختلفًا: أولًا كونه من وجهة نظر طفولية بريئة ساذجة لم ترَ من الحياة شيء أفضل فتظن أنّ وجبة آخر اليوم، وبعض الضحك واللعب هو أفضل شيء يمكن الوصول إليه، وتركيزه على حال الأمهات العازبات اللواتي كن أبطال القصة طوال الوقت، من هالي التي تعاني بكل الطرق لتوفر لابنتها أقل أساسيات الحياة من سقف وطعام، ووالدة سكوت التي تحاول حماية ابنها من الفساد والحفاظ على وظيفتها المتواضعة في صعوبة بالغة، والجدة التي تتحمل مسؤولية أحفادها الصغار وحيدة، كلهن تحت خط الفقر، كلهن يحاولن الضحك في وجه البؤس، وأقصى رفاهية لهن هي كسب إيجار أسبوع آخر. فيلم «مشروع فلوريدا»  عمل قد يبدو بسيطًا من الخارج، لا يحتوي على التواءات في الحبكة تجعل المشاهد جالسًا على حافة المقعد طوال الوقت، بل يكسر أفق توقعات المتفرج بصورة عكسية، فكلما تصور أنّ أبطاله على وشك الوقوع في كارثة يجد أنّها لا تحدث؛ وذلك لأنّ الوضع لا يحتمل أي أزمات درامية بالفعل، فما يعيشه أبطال هذه الطبقة وليس هذا الفيلم فقط يفوق في مأساويته أي عقدة سينمائية مبتذلة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news